إتجاه بالفيفا بالسماح لسواريز بالتدرب مع برشلونة    المصرى يتهم سليمان "الزمالك" بالخيانة ويوقفه مدى الحياة    حسام حسن يفتتح عهده بأولى الإصابات    النفط الأمريكى يهبط دون 100 دولار ويتجه نحو تسجيل أكبر هبوط شهرى له منذ أكتوبر    بالصور.. إزالة 41 حالة تعدٍ على الأراضى الزراعية بالإسماعيلية    الليلة.. لاتنسى تقديم ساعتك "60 دقيقة"    مصرع شخص فى مشاجرة بالوادى الجديد    إصابة 3 أشخاص فى انقلاب سيارة ملاكى بطريق السويس القاهرة    طريقة إعداد " الممبار " للشيف " أبو البنات "    تونس ترفع درجة "التأهب القصوى" على حدودها مع ليبيا    رئيس الوزراء الإيطالى يؤكد تأييد بلاده للمبادرة المصرية بشأن غزة    مساعد وزير الداخلية السابق: ترقية 4 ضابطات لرتبة لواء تعكس اهتمام الوزارة بحقوق الإنسان    سيارات الأجرة والطائرات والفيروسات. . من وسائل انتشار الإيبولا    ميناء سفاجا يستقبل 1800 معتمر    السجن 7 سنوات لحداد قتل شقيقته لشكه فى سلوكها بشبرا الخيمة    "أحمد فؤاد": إسرائيل لا تريد القضاء على حماس    "القاهرة للتنمية" يطالب "الداخلية" بتعميم وحدة مكافحة العنف الجنسي بجميع المحافظات    محافظ القليوبية: مشروعات خدمية جديدة لرفع المعاناة عن المواطنين    الاتحاد الأوروبي يطالب بتحقيق فوري في مجزرة حي الشجاعية    "أنصار الشريعة في ليبيا" تعلن مدينة بنغازي إمارة إسلامية    إجلاء 125 روسيا من غزة عبر معبر رفح    "ميسي" يسافر الأرجنتين لحضور جنازة "جروندونا"    "النقابات المهنية": مبادرة "لم شمل" بشأن تحالف الانتخابات جيدة لكنها تأخرت    كريستيانو رونالدو قد يعود للملاعب أمام مانشستر يونايتد بعد غد    أبو عرايس: البحر لم ينشق لموسى وعذاب القبر أكذوبة    ضبط متهم جديد في احداث تفجيرات اطفيح    الجيل يدعو تحالف "موسى" "وشفيق " إلى الاندماج    "عمر وسلوى" جديد كريم محمود عبدالعزيز مع السبكي    بالفيديو.. جاستين بيبر يستفز بلوم بنشر صورة زوجته بالبكيني    بالصور..تكسير التمثال البرونزي بميدان محطة الرمل بالإسكندرية وسرقة محتوياته    وزير الدفاع يصدق على ترقية شهداء القوات المسلحة إلى الرتبة الأعلى    "دعم الشرعية" يساند غزة بأسبوع "المقاومة أمل الأمة"    مدريد وموسكو يطالبان بوقف إطلاق النار في غزة    مدير مباحث التموين الجديد: سنقتحم مخازن مهربى الوقود    تناولي ثلاثة أنواع من المكسرات يومياً لوزن مثالي    انما الاعمال بالنيات    استطلاع :غالبية الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية فى غزة    في زيارة مفاجئة لمستشفى دمياط..    بعد إفتاء إبراهيم عيسى حول «عذاب القبر»!    بليح: هذا دليل بطلان تبرير موقف "عيسى" بحجة تفسير الشعراوي    رفع 23 ألف طن قمامة خلال أيام العيد بالجيزة    ضبط سلاح آلي في محاولة مسجل خطر للاعتداء على قوات الأمن بالسويس    ضبط عامل اختطف طفلاً فى عين شمس    هيثم زكى يستعد لبطولة سينمائية بعد نجاح "السبع وصايا"    "صافيناز" تتربع على عرش الرقص الشرقي في مصر وترفع أجرها ل"50 ألف جنيه"    «القاهرة» تتسلم 150 أتوبيسًا جديدًا خلال شهرين    تسريب فيلم أحمد حلمي "صنع في مصر"    الكنيسة تمنع السيدات من المكياج وارتداء البنطال أثناء القداس    رونالدينيو ينفي الاعتزال ويحدد فريقه الجديد بعد أسبوع    بايرن ميونخ ينفي ادعاءات الصحافة الإسبانية حول سعيه خلف سامي خضيرة    النصر يستغني عن عاشور والجيزاني.. والشمري يحتاج لتدخل جراحي    فرسان رابعة: "زي ما ترسي ترسي.. واحنا معاك يا مرسي"    الفوائد الصحية لصيام 6 ايام من شوال    غادة عبد الرازق: هيفا وهبي أخطأت في الاختيار    فنانون ووزراء وسفراء يحتفلون بعيد العرش المغربى    باحثون يحذرون من انتشار الملاريا المقاومة للأدوية إلى مناطق جديدة    نيسان Pulsar تشرق في باريس    الملكة المؤمنة «آسيا بنت مزاحم»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

الفكر الاجتماعي في العصر الحديث - الحلقة الثانية عشر - مدرسة فلسفة الفكر السياسي
نشر في شباب مصر يوم 25 - 04 - 2011

