»رسميا» هي صناديق «عهدة « يخاف الجميع أن يحاسب عليها ، وأوراق و مخاطبات رسمية تذهب وتعود مثقلة بمزيد من الأختام الحكومية والإمضاءات الفخمة والقرارات الوزارية لتضاف في نهاية المطاف ل «الملف الأسود».. واقعيا وفعليا هي بالنسبة لنا محاولة للبحث عن جزء من تراثنا الفني والثقافي والإنساني الذي يلتهمه الإهمال كل يوم ويتغذي عليه السوس ولايزال منذ عشر سنوات .. في دواوين أي وزارة أو مصلحة حكومية «عهدة» تتناقلها أجيال من الموظفين كل موظف يسلم أوراقها لمن يليه ويخلي مسؤوليته ليتسلمها مسؤل آخر لتبدآ دورة الروتين الحكومي حياتها العادية ولكن ماذا لو كانت العهدة (الثقيلة) ليست مجرد كراتين لا قيمة لها او قطع غيار أكلها الصدأ سيلقي بها في النهاية لتجار الخردة ماذا لو كانت العهدة تراثا ،وآثارا ،وثقافة ، وفنا يخشي أن تلتهما ذاكرة النسيان ؟ . ماذا لو كانت العهدة متحفا كاملا للتراث والفنون والصناعات الفنية المصرية كان يفترض به أن يضم كل هذا؟ ماذا لو كانت العهدة ترسم بمحتوياتها خارطة حياة مصر التراثية منسوجة ومجدولة ومطروقة ومطرزة ومنحوتة. جهد سنوات من التجميع والتوثيق والفن أغلقت عليها صناديق خشبية تحولت لمرتع للحشرات داخل مخزن صغير علي أطراف القاهرة .. رحلة بحث بدأتها من معلومة عن المقتنيات التي خرجت من وكالة الغوري قبل عشر سنوات واختفت ورغم انجاز العثور عليها فإن الأمر كان فعلا صادما ومدهشا .. فالعهدة لا تجد من يريدها بينما مكانها في متحف الحضارة لا احد يعرف أين ذهب هو الآخر !!!!!! ......................... «دار النسجيات المرسمة »يافطة سقطت قبل سنوات ولم يرفعها احد ، بل تم إيداعها المخازن لحين الإصلاح ولم يكن أمام الذاهب للمكان البعيد في حلوان سوي سؤال من يعرفون المدينة جيدا ليدلوك علي المكان الهادئ تماما إلا من أصوات الموظفين القليلين من إداريين وعمال نسيج السجاد اليدوي الذي يتخصص فيه المكان، لم أكن ابحث عن النسيج ولا عن الدار التي أوقفت أنشطتها بعد ثورة يناير خوفا من تعرضها للسرقة فقط كنت ابحث عن الصناديق التي رحلت عن وكالة الغوري منذ حوالي عشرة أعوام ولم يعلم احد مكانها وتحولت لأوراق رسمية تحمل توقيع وزير لم يعد موجودا .وكانت البداية ورقة تحمل قرار رقم (50 ) لسنة 2007 عن عهدة تضم 397 بندا من المقتنيات المتحفية يتم تخزينها بدار النسجيات المرسمة تمهيدا لنقلها للعرض بمتحف الحضارة إلحاقا بصندوق يسمي إنقاذ أثار النوبة..
