استئناف الرحلات إلى مطار فيلادلفيا الأمريكي بعد توقف بسبب تهديد بوجود قنبلة    مصرع مهندس وزوجته الطبيبة و3 من أبنائهما في حادث مروع بالبحيرة (صور)    مصرع 5 أشخاص فى حادث انقلاب سيارة ملاكى بالطريق الدولى الساحلى بالبحيرة    ادعوا لي أنا تعبانة أوي، تعرض يارا تامر زوجة مسلم لوعكة صحية طارئة    جوتيريش: للشعب الفلسطيني حق الكرامة والعدالة وحل الدولتين سبيل السلام    ليلة تتوهّج بالنجوم.. «ملتقى التميّز والإبداع العربي» يكرّم كبار فناني مصر والعالم العربي في احتفال استثنائي    أصل الحكاية| الملك أمنمحات الثالث.. حضور ملكي في هيئة كهنوتية    مندوب سوريا في الأمم المتحدة يدين الهجوم الإسرائيلي على بيت جن    أحمد دياب: نريد إنقاذ الأندية الشعبية.. ولن نلغي الهبوط هذا الموسم    حارس الجيش الملكي: غياب «الفار» حرمنا من ركلة جزاء ثانية أمام الأهلي    غوى النكت: مخرجات «COP30».. «أقل بكثير من المطلوب»    كيفية تربية الفراخ في المنزل.. دليل شامل للمبتدئين    رسميا، محمد بلال رئيسا ل نادي سموحة و"الغنيمي" نائبا (فيديو)    زعيم الطيور المهاجرة.. فلامنجو بورسعيد يرقص التانجو!    طيران نيوزيلندا: استدعاء طائرات إيرباص يتسبب بتعطل بعض الرحلات اليوم السبت    وصول هاني رمزي لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح    بحضور النجوم.. إطلالة هادئة ومشاهد رومانسية في زفاف أروى جودة    صلاح دندش يكتب : تخاريف    طائرات "خارج الخدمة"، اضطراب بحركة الطيران العالمية بسبب أزمة "إيرباص"    جمال الصيرفي رئيسا لنادى بيلا الرياضى بكفر الشيخ    وزيرة التضامن تعلق على مسلسل "كارثة طبيعية" وتكشف خطة التدخل الواقعية لحالات الاستغاثة    بيرو تعلن حالة الطوارئ على حدودها مع تشيلي وسط تزايد محاولات الهجرة    والدة شيماء جمال: لا تهاون مع من يحاول استخدام اسم ابنتي لمصالح شخصية    خبير تكنولوجيا يحذر من تجاهل التحولات الرقمية وسقوط ملايين الوظائف    محمد موسى يكشف أخطر أدوات الفوضى الرقمية واستهداف المجتمعات    تعرف على المستندات المطلوبة من حجاج الجمعيات بكفر الشيخ    اليوم.. تحديد مصير الملاكم المتهم بالاعتداء على أسرة في الشيخ زايد    وزير الثقافة يتفقد موقع حريق ديكور مسلسل «الكينج» | صور    ننشر قائمة فئات المعلمين غير المستحقين لحافز التدريس    انتهاء فعاليات اليوم الأول من التصفيات النهائية للمسابقة المعلوماتية الأكبر فى مصر «ديجيتوبيا» DIGITOPIA    محمد موسى يفضح لعبة الإخوان: تجارة بالدين وخدمة لأجندات استخباراتية    أبطال المشروع القومى للموهبة بكفر الشيخ يحصدون 6 ميداليات والمركز الثالث    خبر في الجول - عامر حسين يقترب من الإشراف على الكرة في الاتحاد السكندري    محمد موسى يفتح النار على مروجي شائعات شيماء جمال: ارحموا من تحت التراب    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    مولد وصوان عزاء| محمد موسى يهاجم مستغلي طلاق المشاهير    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    عالم الأزهر يكشف مخاطر الخوض في حياة المشاهير على السوشيال ميديا    هل يحتوى ترامب التصعيد بين الصين واليابان أم يشعله؟    