يعتقد معظم الفلاسفة السياسيين ان ميكافيلليي وهوبز وبودين ولوثر هم أول المفكرين الذين نظروا للتغيير في الحياة السياسية في أوروبا ، وأول من مهدوا الطريق للدراسات السياسية في أوروبا ، وأول من أدركوا حقيقة القوى الفاعلة في ايطاليا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا ، وأول من فسروا السياسية تفسيرا جدليا يختلف عن تفسير العصور القديمة والعصور الوسطى ، وأول من قالوا ان ميدان السياسة هو ميدان القوة الأنانية والسيطرة ، ولكنهم وفي نفس الوقت اعترفوا بدور السلطة في حفظ الأمن والنظام ، ميكافيللي الذي وضع حجر الأساس في الفكر السياسي الحديث ، وهوبز الذي طور فلسفة ميكافيللي السياسية الى الدرجة الذي خرج منها الفكر الليبرالي ، وذلك بالإضافة الى نظريات عصر التنوير وخاصة نظرية جان جاك روسو في العقد الاجتماعي ، ونظرية مونتسكيو في الفصل بين السلطات ، وقد أدت هذه النظريات وخاصة نظرية العقد الاجتماعي ونظرية الفصل بين السلطات الى قيام الثورة الفرنسية ، وأدت الثورة الفرنسية بالإضافة الى الثورة الصناعية والحركة الاستعمارية والتوسع العمراني الى ظهور الرأسمالية ، وادي ظهور الرأسمالية الى التغيير في تركيبة المجتمعات الأوروبية بنائيا وهيكليا ، وقد أدى ذلك كله الى بداية تكوين الفكر الاشتراكي والشيوعي ، والحركات السياسية الأخرى وخاصة الحركات اللاسلطوية والحركات النقابية والحركات التي تدعو الى تعدد الأحزاب وسيطرة الطبقات العاملة على الحكم ، وفي ذلك الوقت الذي كانت قارة أوروبا تشهد قيام اكبر ثورة ديمقراطية أوروبية وهي الثورة الفرنسية ، وأميركا الشمالية تشهد قيام اكبر ثورة ديمقراطية في العالم الجديد وهي الثورة الأميركية ، كان الكاتب السياسي المفكر البريطاني المحافظ ادمون بيرك ( 1729 – 1797 ) يصدر في عام 1870 كتابه تأملات في الثورة الفرنسية الذي يهاجم فيه الثورة الفرنسية ، لأنه لم يكن يؤمن بدور الثورة على تطوير المجتمعات ، لأن المجتمعات لا تستسيغ التغيرات السريعة بسهولة ، ولكنه كان يؤمن بالتطور الطبيعي للمجتمعات ، لأن التطور الطبيعي للمجتمعات كما يقول بيرك هو التطور الوحيد الذي يمكن ان تستسيغه المجتمعات ، ولأن التطور الطبيعي هو التطور الوحيد الذي يمكن أن يسير بالمجتمعات نحو الكمال ، ولأن الطبقة الوحيدة الذي يمكن ان تكتشف هذا التطور هي الطبقة الارستقراطية ، خاصة وان أوروبا في ذلك الوقت كانت حديثة عهد بالأحزاب السياسية ، لأن الأحزاب السياسية ظاهرة حديثة برزت بعد القضاء على النظام الإقطاعي وبروز النظام الرأسمالي ، ولذلك تشكلت الأحزاب في قارة أوروبا بعد عام 1850 كما يقول المفكر الفرنسي موريس دو فيرجيه ، وبالإضافة الى الهجوم على الثورة الفرنسية وأسبابها كان بيرك يرفض فكرة الحقوق الطبيعية لأنها كما كان يقول فكرة مجردة لا تقوم على حقيقة ، لأن العلاقات الاجتماعية وجدت مع وجود الإنسان وليس بعد وجود الإنسان ، ولذلك كان بيرك يعتبر أن فكرة حقوق الإنسان هي مجرد فكرة من اختراع جان جاك روسو وجون لوك ، ولكن ومع ذلك كان بيرك يرى أن العلاقات في المجتمعات علاقات متغيرة تتغير مع حاجات المجتمعات ، ولذلك كان بيرك يعترف بأهمية الرأي العام ويعتبره السند الأول للدولة ، ولذلك كان لا يتردد في الدفاع عن شعوب المستعمرات الأميركية وحقوق الهنود الحمر وضرورة حمايتهم من استغلال الشركات التجارية البريطانية الكبرى ، ولكنه من جهة ثانية كان يرى ان السيادة في بريطانيا ليست ملكا للشعب ولا يمكن ان تكون ملكا للشعب ، لأن الشعب لا يستطيع ان يقوم بأعباء الحكم ، ولكنه كان يرى أن مطالب الشعب إذا توافقت مع استمرار الحكم والدستور والقانون ومبادئ العدالة والعقل تصبح بمثابة قوانين تقيد الطبقة الحاكمة ، وهكذا تكون السيادة هي سيادة البرلمان الذي يمثل دور الشعب في السيادة ، وكان بيرك هو الذي ابتكر مصطلح السلطة الرابعة في القرن الثامن عشر عندما كان نائبا عن حزب اللويج وهو حزب من تأسيس كبار ملاك الأراضي الذين لعبوا دورا بارزا في تطوير الرأسمالية الوطنية من خلال التوسع في الصناعة والتجارة وهو( أصل الليبرالية الحديثة ) وهو اسم يطلق على الأحزاب السياسية في بريطانيا واسكتلندا والولايات المتحدة الأميركية ، وكلمة ويج كلمة اسكتلندية كانت تطلق على سكان غربي اسكتلندا الذين كانوا يعارضون سياسة الملك تشارلس الأول قي عام 1648، ولكن بداية لا بد من الإشارة إلى الفرق بين العلم والفلسفة ، فالعلم هو الحقائق المعملية الثابتة التي تقاس بمقياس المادة ، والفلسفة هي الفرضيات العقلية في مجال النفس والمجتمع ولا تقاس بمقياس المادة ، كما انه من الضروري أيضا الإشارة إلى قول ديكارت ( ليس في نطاق الفلسفة امرأ واحدا ليس موضع خلاف ) والى قول ج . و . برمسون ( أن قول ديكارت يصدق في القرن العشرين صدقه في القرن السابع عشر ) وقول هايدين ( أن الحقيقة التي طفق الإنسان يبحث عنها دهورا هي روحانية في وجودها والروح لا يدركها العقل ) واستنادا إلى ذلك كله نستطيع أن نقول أن الفلسفة في الأصل والنهاية رد فعل لنفس الفيلسوف ومجتمعه وعصره ، ولذلك نرى أن النظريات الفلسفية تختلف من فيلسوف إلى آخر ، ومن عصر إلى آخر ، ومن بيئة إلى أخرى ، وهو