الحلم والعهدة قبل أن نحكي حكاية الدار والصناديق نعود للخلف قليلا وبالتحديد لعام 1958 ،عندما قرر وزير الثقافة وقتها ثروت عكاشة إنشاء أول متحف من نوعه للتراث الشعبي والحرف التراثية والفنون اليدوية التقليدية وذلك بهدف توثيق التراث الشعبي المصري من ملابس وحلي وصناعات مختلفة، خاصة مع ما تتمتع به مصر من تنوع ثقافى وفني وحضاري وبدأت بالفعل عمليات التجميع في نفس العام واستمرت حتى عام 1962 عندما بدآ أول عرض لها بوكالة الغوري علي أن يكون نواة لمتحف كبير يضم جميع المقتنيات. و توقف المشروع خلال الستينيات نتيجة لظروف الحرب وغيرها وفي عام 1992 جاء الفنان عز الدين نجيب لتبدآ تلك المعروضات الدخول لدائرة الضوء مرة أخري ، وكما يحكي عز الدين نجيب فإنه وجد تلك المعروضات في حالة غير جيدة بالمرة وغير معتني بها ولا يوجد لها أي توصيف أو توثيق علمي ، بعد أن بليت تماما أوراق توثيقها. وبدآ فعلا مع مجموعة من الفنانين والحرفيين بوكالة الغوري إحياء المشروع الهام وكما يقول :« بدأنا إعادة توثيق وتوصيف القطع الموجودة ورغم أنها تعرضت للإهمال لسنوات طويلة إلا أنها كانت تمثل فعلا كنزا تراثيا بالمعني الحقيقي ،حيث كانت تضم نماذج لصناعات حرفية ومشغولات فضية ونحاسية وملابس لم يعد لها وجود واندثرت بفعل الزمن .كما أنها كانت تحوي تنوعا جغرافيا وحضاريا يمثل كل أقاليم ومناطق مصر من النوبة جنوبا وحتى مطروح وسيناء وصحاري وواحات مصر غربا. هذه المجموعة كانت تمثل كتابا مفتوحا للفنون الحرفية والبيئية المصرية بكل أنواعها ، ونحن بدورنا بدأنا في استكمال المشروع سواء عبر تجميع تلك الإشغال من المناطق المختلفة أو بإنتاج نماذج لبعض الأشياء التي بليت أو كادت تنقرض من خلال ورش الحرف التقليدية التي كنا قد بدأنا تشغيلها في الوكالة ونجحنا حتى عام 2000 في استكمال معظم المقتنيات وعرضناها بالفعل في 6 حجرات بوكالة الغوري احتوت علي بعض الإشغال المتميزة للمقتنيات علي أن يتم العرض كاملا عندما ينشأ متحف للتراث كان متوقعا أن يكون مكانه في الفسطاط ،وكان طبيعيا ان يكون لدينا متحف للتراث الحرفي والثقافي والذي أصبحت معظم الدولة العربية تمتلكه الآن بل إن بعض الدول ،لديها وزارات مختصة بالصناعات التراثية كالمغرب عل سبيل المثال ولا توجد دولة عربية ليس لديها متحف تراثي ثقافي ». ......................... الحلم لم يكتمل فيما يبدو وكما يحكي عز الدين نجيب فمع قدوم عام 2000 جاء مدير جديد لوكالة الغوري وأحيل نجيب للتقاعد تاركا خلفه المقتنيات التي أصبحت غير مرغوب فيها بعد أن قرر المدير الجديد وقتها محسن شعلان أن يتحول نشاط الوكالة من الإطار التدريبي علي الفنون إلي النشاط الفني للعروض الموسيقية والغنائية كما يقول نجيب ويضيف :» تم تسليم الحرف التقليدية كنشاط لصندوق التنمية الثقافية والذي تولاه بعد ذلك أيمن عبد العزيز والذي تعامل مع كل ما كان موجودا باعتباره كراكيب يجب التخلص منها، وبالفعل علمت من خلال الزملاء وتلاميذي في المكان انه تم تجميع كل المقتنيات التراثية التي كانت بالوكالة في صناديق خشبية بدون أي اهتمام بطريقة التجميع أو التخزين وتم تحويلها لمخازن الوزارة ولا اعرف عنها سوي أنها إما حولت كما سمعت لدار النسجيات في حلوان أو لمخزن في الفسطاط أو مدينة مايو ومنذ خرجت من الوكالة قبل حوالي 10 سنوات لا احد يسأل عنها وكآن الجميع قرر تجاهلها تماما .» ......................... كانت هذه هي بداية القصة ، ومن كلمات الفنان عز الدين نجيب اتخذت خطواتي الأولي للتحرك بحثا عن مقتنيات مشروع متحف التراث وكانت دار النسجيات محطتي الأولي والحمد لله أنها كانت المكان الذي ابحث عنه لكن الرحلة لم تكن سهلة ففي الزيارة الأولي ذهبت للدار ولم أجد المديرة ورفضت جميع