نجاح أول جراحة للقلب المفتوح بالمجمع الطبي الدولي بالأقصر    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    النيابة العامة تُنظم حلقة نقاشية حول تحقيق التوازن بين سلامة المريض وبيئة عمل آمنة    خبر في الجول – الأهلي يقرر تقديم شكوى ضد الجيش الملكي والحكم    مدرب الجيش الملكي: كنا نستحق الفوز.. والأهلي من بين الأفضل في العالم    الصباحى: ركلة جزاء الجيش الملكى غير صحيحة.. ورئيس الحكام يهتم برأى الاعلام    لحظة الحسم في الإدارية العليا: 187 طعنًا انتخابيًا على طاولة الفصل النهائي    وزير الإسكان ومحافظ كفر الشيخ يفتتحان محطة مياه شرب قرية دقميرة اليوم    أخبار 24 ساعة.. مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية    كيف ينتشر فيروس ماربورغ وأخطر أعراضه؟    وزير قطاع الأعمال العام يشهد افتتاح المعرض المصاحب للمؤتمر الوزاري الأفريقي    محمود بسيونى يكتب: جيل الجمهورية الجديدة    تكريم حفظة القرآن الكريم بقرية بلصفورة بسوهاج    رفعت فياض يكشف حقيقة عودة التعليم المفتوح    المفتى السابق: الشرع أحاط الطلاق بضوابط دقيقة لحماية الأسرة    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من طلاب الثانوية في زيارة تثقيفية لتعزيز الوعي    هيئة«الرعاية الصحية» تعقد لقاءات لبحث تعزيز السياحة العلاجية والاستثمارات الصحية    في الجمعة المباركة.. تعرف على الأدعية المستحبة وساعات الاستجابة    تحقيق عاجل بعد انتشار فيديو استغاثة معلمة داخل فصل بمدرسة عبد السلام المحجوب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أكذوبة الاستبداد العادل
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 09 - 2014

ثمة نظرية أثيرة عن (المستبد العادل) كان الإمام محمد عبده قد قال بها، معتبرا إياها مدخلا لحل معضلة السلطة فى المجتمعات الإسلامية، التى كانت الديمقراطية الليبرالية تبدو عصية عليها عند نهايات القرن التاسع عشر
بقدر ما كانت تبدو غريبة على ثقافتها السياسية التى طالما انشغلت بمفهوم الأمة والجماعة، ولم تكترث أبدا بمفهوم الفرد ولا الطبقة، بحثا عن التكامل المجتمعى على قاعدة التراحم الإنسانى، وليس عن الصراع الإجتماعى على قاعدة الحقوق الفردية.
ما أومأ إليه الإمام هو أن الحاكم المستبد، القوى، إذا ما كان عادلا بين الرعية، أمينا علي الأمة، يمكنه تحقيق صلاحها، وهو قول صادق فى العموم، بل يمكننا الإضافة إليه ما يفسر منطقه، وهو أن الحاكم القوى الأمين، القادر على نشر العدل ورعاية المواطنين، والمتحرر من ضغوط الآخرين، أفضل كثيرا من أى نظام ديمقراطى تعددى، يقوم على أحزاب متصارعة، وينطوى على جماعات ضغط متحفزة، أى على فرقاء فى الميول الإيديولوجية، والمواقع الاقتصادية، وكذلك فى رؤية العالم وفى كيفية التعاطى مع الآخرين. هذا الاختلاف يجعل إدارة الشأن العام نتاجا لعمليات مساومة صعبة وتفاوض دائم وصدامات مؤقتة تجعل من مهمة اتخاذ القرارات الكبيرة وشق التوجهات الجديدة عملية صعبة وبطيئة، وتفرض على القائد حدودا فى الحركة وقيودا فى الزمن لا يستطيع تخطيها إلا بصعوبة بالغة.
ولاشك أن قضية مثل هذه ليست بخطورة قرار مثل إعلان الحرب، والتى يكون للوقت فيها أثر حاسم فى إدارة الصراع، وكسب المعارك. ومثل ذلك يمكن قوله عن عقد معاهدات للسلام يمكن أن تكون مفيدة، أو بناء تحالفات استراتيجية يمكن أن تكون مؤثرة، أو حتى توقيع صفقات تجارية قد تكون مربحة، وجميعها يمثل الوقت عنصرا حاسما فى إنجازها، على نحو يجعل المساومات المعقدة بين وجهات النظر المختلفة حولها عبئا ثقيلا عليها، قد يؤدى لإفشالها أو تقليل العائد المتوقع منها.