ما أدى إلى تبلور الفكر الاجتماعي في عدد من المدارس ولاتجاهات التي حاولت ولا تزال تحاول أن تبحث في نشأة المجتمعات والتغيرات التي طرأت عليها ، والقواعد والمبادئ والقيم التي يجب أن تقوم عليها ، والنظم التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع من جهة ، وبين أفراد المجتمع والسلطات الحاكمة من جهة أخرى منذ بدء ظهور الحضارة الإنسانية قبل ستة آلاف عام ، وهنا لا بد من الإشارة إلى ما سبق أن أشرت إليه في مقالي السابق ( الفكر الاجتماعي في عصر النهضة ) من أن الفكر الاجتماعي لا ينفصل عن غيره من القضايا الفكرية ، ولكنه رافد من روافدها ويمتزج فيها كما يمتزج ماء الجدول الصغير في مياه النهر الكبير ، وانه أيضا يتكون من فكرة وبناء ، الفكرة رأي ومبدأ والبناء جهاز يساعد الفكرة ويزودها بالوسائل التي تنقلها من نطاق الفكرة إلى نطاق الفعل بالطريقة التي تخدم المصالح الإنسانية ، وذلك بالإضافة إلى أن نسبة الفكر الاجتماعي إلى عصر من العصور ليست أكثر من محاولة لوضع العناصر الأساسية للفكر الاجتماعي في عصر محدد في إطار زمني محدد يميزها إلى حد ما عن غيرها من العناصر التي تنسب إلى عصر آخر ، لكن ذلك لا يجوز أن يكون سدا يفصل بين عناصر الفكر الاجتماعي في كل العصور في الاتصال والتفاعل ، كما انه لا يجب أن يعني أن ما جاء به فلاسفة العصر الحديث من نظريات في موضوع نشأة المجتمع وتطوره والعلاقة بين الحاكم والمحكومين اكتشافات جديدة غير مسبوقة ، ولكنها كانت حلقة في سلسلة حلقات مترابطة ومتصلة ترجع إلى بداية ظهور الحضارة الإنسانية ، ولكن من الإنصاف لا بد أن نشير إلى أن الفكر الاجتماعي الحديث الذي بدأ مع سقوط حصن الباستيل في باريس في 14 تموز 1789 قد اتخذ طابعا أكثر اتساعا وخاصة فيما يتعلق بالنظريات التعاقدية والأساس الاجتماعي وشكل الحكم والمعرفة والأخلاق والكون والإنسان والحياة ، وذلك بالإضافة إلى تعدد وجهات النظر التي تتخذ سمات الإيديولوجيات المتناقضة ، والتي لا تعدو عن كونها وجهات نظر شخصية قابلة للتعديل والتغيير لأنها تتسم برد الفعل وتأثير البيئة والظروف ، خاصة وان هذا العصر غنى بالأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثورات والأحلاف والقواعد العسكرية والحروب الإقليمية والعالمية والنظريات الإيديولوجية والمفكرين والفلاسفة والمدارس الفكرية والاتجاهات والمذاهب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومن أهم هذه المدارس مدرسة الثورة الفرنسية الذي كان من ابرز مذاهبها ، مذهب التطور الطبيعي للفيلسوف ادمون بيرك ، ومن الجدير بالذكر أن ادمون بيرك هو الذي ابتكر مصطلح السلطة الرابعة في القرن الثامن عشر عندما كان نائبا لحزب اللويج أصل الليبرالية الحديثة الذي أسسه أصحاب الأراضي ومتطوروا الرأسمالية الوطنية بتوسعهم في الصناعة والتجارة ، ومذهب السعادة للفيلسوف جرمي بنثام ( 1748 – 1832 ) الذي كان محور فلسفته يقوم على قاعدة أن الطبيعة الحرة للإنسان وضعته تحت سلطة حاكمين سيدين هما الألم والمتعة ، ولذلك كان يرى أن المبدأ الذي يتحكم في سلوك الإنسان هو تجنب الألم والبحث عن اللذة ، وأن الأخلاق والقوانين هي نتاج سعي الإنسان لإنتاج اكبر طاقة من السعادة ، وأن عمل الحكومة لا يتحقق إلا بتحقيق التوازن بين سعادة الفرد وسعادة المجتمع ، ولكن في ظل حكومة جمهورية تحقق اكبر سعادة لأكبر عدد من المواطنين ، وقد كتب في الاقتصاد والربا والمنفعة والقانون والعدالة والسجون وفكر في إصلاح كل شيء ، وتذمر من العملاقين الغولين المنطق والقانون وكره التجريدات الوقعة ، والمجردات كالواجب والشرف والسلطة والحق وأراد أن يحولها إلى حقائق شخصية محددة وان يفحص كل شيء ليعرضه على الحقيقة من خلال وجهة نظر موضوعية ولذلك نجده يسأل
ما هو الحق ؟
هل هو حق طبيعي مرتبط بنا منذ الميلاد كما افترض إعلان حقوق الإنسان الذي أصدرته الثورة الفرنسية ؟
هل هو مجرد حرية فردية تابعة للصالح العام أو في إطار الصالح العام ؟
وما هي المساواة ؟
وهل يوجد شيء اسمه مساواة خارج نطاق المفاهيم الرياضية المجردة ؟
وهل التفاوت في المساواة في القدرات والممتلكات والسلطة قدر لا فكاك منه لكل كائن حي ؟
وما هو القانون الطبيعي ؟
وما هي الحصافة ؟
وما هي الفطرة السليمة ؟