العاملات التحدث حول الموضوع ،رغم أنهن أكدن معلومة أن الصناديق موجودة وذلك لوجود قرار من رئيس قطاع الفنون التشكيلية بمنع التحدث مع الإعلام إلا بتصريح مسبق . تحدثت هاتفيا مع الأستاذة مهجة مديرة الدار التي ما إن سألتها عن الصناديق التي لديها حتى بدأت الشكوى المرة من تلك الأمانة التي لا تخصها في شيء وشكت لكل المسئولين منها مطالبة بضرورة أخذها من الدار وكلام كثير طالبت ألا ينشر إلا بعد أن احصل علي إذن رسمي . في اليوم الثاني تقابلت مع الدكتور صلاح المليجي وكيل وزارة الثقافة لقطاع الفنون التشكيلية الذي تتبعه دار النسجيات الذي أكد أن الصناديق لا علاقة لها بالقطاع وأنها من المفترض أن تذهب لمتحف الحضارة ليتم عرضها هناك ، وان المشكلة لا علاقة بالقطاع نهائيا وان علاقته بها لا تزيد عن كون الصناديق مخزنة لدينا علي سبيل العهدة ،شارحا : « الصناديق لا تخصنا في شيء وهي موجودة منذ سنوات والمفترض أن تكون محتوياتها الآن معروضة بمتحف الحضارة ،لولا الظروف التي نعيشها منذ ثورة يناير ،لأن هذه الصناديق منذ خرجت من وكالة الغوري عام 2004،بقرار من أيمن عبد المنعم رئيس صندوق التنمية الثقافية وقتها ووزير الثقافة فاروق حسني، تم تشكيل لجان للحصر من الوزارة والآثار لهذه المقتنيات علي أن يتم فيما بعد نقلها لمتحف الحضارة وتكون تابعة تماما لوزارة الآثار وهو ما حدث بعد عدة سنوات وبعد أن بدأنا نشكو من احتمال تعرض تلك المقتنيات للتلف، حيث حضرت فعلا لجان حصر وأعاد المتخصصون تخزين تلك المقتنيات بطريقة مناسبة تمهيدا لنقلها لمتحف الحضارة ومازلنا في انتظار النقل .أما ما يتعلق بتفاصيل القصة فأنا لا اعرفها ويمكنك الرجوع فيها لمديرة دار النسجيات المرسمة حيث أنني توليت منصبي في نوفمبر 2011 وليس لدي معلومات كافية بينما هي عاصرت القصة من بدايتها » .
الملف الأسود ذهبت ثانية لدار النسجيات في حلوان للتحدث إلي السيدة مهجة كامل التي طلبت من احدي الموظفات إحضار (الملف الأسود) هكذا تسميه وتشرح قائلة أنا أسميته الملف الأسود لأنه ملف مليء بالمشاكل منذ جاءتنا الصناديق علي سبيل العهدة في عام 2007 ،وكنت وقتها أتولي مسئولية المخازن ولم أكن قد توليت إدارة الدار بعد وتسلمتها من مديرة الدار السابقة علي أساس أنها أمانة ,لحين تسليمها لمتحف الحضارة لان قطاع الفنون التشكيلية الذي تتبعه الدار لا علاقة له بهذه المقتنيات أصلا . و تسلمناها بقرار من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني رقم (50 ) لسنة 2007 الذي أحال لنا الصناديق باعتبارها عهدة ، وحدد القرار عدد البنود التي تحتويها الصناديق ب 397 بندا وضم ملحقا خاصا بتصنيف تلك البنود وتوصيفها بشكل دقيق وبالفعل دخلت مخازن الدار بناء علي هذا القرار الوزاري .» ملحق محتويات الصناديق الذي طلبنا من مهجة كامل نسخة منه ورفضت تماما باعتباره مستندا حكوميا، سمحت لنا فقط بالاطلاع عليه بعد أن نبهتنا أن القرار الذي صدر من الوزير كان به علي حد قولها كارثة يمكن أن تتسبب في ضياع أكثر من ثلاثة أرباع تلك المحتويات ألا وهي رقم ال 397 بند الذي يمكن تفسيره باعتبار انه عدد محتويات الصناديق ،بينما هو عدد البنود التي احتوتها تلك الصناديق والتي يندرج تحتها عدد أخر من القطع تزيد عن ألف قطعة وكما تقول :» مثلا الملابس التي تضم 6 بنود يندرج تحته 58 قطعة والفضة 55 بندا بينما يندرج تحتها 166 قطعة هي مسألة شديدة الأهمية ولذلك عندما تسلمت تلك العهدة كنت حريصة علي أن نقوم نحن بأنفسنا بجردها مرة أخري وألا نكتفي بالقائمة التي شملها القرار خاصة أنها جاءت معبأة بشكل يبدو فيه عدم الاهتمام او الحرص وكأنها جمعت علي عجل بدون أي تغليف للقطع أو تصنيف دقيق لها وخشيت أن تتعرض للضياع أو التلف أثناء نقلها .»