غير أن الدرس الذى يعلمنا التاريخ إياه، دولا ومجتمعات وأفرادا، هو أن الاستبداد لا يمكن أن يكون عادلا أبدا، حتى لو وجد مستبد واحد عادل.. قد يأتى المستبد العادل فعلا، ويكون عهده زاخرا بالرخاء حقا، على منوال ما كان زمن الفاروق عمر بن الخطاب، أعدل حكام الزمان، الذى أسسوا للدولة على قاعدة العدل والشورى والاجتهاد، ولكن مجىء مثل هذا الرجل يظل صدفة رائعة لا تتكرر كثيرا، ولا يتوجب على مجتمعاتنا انتظارها. أما الاستبداد نفسه فيمثل بنية معقدة، وسياقا ممتدا، يقود إلى الفساد والترهل والضعف والركود، ومن ثم يصير دوما هو الظلم بعينه. درس التاريخ إذن أن الحاكم المستبد ولو كان عادلا، لا يقيم أبدا مجتمعا عادلا بدافع أمرين أساسيين:
الأمر الأول: أنه لن يتمكن من ممارسة عدله على نطاق يتسع لكل دولته، فطاقته الإنسانية محدودة، وقدرته على المتابعة ضئيلة. كما أنه، وفى ظل مجتمعنا الحديث، القائم على التخصص الشديد، وتقسيم العمل المعقد، لن يكون قادرا على فهم جميع الظواهر المحيطة به، واتخاذ القرارت فى كل المشكلات التى تواجهه. إذن فهو إما غير قادر على رؤية كل شىء بنفسه، أو إنه غير قادر على فهم حقيقة كل ما يراه، نتيجة لتعقيد وتخصص هذا الذى يراه. وفى الحالين سيكون مضطرا للاستعانة بآخرين سواء لينقلوا إليه ما لم يره بنفسه وهم (رجال السياسة والإدارة). أو ليحللوا له ما استغلق عليه فهمه وهم (رجال العلم والمعرفة).
وهكذا يتحول هئولاء، من الصنفين، إلى رجال الحكم الحقيقيين، الذين سرعان ما يصطبغون بالبيئة السياسية التى يحكمون منها وفيها: فهى إما بيئة حرية وسيادة قانون، يصيرون معها نخبة حاكمة جيدة، خشية عقاب القانون ورقابة البرلمان، وسطوة الإعلام الحر، وضغوط الصحافة المستقلة.. وإما بيئة تسلط وفساد، يتحولون فيها، بتأثير غياب الشفافية والرقابة القانونية والبرلمانية الفعالة، إلى بطانة سوء، وجماعة مصلحة، لا تتنافس مع آخرين للفوز بالسلطة، بل تجد السلطة فى يدها، مثل ثمرة يانعة، تقبض على زمامها بسهولة لتدبر بها منافعها.
والأمر الثانى أنه لن يستطع أن يمارس عدله فى زمن ممتد، فالحاكم مهما كان صحيح البدن أو ضعيفه، له عمر رجل واحد لا يستطيع تجاوزه. إنه العمر البشرى المحدود الذى سرعان ما ينقضى، ليرثه آخرون، غالبا ما يكون عدلهم أمرا محتملا، يعكس أملا فى صدفة جديدة سعيدة غالبا ما تكون نادرة. وفى المقابل، يكون استبدادهم أمرا مؤكدا، يكاد يشبه اليقين، إذ لم يعرف التاريخ تقريبا حاكما عادلا ورثه آخر أعدل منه، فيما عرف التاريخ كثيرا من الحكام الفاسدين والظالمين ورثهم من هم أفسد وأظلم منهم. فإذا كان عبد الناصر عادلا مع الاستبداد، فقدر ورث السادات استبداده من دون عدله، مع كونه رجل دولة حقيقيا، فيما ورث حسنى مبارك الاستبداد من دون عدل ناصر، ودهاء السادات، فاستحالت مصر ليس فقط بلدا غير ديمقراطى، ولكنه أيضا غير عادل إذ جمع بين ثراء المهراجات، وفقر الشحاذين، بل الأهم من ذلك أنه صار بلدا رخوا، استحال ساحة للمنافسة عليه، يعيش حياته يوما بيوم، على طريقة عمال التراحيل أو البائعة الجائلين، من دون يقين بمستقبل آت، أو تخطيط لغد قادم سوى لمشروع التوريث الحزين، الذى كان بمنزلة محاولة انقلابية على التراث الجمهورى كله، وليس على الموروث العادل منه.
درس التاريخ أخيرا.. أن الحاكم العادل ليس إلا صدفة، لا يتوجب على المجتمعات انتظارها، أو التعلق بخلاص قد يأتي منها، أما العدل نفسه فهو القيمة التى يتوجب عليها أن تسعى إلى تكريسها فى كل أنساق حياتها، لتكون ديدنها، والمنارة الهادية لها، التى تلهم وعيها وتحفز سيرها، فتبقى سيدة لنفسها، مالكة لمصيرها، عصية على الغواية والخداع.
لمزيد من مقالات صلاح سالم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.