كل هذه المجردات في رأى بنثام مجرد كلام لا معنى له وهي مجردات تضلل الجامعات والبرلمان والمحاكم ، ومذهب الكفاية والعمل للفيلسوف هنري سيمون ( 1760 – 1825 ) الذي اشترك في الثورتين الأمريكية والفرنسية ، وقد كان محور فكره السياسي والإصلاحي والاجتماعي يقوم على قاعدة إقامة نظام اجتماعي قوامه الكفاية والعمل عن طريق التقدم في وعي المعرفة ، وإحلال النظام الصناعي العلمي محل النظام الإقطاعي الديني ، وملكية الدولة لأدوات الإنتاج وتأميم الأرض وإلغاء الميراث وحصر الملكية الخاصة بالسلع الاستهلاكية ، وتحويل الصراع من صراع بين الطبقات إلى صراع ضد الطبقة ، وهنا يجب الإشارة إلى أن أفكار سيمون كان لها الأثر الأكبر في الفكر السياسي ، لأن سان سيمون كان يرى أن التاريخ وحدة مستمرة ، وأن دراسة الحاضر لا تكون إلا على ضوء دراسة الماضي ، ولأنه كان يؤمن بالتطور المطرد للإنسانية ، ولأنه دعا إلى دراسة أسباب الثورات ، ولأنه كان يرفض التفسيرات التقليدية للتاريخ ، ولأنه كان يؤكد على دور السببية في تطور مسار التاريخ ، ولأنه كان يؤكد على إمكانية استشراف المستقبل على ضوء الحاضر ، ولأنه كان يعتقد بأن التغيير في النظام الاجتماعي يجب أن يؤدي إلى التغيير في نظام الملكية ، ولأنه كان يعتقد في ازدواجية المعرفة والصناعة وعدم قيام هذه الازدواجية إلا في ظل السلام ، ولأنه كان يعتقد أن الإنسان حين يعمل على تنمية مصلحته الشخصية فإنه غالبا ما ينمي وبفعل بيد خفية – مصالح المجتمع ، ذلك أنه لو أزيلت النظم كلها فإن نظام الحرية الطبيعية الواضح والبسيط يثبت وجوده بمحض إرادته ، ولذلك كله اقترح إنشاء برلمان أوروبي يمثل فيه زعماء الدول شعوبها ، وإنشاء جمعية عامة تعمل على ضمان العمل للقادرين على العمل ، ولذلك اقترح أن يحكم العلماء الدولة وأن الوسيلة إلى تحقيق ذلك هي الإقناع عن طريق الكتابة والحديث ، وقد أدت به أفكاره هذه إلى السجن في فرنسا ، وقد كتب ماركيوز ( 1898 – 1979 ) في كتابه العقل والثورة أن كتابات سان سيمون تتضمن أفكار تسير في طريق عكس طريق الرأسمالية الصناعية لأنه كان يعتقد أن الصراع بين الطبقات يجب أن يتحول إلى صراع ضد الطبقة الحاكمة ، وان شكل الحكومة الذي كان يدعو إليها سان سيمون لم يكن هو الشكل الذي يسيطر فيه الحكام على رعاياهم ، ولكنه كان شكلا تمارس فيه الحكومة إدارة تكتيكية على العمل الذي يجب على الحكومة أن تقوم به ، ومذهب المساواة المطلقة للفيلسوف فرنسيس باييف ( 1764 – 1797 ) الذي اشترك أيضا في الثورة الفرنسية فكريا وعمليا مثل هنري سان سيمون ولكن الأمر بالنسبة له لم يقف عند حد السجن كما حدث مع هنري سان سيمون فحسب ولكنه تجاوزه إلى حد الإعدام في المقصلة ، لأنه شكل حركة سرية كانت تهدف إلى قلب نظام حكومة الإدارة ، وقد كان محور مذهبه يقوم على قاعدة المساواة المطلقة التدريجية ، لأن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا بالمساواة المطلقة التدريجية التي تبدأ بتأميم المؤسسات والشركات التجارية والعقارية وتركات المتوفين ، أما بخصوص الدولة التي اقترحها فرنسيس باييف فهي دولة الإنتاج والعمل التي يديرها موظفون منتجون يتمتعون بالحقوق السياسية التي تفرض على كل المواطنين المنتجين الوحدة في الزى والطعام ، ومذهب الاجتذاب العام للفيلسوف شارل فرنسوا فورييه ( 1772 – 1837 ) الذي كان محور مذهبه يقوم على افتراض أن الإنسان حتى ولو كان سيئا إلا انه يخضع لنظام طبيعي يتناسق مع نظام النجوم والكواكب وهو ما أطلق عليه اسم قوة الاجتذاب العام الذي هو عبارة عن طاقة كامنة في العالم تجذب الناس وتوحدهم ، ولذلك دعا إلى البحث عن نظام اجتماعي يتكيف مع طبيعة الأفراد ويتيح لهم التعبير عن انفعالاتهم حتى يظلوا متجانسين متناسقين ، وقد صنف هذه الانفعالات إلى اثني عشر نوعا من الانفعالات وهي الحواس الخمس ، الصداقة ، الحب ، العطف العائلي ، الطموح ، التخطيط ، التغيير ، الوحدة ، وهذه الثلاثة سماها الانفعالات التوزيعية ، وتمتزج هذه الانفعالات جميعا في نضال واحد هو حب الآخرين ووحدة المجتمع ، ولذلك افترض قلة حاجة المجتمع إلى حكومة لأن الإنتاج يمكن أن تشرف عليه جماعة من الموظفين ينتخبهم الشعب ، لكن من الجدير بالذكر أن " فورييه " اعتبر أن التفاوت الطبقي ليس من شأنه أن يخل بانسجام المجتمع وذلك بسبب التناسق والتجانس بين الأفراد الناتج عن قوة الاجتذاب العام ، لكن ولأن الفكر الاجتماعي وتطوره يرتبط بأحداث تاريخية إستراتيجية ومفصلية تشكل حدا فاصلا بين عصرين لذلك أدت الثورة الصناعية في بريطانيا إلى ظهور طائفة من المفكرين الاجتماعيين الذين نادوا بالاشتراكية ومن أبرزهم المفكر الاجتماعي سبنس الذي نادي بإعادة الاشتراكية في ملكية العقارات لأن ملكية الأرض كانت مشتركة في الدولة الطبيعية ، ولأن أسباب النزاع بين الأفراد لا ترجع إلى أشكال الحكم ولكن إلى الفقر والبؤس الاقتصادي ، والمفكر الاجتماعي اوجيفلي الذي استنتج من القانون الطبيعي أن لكل فرد نصيب من الأرض ، واعتبر أن ازدياد قيمة