السوس أكل المقتنيات ورغم حرص السيدة مهجة على المقتنيات فقد حدث للأسف ما توقعته ولكن ليس أثناء النقل بل داخل الحجرة المغلقة التي تم تكديس الصناديق بها عندما تم فتح الغرفة المغلقة بعد ظهور حشرات في الدار خشيت الأستاذة مهجة أن تصل لمخزن السجاد القريب الذي توضع به منتجات الدار وكما تحكي:» ففي نوفمبر 2010 اكتشفنا ظهور حشرات في الدار وعندما دخلنا لغرفة المخزن الموضوع بها الصناديق كانت الحشرات تخرج منها لدرجة أن احد الصناديق وكان يحوي أعمال الخوص عندما فتحناه خرجت لنا عاصفة من الحشرات ،وكان الموقف مرعبا واتصلنا بالمسئولين في الوزارة وتم إرسال عمال مكافحة الحشرات وتمت عملية رش الصناديق كلها وأجرينا عملية جرد لما فسد من المقتنيات وبالفعل تم تكهين أعمال الخوص بالكامل وكذلك بعض الملابس والمقتنيات الخشبية، بعدها كان لابد أن يتم تسلمها رسميا من قبل متحف الحضارة وبالفعل تم عمل محضر جرد جديد في ديسمبر 2010 تم فيه استبعاد ما تلف، وحصر الأعمال الصالحة واغلبها أعمال فضية ونحاسية وصدف وحلي وبعض الملابس وتم تغليفها تلك المرة بشكل يحافظ عليها تماما كما تمت عملية تخزينها وتصنيفها بشكل علمي .» ......................... بخلاف السوس والحشرات التي نجحت في التهام حوالي 370 قطعة من أعمال الخوص المتميزة وما يقرب من نصف قطع الملابس الفلكلورية والتاريخية فقد ظهر خطر جديد هدد الصناديق وهو السرقة التي تعرضت لها الدار عقب ثورة يناير ،وهو ما دفع الأستاذة مهجة كامل لإرسال خطاب مؤرخ بتاريخ 9 مارس 2011 لرئيس الإدارة المركزية لمراكز الإنتاج الحرفي بوزارة الثقافة التي فيما يبدو أنها المالك الرسمي حتى تاريخه لتلك المقتنيات ، تطلب فيها مديرة الدار ضرورة اخذ العهدة الموجودة بمخازن الدار «حتى لا تتحمل الدار مسؤولية أي احتمالات للسرقة نتيجة للظروف الأمنية التي تعيشها البلاد» … تبع الخطاب خطاب آخر في 22 مارس 2011 بضرورة تشكيل لجنة لتكهين قطع الخوص التي تلفت نتيجة لسوء التخزين ربما خوفا من المسآلة الإدارية.
حجرة الدفن عندما سألت مديرة دار النسجيات إذا كان رجال متحف الحضارة كما تقولين قد قاموا بالتعامل مع المقتنيات وأعادوا تغليفها وتخزينها فلماذا لم يتم نقلها أجابت « هذا ما أحاول معرفته وأرسلت عشرات المخاطبات وخاصة ان عملية النقل كانت ستتم فعلا كما علمنا في يناير 2011 وتم تشكيل لجنة كبري لإعادة الجرد والتأكد من مستوي كل قطعة من المقتنيات شاركنا فيها واحضرت بنفسي خبيرة للفضة لمعاينة الأعمال ووزنها وتحديد قيمتها وهم اختاروا قطعا بعينها للعرض وبدأنا نعمل بجدية لتجهيزات النقل حتى منتصف يناير 2011 قبل الثورة بأيام قليلة ثم توقف كل شيء حتي الآن ولا احد يجيب علي مراسلاتي لهم وكأنهم قرروا تجاهل الأمر برمته ،وأنا لا اعرف ماذا افعل في تلك الصناديق الغرفة مغلقة والقفل يعلوه التراب والصدأ وأنا ليس بيدي شيء.»» بالتأكيد ليس بيد الأستاذة مهجة أن تفعل شيئا سوي أن تمنع أي متطفل مثلي من الاقتراب من الصناديق أو أن يطلب تصويرها إلا لو كان تصوير الباب الخارجي للحجرة المغلقة بالقفل الكبير والتي تم فيها رسميا دفن محتويات حلم كان يجب أن يكون حقيقة تمتعنا جميعا وتحافظ علي حضارتنا.