ثمة نظرية أثيرة عن (المستبد العادل) كان الإمام محمد عبده قد قال بها، معتبرا إياها مدخلا لحل معضلة السلطة فى المجتمعات الإسلامية، التى كانت الديمقراطية الليبرالية تبدو عصية عليها عند نهايات القرن التاسع عشر بقدر ما كانت تبدو غريبة على ثقافتها السياسية التى طالما انشغلت بمفهوم الأمة والجماعة، ولم تكترث أبدا بمفهوم الفرد ولا الطبقة، بحثا عن التكامل المجتمعى على قاعدة التراحم الإنسانى، وليس عن الصراع الإجتماعى على قاعدة الحقوق الفردية. ما أومأ إليه الإمام هو أن الحاكم المستبد، القوى، إذا ما كان عادلا بين الرعية، أمينا علي الأمة، يمكنه تحقيق صلاحها، وهو قول صادق فى العموم، بل يمكننا الإضافة إليه ما يفسر منطقه، وهو أن الحاكم القوى الأمين، القادر على نشر العدل ورعاية المواطنين، والمتحرر من ضغوط الآخرين، أفضل كثيرا من أى نظام ديمقراطى تعددى، يقوم على أحزاب متصارعة، وينطوى على جماعات ضغط متحفزة، أى على فرقاء فى الميول الإيديولوجية، والمواقع الاقتصادية، وكذلك فى رؤية العالم وفى كيفية التعاطى مع الآخرين. هذا الاختلاف يجعل إدارة الشأن العام نتاجا لعمليات مساومة صعبة وتفاوض دائم وصدامات مؤقتة تجعل من مهمة اتخاذ القرارات الكبيرة وشق التوجهات الجديدة عملية صعبة وبطيئة، وتفرض على القائد حدودا فى الحركة وقيودا فى الزمن لا يستطيع تخطيها إلا بصعوبة بالغة. ولاشك أن قضية مثل هذه ليست بخطورة قرار مثل إعلان الحرب، والتى يكون للوقت فيها أثر حاسم فى إدارة الصراع، وكسب المعارك. ومثل ذلك يمكن قوله عن عقد معاهدات للسلام يمكن أن تكون مفيدة، أو بناء تحالفات استراتيجية يمكن أن تكون مؤثرة، أو حتى توقيع صفقات تجارية قد تكون مربحة، وجميعها يمثل الوقت عنصرا حاسما فى إنجازها، على نحو يجعل المساومات المعقدة بين وجهات النظر المختلفة حولها عبئا ثقيلا عليها، قد يؤدى لإفشالها أو تقليل العائد المتوقع منها. غير أن الدرس الذى يعلمنا التاريخ إياه، دولا ومجتمعات وأفرادا، هو أن الاستبداد لا يمكن أن يكون عادلا أبدا، حتى لو وجد مستبد واحد عادل.. قد يأتى المستبد العادل فعلا، ويكون عهده زاخرا بالرخاء حقا، على منوال ما كان زمن الفاروق عمر بن الخطاب، أعدل حكام الزمان، الذى أسسوا للدولة على قاعدة العدل والشورى والاجتهاد، ولكن مجىء مثل هذا الرجل يظل صدفة رائعة لا تتكرر كثيرا، ولا يتوجب على مجتمعاتنا انتظارها. أما الاستبداد نفسه فيمثل بنية معقدة، وسياقا ممتدا، يقود إلى الفساد والترهل والضعف والركود، ومن ثم يصير دوما هو الظلم بعينه. درس التاريخ إذن أن الحاكم المستبد ولو كان عادلا، لا يقيم أبدا مجتمعا عادلا بدافع أمرين أساسيين: الأمر الأول: أنه لن يتمكن من ممارسة عدله على نطاق يتسع لكل دولته، فطاقته الإنسانية محدودة، وقدرته على المتابعة ضئيلة. كما أنه، وفى ظل مجتمعنا الحديث، القائم على التخصص الشديد، وتقسيم العمل المعقد، لن يكون قادرا على فهم جميع الظواهر المحيطة به، واتخاذ القرارت فى كل المشكلات التى تواجهه. إذن فهو إما غير قادر على رؤية كل شىء بنفسه، أو إنه غير قادر على فهم حقيقة كل ما يراه، نتيجة لتعقيد وتخصص هذا الذى يراه. وفى الحالين سيكون مضطرا للاستعانة بآخرين سواء لينقلوا إليه ما لم يره بنفسه وهم (رجال السياسة والإدارة). أو ليحللوا له ما استغلق عليه فهمه وهم (رجال العلم والمعرفة). وهكذا يتحول هئولاء، من الصنفين، إلى رجال الحكم الحقيقيين، الذين سرعان ما يصطبغون بالبيئة السياسية التى يحكمون منها وفيها: فهى إما بيئة حرية وسيادة قانون، يصيرون معها نخبة حاكمة جيدة، خشية عقاب القانون ورقابة البرلمان، وسطوة الإعلام الحر، وضغوط الصحافة المستقلة.. وإما بيئة تسلط وفساد، يتحولون فيها، بتأثير غياب الشفافية والرقابة القانونية والبرلمانية الفعالة، إلى بطانة سوء، وجماعة مصلحة، لا تتنافس مع آخرين للفوز بالسلطة، بل تجد السلطة فى يدها، مثل ثمرة يانعة، تقبض على زمامها بسهولة لتدبر بها منافعها. والأمر الثانى أنه لن يستطع أن يمارس عدله فى زمن ممتد، فالحاكم مهما كان صحيح البدن أو ضعيفه، له عمر رجل واحد لا يستطيع تجاوزه. إنه العمر البشرى المحدود الذى سرعان ما ينقضى، ليرثه آخرون، غالبا ما يكون عدلهم أمرا محتملا، يعكس أملا فى صدفة جديدة سعيدة غالبا ما تكون نادرة. وفى المقابل، يكون استبدادهم أمرا مؤكدا، يكاد يشبه اليقين، إذ لم يعرف التاريخ تقريبا حاكما عادلا ورثه آخر أعدل منه، فيما عرف التاريخ كثيرا من الحكام الفاسدين والظالمين ورثهم من هم أفسد وأظلم منهم. فإذا كان عبد الناصر عادلا مع الاستبداد، فقدر ورث السادات استبداده من دون عدله، مع كونه رجل دولة حقيقيا، فيما ورث حسنى مبارك الاستبداد من دون عدل ناصر، ودهاء السادات، فاستحالت مصر ليس فقط بلدا غير ديمقراطى، ولكنه أيضا غير عادل إذ جمع بين ثراء المهراجات، وفقر الشحاذين، بل الأهم من ذلك أنه صار بلدا رخوا، استحال ساحة للمنافسة عليه، يعيش حياته يوما بيوم، على طريقة عمال التراحيل أو البائعة الجائلين، من دون يقين بمستقبل آت، أو تخطيط لغد قادم سوى لمشروع التوريث الحزين، الذى كان بمنزلة محاولة انقلابية على التراث الجمهورى كله، وليس على الموروث العادل منه. درس التاريخ أخيرا.. أن الحاكم العادل ليس إلا صدفة، لا يتوجب على المجتمعات انتظارها، أو التعلق بخلاص قد يأتي منها، أما العدل نفسه فهو القيمة التى يتوجب عليها أن تسعى إلى تكريسها فى كل أنساق حياتها، لتكون ديدنها، والمنارة الهادية لها، التى تلهم وعيها وتحفز سيرها، فتبقى سيدة لنفسها، مالكة لمصيرها، عصية على الغواية والخداع. لمزيد من مقالات صلاح سالم