الأرض بفضل عمل الفرد يمنحه حق التصرف فيها ، والمفكر الاجتماعي توماس باين ( 1737 – 1809 ) وهو أبو الفكر الوسطى الذي لم يتحول إلى حزب والشخص الذي اقترح اسم الولايات المتحدة الأمريكية ، كما انه هو الذي فرق بين حقوق الفرد في الأرض والحقوق الناتجة عن تحسينها فاعتبر أن الأرض ملكا للجماعة والتحسينات ملكا للأفراد ، واقترح أن تعطي الدولة إلى من لا يملكون ارض تعويضا تستوفيه من ضرائب التركات ، والمفكر الاجتماعي البريطاني وليم غودوين ( 1756 – 1836 ) الذي اعتبر أن الحكومة هي نتاج رذائل البشر وانه يمكن الاستغناء عنها بالعدل والإنصاف والتعليم على الخير العام الذي هو قانون العقل ، كما دعا إلى إزالة نظام الملكية الخاصة وتشكيل مجتمع حر ينال فيه كل إنسان نصيبه العادل من الثروة العامة ، وإقامة عدالة سياسية علمانية صريحة ، والمفكر الاجتماعي تشارلس هال الذي اعتبره الكثير من المفكرين جسر الاتصال بين الفكر الطبيعي والفكر البروليتاري لأنه انتقد توزيع الثروة والاستغلال ، وارجع أسباب الحروب إلى العوامل الاقتصادية التي تهدف إلى زيادة حجم التجارة وكسب الأراضي وصرف الفقراء عن مشاكلهم ، والمفكر الاجتماعي لورد ايتون الذي تنبأ بالتقدم التكنولوجي وصنع القنبلة الذرية ولكن في صورة إيتوبية خيالية ، والمفكر ادوار بيلامي الذي دعا إلى التأميم وإلغاء التجارة والأجور والنقود لتمكين الأفراد من الحصول على حاجاتهم بالتساوي من الإنتاج الوطني ، ولذلك انتقد الثورة الصناعية التي أدت إلى توجيه العمال إلى العمل في الصناعة دون سواها من القطاعات الإنتاجية الأخرى مما أدى إلى تضخم عدد الأيدي العاملة عن حاجة العمل مما أدى إلى ضيق مجال العمل واستغلال العمال ، ولذلك دعا إلى حرية الأفراد والى تمكينهم من التمتع بالحرية بالتساوي باعتبار أن ذلك يوفر السعادة والزيادة في الإنتاج ، والمفكر روبرت اوين ( 1771 – 1858 ) الذي دعا انطلاقا من تأثره بنظرية جرمي بنثام ( السعادة غاية المجتمع ) إلى إعادة تكوين المجتمع عن طريق المشاركة والتعاون بين الأعضاء للنهوض في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ، ولكن في نطاق تأثير المحيط الاجتماعي على الفرد والتشريع كأداة للتقدم الاجتماعي ، وقد كان اوين يرى أن شخصية الفرد تعكس بيئته الاجتماعية ، ولذلك كان يعتقد أن البشر لا يختلفون عن البيئة التي يعيشون فيها وإذا ما تم تغيير هذه البيئة ستظهر جنة حقيقة على سطح الأرض ، لأن تطور البيئة الاجتماعية هي الوسيلة الأساسية للارتقاء بالوجود الإنساني ، وكان من شأن هذا المنطق أن يؤدي بأفكار اوين المبنية على نظريات أخلاقية ميتافيزيقية إلى الإشارة إلى مفهوم الصراع الطبقي ، والى الاستغلال في العمل والى ظروف العمل الصعبة وارتفاع عدد ساعات العمل ، وانخفاض الأجور وغياب الضمان الصحي والضمان الاجتماعي ، كما تضمنت هذه الأفكار الإشارة إلى دور العامل ، وقوة اليد العاملة ، وارتباط قيمة الأشياء بما تستغرقه من جهد ووقت وساعات عمل ، وقد حاول أوين أن يبرهن أن الحياة بدون قيود يمكن أن تستقيم وأنه يمكن تحقيق الشيوعية بصفة أنار كية لاسلطوية طوباوية ، ولذلك أسس مجتمع منتج يتكون من ألف شخص على مساحة ثلاثون ألف هكتار ، ولكن بدون ملكية أو زواج أو أديان ، وكانت النتيجة انتشار الفساد وأسوأ العادات في هذا المجتمع ، وهكذا استنتج اوين بعد فشل تجربته وضياع ثروته أنه لا يمكن تطبيق الاشتراكية إلا في ظل دولة قاهرة ، ولذلك دعا اوين الدولة بوصفها مؤسسة قائمة إلى تحقيق التنظيم الجديد للمجتمع والتشكيل النموذجي المنشود للشخصية الفردية ، وتعليقا على مشروع الجدول التاريخي في تقدم الروح الإنسانية الذي نشره وليم غودوين وكوندرسيه واستشرفا فيه رؤيا مستقبل حافل بالأخلاق والإبداع في ميادين الفكر والعلم يؤدي الى كشف ثروات جديدة ومجتمع منتج حر ينال فيه كل إنسان نصيبه العادل من الثروة كتب مالتس ( 1766 – 1834 ) كتاب ( مقال في قواعد ازدياد السكان ) في عام 1798 الذي نبه فيه الى خطورة الآثار الناجمة عن الزيادة المستمرة في عدد السكان ، وقال أن عدد السكان يجب أن يتحدد حسب كميات السلع الغذائية الضرورية لاستمرار الحياة ، كما أشار مالتس الى انه يجب الأخذ في الاعتبار الى أن كميات الغذاء تتزايد في شكل متوالية عددية ( 1 – 2 – 3 4 – 6 وهكذا ) وأن عدد السكان موجود دائما وفي جميع الظروف ، وأن السكان يتزايدون في شكل متوالية هندسية ( 1 – 2 – 4 – 8 – 16 – 32 وهكذا ) كما أشار الى انه يوجد نوعين من الموانع التي تعمل على الحد من الزيادة السكانية ، موانع موجبة ( قهرية ) تؤثر بشكل مباشر في تزايد عدد السكان وهي المجاعات والفقر والإمراض والحروب وهي تنتشر في الدول الفقيرة ( العالم الثالث ) وهي تقضي على جزء من السكان ويعود بعدها التوازن بين عدد السكان وكمية الغذاء ، وموانع وقائية ( إرادية ) وهي الامتناع عن الزواج أو تأجيله أو التعقيم الجنسي وتسود في الدول المتقدمة ( الدول الصناعية ) وينتج عنها في النهاية التوازن بين عدد السكان وكميات الغذاء ، وقد تعرضت نظرية مالتس الى الكثير من الانتقادات ومن أهمها أن مالتس لم يأخذ في الاعتبار المستوى الفني والاكتشافات العلمية التي أدت الى زيادة الانناج وبمعدلات اكبر بكثير من تلك التي توقعها ، كما انه لم يأخذ في الاعتبار الانتشار في المعرفة والوعي الثقافي والاكتشافات العلمية التي أدت الى تحديد النسل ( حبوب منع الحمل والوسائل العلمية الحديثة الأخرى ) ، وذلك بالإضافة الى القول أن معدل الزيادة في عدد السكان يفوق معدل الزيادة في المواد الغذائية ليس صحيحا دائما حيث نرى الآن وخاصة في الدول المتقدمة أن معدل الزيادة في إنتاج المواد الغذائية يفوق معدل الزيادة السكانية ، لكن ورغم أن سميث كان أبو الرأسمالية وريكاردو قائد الاقتصاديين الكلاسيكيين إلا أن سميث لم يكن محامي الرأسمالية ، وقد كان هذا الدور هو دور المفكر الاجتماعي الفرنسي مالتس الذي كان صاحب نزعة تشاؤمية ، ولذلك لم ترق له نظريات كونورسيه وغدوين وتوماس بين الذين شكلوا المدرسة الاجتماعية الطبيعية التي تؤمن بأنه إذا تمتع كل فرد بما أسموه حقوق الإنسان وأزيلت الحواجز الاصطناعية التي تعوق ذلك فإن عصرا مزدهرا أو يوتوبيا حقيقية تنتظر البشرية ، لأن الطبيعة حسب تعبيرهم وفرت لوازم السعادة لكل الناس وما عليهم الا أن يحسنوا اقتسامها ، ولكن لم ترق هذه النظريات إلى مالتس ، وقد قال المفكر الاجتماعي سول ( إن مذهب مالتس بسيط في جوهره ، فالتكاثر السكاني إن لم يحده قيد فإنه يؤدي إلى تزايد السكان وفقا لمتوالية هندسية في حين تكون الزيادة في المواد الغذائية ليست بهذه السرعة أو أنها بعبارة أخرى تسير حسب متوالية عددية ) ولذلك دعا مالتس إلى التعقيم الجنسي للحد من الزيادة السكانية بنسبة تفوق الزيادة في الإنتاج ، خاصة وان الأنظمة السياسية المعاصرة نظم استقلالية لا تقوم بأي عمل لسد احتياجات السكان ، كما أن مالتس لم يخف اعتراضه على حقوق الإنسان التي أعلنها توماس بين وقد رد عليه قائلا ( إن رجلا يولد في دنيا قد استولى عليها الناس من قبله وتملكوا خيراتها ولم يجد العون الطبيعي من والديه ،
وما دام المجتمع في غنى عن خدماته فهذا رجل لا يستطيع أن يدعي لنفسه حقا في كسرة خبز ، ولا حق له في الوجود في هذا العالم ) كما انه انتقد البرنامج الذي وضعته الحكومة البريطانية لإعانة الفقراء وقال ( أن قوانين الفقراء في انجلترا تؤدي إلى تفاقم حالة الفقر من ناحيتين ، الأولى أنها تعمل على زيادة عدد السكان دون زيادة المواد الغذائية لإعانتهم ، والثانية أن كميات الحاجيات التي تستهلك في ملاجئ الفقراء وهم طبقة غير منتجة تقلل من الأنصبة التي كان يجب أن تعطى كاملة للطبقة العاملة ) وهكذا حرم مالتس الإحسان تحريما قاطعا سواء كان من الدولة أو من الأفراد وذهب الا أن كل مشروع لتحسين حالة المجتمع سينتهي إلى كارثة وقال ( إن على المجتمع أن يرفض تقديم الإحسان أو الإعانات إلى الأسر التي تعجز عن تدبير وسائل معيشتها ) والمصيبة أن الذي يطرح هذه الأفكار ويطالب المجتمعات بتطبيقها ويبرر سلوك طواغيت الرأسمالية ويحرم الإحسان للمنكوبين ويقول ( أن ذلك هو قانون الطبيعة الذي يعبر عن إرادة الله ) ليس رجلا علمانيا ولكنه رجل دين بمرتبة قسيس ، لكن مالتس تراجع عن وجهة نظره هذه ودعا إلى زيادة عدد السكان عن طريق زيادة المساعدات الاجتماعية للأسر الكبيرة ، وبالإضافة الى النظرية الطبيعية ونظرية التعقيم الجنسي ظهرت نظريات اجتماعية أخرى ومنها نظرية الدولة المغلقة للمفكر الاجتماعي جوهان غوتليب فيخته ( 1762 – 1814 ) الذي كانت أفكاره السياسية والاجتماعية تقوم على الفلسفة الأخلاقية التي تدعوا الى إعطاء كل إنسان الفرصة في التعبير عن نفسه في العمل المشترك واختيار المهنة التي تتناسب مع ميوله ، وعلى أن يقتصر دور الدولة في إنشاء التعاونيات الاجتماعية التي تتمتع بالاستقلال الذاتي وحرية الإنتاج والتبادل الإنتاجي ، ولكن بعد أن تنغلق على نفسها وتتوقف عن التجارة الدولية ، لأن الدولة أي دولة لا تستطيع أن تقوم بدورها الا بعد أن تنغلق على نفسها ، كان فيخته في بدايته كانتيا ولكنه تطور حتى استطاع أن يكتشف خطه الخاص في الفلسفة ، وكانت فلسفة فيخته تقوم على فكرة معرفة الذات لأن معرفة الذات بداية كل معرفة ، ولكن لا يمكن معرفة الذات إلا من خلال سلسلة متدرجة من التنبيهات ، ألتنبيه الأول تنبيه الذات إلى الذات ، والتنبيه الثاني هو تنبيه الذات إلى نقيض الذات ، والتنبيه الثالث هو ملاحظة العلاقة بين الذات ونقيض الذات ، ومن اجل شرح هذه النظرية اضطر فيخته إلى التمسك بأفكار مثالية من أبرزها وحدة العلم والمعلوم ، ولذلك قال أن ما يحد الذات هو الذات نفسها ، كما انه طرح على نفسه السؤال التالي
لماذا لا يمكن معرفة النفس بدون مقابلتها مع أشياء أخرى ؟
وأجاب على نفسه قائلا
لأن النفس كالماء لا ترى إلا من خلال مكان معين ، وتحديد النفس بالمقابلة يعتبر كالمكان الذي يحدد الماء فيجعل رؤيته ممكنة ، وهكذا نرى أن مجمل نظرية فيخته في منهج المعرفة تعتمد على فكرة أن حقيقة المعرفة هي وعي الذات على نفسها ، ولأن هذا الوعي لا يتم بغير تحديد النفس بالأشياء ، لذلك تتحقق المقارنة ثم تتحقق المعرفة بالأشياء من خلال هذه المقارنة ، وهذا يثبت صحة المبدأ الذي يقول بنقيضها تفسر الأشياء ، ولكن ورغم أن النفس البشرية هي الوسيلة التي تدرك الأشياء ألا أنها لا يمكن أن تدرك شيئا بدون توعيتها على ذاتها ومعرفتها لإمكانياتها ، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال مقارنة بين الذات ونقيض الذات أي بين النفس والخارج ، كما انه لا يمكن أن يتحقق ذلك دون اعتماد الذات على مقاييسها التي فطرت عليها والإيمان بها والثقة بإمكانية استثمارها في سبيل التعرف على الأشياء ، ولكن هذا الإيمان لا يأتي إلا من وعي الذات لما فيه من إمكانيات والثقة بقدرة هذه الإمكانيات على تحقيق الأهداف ، ولذلك يكون وعي الذات بداية كل معرفة ، وتكون فائدة الجدل ناشئة من قدرته على تنبيه الفكر بذاته ، وتكون فائدة المقارنة التي تتحقق في الجدل توضيح مراحل التفكير الثلاثة ، مرحلة الرؤية المنبسطة حيث يبصر الإنسان جانبا واحدا وجامدا من الأشياء ، ومرحلة الرؤية المركبة حيث يبصر الإنسان جوانب جديدة يعتقد أنها متناقضة كليا لرؤيته الأولى ، والرؤية المحللة حيث تتحقق المعرفة الناضجة نسبيا وفيها يعرف الإنسان إمكانية جمع الرؤية الأولى مع الثانية ، ويعرف أن كل رؤية كانت من زاوية مختلفة ومثال ذلك كما قال فيخته رجل رأى عمودا احمرا من زاوية واحدة فقال أن كل العمود احمر
( مرحلة الرؤية المنبسطة )
ولكنه لما دار حول العمود رأى أن لون جوانبه الأخرى بيضاء وهنا نشأ عنده تناقض وقال
كيف صار العمود كله احمر وكله ابيض ؟
( مرحلة الرؤية المركبة )
ولكنه تنبأ فجأة إلى إمكانية الجمع في القول أن جانب من العمود احمر وجانب ابيض
( مرحلة الرؤية المحللة )
وهذا يميز الفكر البشري بٍأدواره الثلاثة ، دور التفكير الحاد الايجابي ، ودور التفكير الحاد السلبي ، ودور التفكير اللين المحلل وهو دور المعرفة ، والجدل هو إحدى الوسائل التي تنقلنا من دور إلى آخر إذا استطعنا استخدامه بشكل جيد ، وهكذا نرى أن فلسفة فيخته السياسية والاجتماعية فلسفة أخلاقية تعلق أهمية كبيرة على نشاط الفرد وشخصية الفرد ، وقد عرض فيخته فلسفته في مجموعة من مؤلفاته ومنها كتاب نظرية العلم وكتاب مصير الإنسان وكتاب أساس القانون الطبيعي وكتاب مساهمة في تقديم أحكام الجمهور على الثورة الفرنسية ، وقد كان يرى وجوب إعطاء الفرصة لكل إنسان في التعبير عن نفسه وعن شخصيته في العمل واختيار المهنة التي تتفق مع ميوله ، كما كان يضع على عاتق الدولة مسؤولية تأمين وتحقيق ذلك باعتبار أن للدولة وظيفة اقتصادية بالنظر لكونها تعبير عن الحياة واستجابة لمطالبها ، ولكي تقوم الدولة بذلك يجب أن تنغلق على نفسها وتوقف تجارتها الدولية وتنقطع عن أي علاقات مع غيرها ، وقد كانت المبادئ المثالية التي بني فيخته عليها فلسفته سببا في رفض بعض الفلاسفة لفلسفته وان كانوا قد قبلوا بعض أرائه في المنهج ، كما انه اصطدم مع رجال الأكليروس المسيحي الذين ضايقوه واتهموه بنشر الإلحاد مما أدى إلى فصله من الجامعة والتهديد باغتياله لأنهم كانوا يعتقدون أن عقيدة العلم تطعن في العقيدة المسيحية ، وأن المعرفة العلمية التي تقوم على المحاججة المنطقية والبراهين العقلية غير المعرفة الدينية التي تقوم على هيبة الأقدمين ورجال الدين ، كما اصطدم أيضا مع الثورة الفرنسية الذي كان قد تحمس لها في أول الأمر مثل كانت وهيغل وشيلنغ ثم هاجمها بعد أن تحولت إلى قوة استعمارية امبريالية وحاولت السيطرة على ألمانيا ، وقد كان فيخته واحد من ابرز مؤسسي الحركة الفلسفية المعروفة بالمثالية الألمانية التي تطورت من الكتابات النظرية والأخلاقية للفيلسوف الألماني ايمانويل كانت ، وكثيرا ما كان يقدم على أنه الشخص الذي كانت فلسفته جسرا بين فلسفة كانت المثالية وفلسفة هيغل المثالية ، وقد نشر مقالين في عام 1793 الأول بعنوان ملوك أوروبا وأمراؤها يعيدون حرية الفكر ، وقد مدح فيه الحكام المتنورين ووجه اللوم الى الملوك الذين يعوقون حرية الفكر، كما ابدي حزنه لموجة المع التي أعقبت وفاة الإمبراطور فردريك الأكبر ، وقال أنه يفضل الإصلاح على الثورة لأن الثورة قد تقذف الإنسان الى الخلف وقد ترده الى عصور البربرية ، ولكنه وفي نفس الوقت قال أن الثورة الناجحة قد تحقق تقدما للبشرية في نصف قرن أكثر مما يحققه الإصلاح في ألف عام ، وحاطب قراءه في الوقت الذي كان فيه الإقطاع راسخا في كل المناطق الألمانية قائلا ( لا تكرهوا حكامكم بل اكرهوا أنفسكم ، إن احد كصادر بؤسكم هو تقديركم المفرط لهؤلاء الحكام الذين ضلت عقولهم لنقص التعليم والانغماس في اللذات والخرافات ، هؤلاء هم الذين يبذلون كل جهدهم لقمع حرية الفكر ، اصرخوا في وجوههم قائلين لهم إنكم لن تسمحوا لأحد أن يسلبكم حرية فكركم ، لقد انتهت عصور الظلام ، عندما يقولون لكم باسم الرب إنكم قطيع من المواشي خلق ليستغل وليخدم حفنة من الأشخاص الفانين ، أي أنهم بشر مثلكم بوئوا مكانا عليا ليتلكونكم وتصبحون ملكا لهم ، لا ، إنكم لستم ملكا لهم ولا حتى انتم ملكا للرب ، إنكم ملك أنفسكم ، ستسألون ألان الأمير أو الملك الذي يريد أن يحكمكم بأي حق ستحكمنا ، فان قال بحق الوراثة ، فتسألوه وكيف حصل جدك الأول ( مؤسس الأسرة الحاكمة ) على هذا الحق ، إن الحاكم يستمد سلطاته من الشعب ، أما المقال الثاني فقد كان عن تصحيح الأحكام العامة عن الثورة الفرنسية ، وقد كان أكثر راديكالية ، وقد قال فيه أن المزايا الإقطاعية لا يجب أن تكون متوارثة ، لأنها وجدت بموافقة الدولة ولذلك يمكن إلغائها بما يتفق مع حاجة الأمة وإرادتها ومصالح الدولة وتحت حمايتها كما يمكن تأميمها ، والأمر نفسه بالنسبة الى ممتلكات الكنيسة ، ولم تقتصر الدعوة الى الحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية على سميث ومالتس وفيخته ،
ولكن الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل الذي اعتقد في صحة نظرية مالتس في السكان ، ويقصد بالسكان السكان الذين يؤدون إعمالا إنتاجية ، واعتقد أن التحكم في النمو السكاني يعتبر امرأ ضروريا للتنمية الاقتصادية ، وكان ينظر إلى التنمية الاقتصادية كوظيفة للأرض والعمل ورأس المال حيث يمثل العمل والأرض عنصرين أساسيين للإنتاج في حين يعد رأس المال تراكمات سابقة لناتج عمل سابق ، وقد كان ميل من أنصار سياسة الحرية الاقتصادية التي يجب أن تكون القاعدة العامة ، ولذلك حدد دور الدولة في النشاط الاقتصادي عند حده الأدنى وفي حالات الضرورة فقط مثل إعادة توزيع ملكية ووسائل الإنتاج ، وبالإضافة إلى النظريات السابقة ظهرت نظريات أخرى ومنها النظرية الذرية للفيلسوف البريطاني جون ستيورات ميل ( 1806 – 1873 ) منظر وفيلسوف الليبرالية وهو من أكثر الفلاسفة تحمسا لقضية المرأة ، ومن الفلاسفة الذين كرسوا جزء من فلسفتهم من اجل قضايا النساء ، وذلك على عكس بعض المفكرين الذين كانوا لا يرون في مساواة الرجل والمرأة ضرورة لتقدم البشرية ، وبعض الثوار والمتمردين على التقاليد الاجتماعية الذين كانوا أعداء للنساء ، وقد تابعت الكاتبة الأميركية سوزان موللر اوكيه الموقف من النساء في الفكر الغربي منذ نشأة هذا الفكر في بلاد اليونان واكتشفت نغمة الكراهية للنساء التي تتسم بها كتابات الفلاسفة والشعراء الإغريق وفي مقدمتهم أفلاطون وسقراط ، فالمرأة في وجهة نظرهم أول البلاء في البشرية ، وحتى أن صفات الإلهة المؤنثة في التراث اليوناني كانت صفات رجولية ، كما كانت حقوق المواطنة في أثينا تطبق وفق المراتبية الاجتماعية التي لا توفر للنساء والعبيد الامتيازات التي تمنح للرجال الأحرار ، ولذلك بقي تراث الفكر الإنساني يتراوح بين القبول والرفض لحقوق المرأة ، وفي عصر النهضة الذي بدأ فيه الفلاسفة في البحث عن مفهوم المواطنة التي يتساوى فيها البشر أمام القانون ، لم يكن هذا العصر عصر الاهتمام بقضية المرأة رغم دور المرأة في الثقافة والحياة الاجتماعية والسياسية ، لأن الفلاسفة في ذلك العصر وخاصة جان جاك روسو كان يرون في المرأة قصور عن الوصول إلى مواهب الرجل ، وكانوا يرون فيها موضوعا جنسيا يجب أن يحجز في البيت ، لأن وظيفة الرجل هي التفكير والإبداع وهو يملك قدرة غير محدودة على التفكير والإبداع ، ولكن وظيفة المرأة هي وظيفة حسية وفيزيقية وهي لا تملك القدرة على التفكير المجرد ، ولذلك كانوا يرون أن المرأة هي مصدر الشر وعقابها ولادة الأطفال بالوجع ، لكن وللحقيقة يجب أن نقول أن جان جاك روسو كان يخاف النساء لأنه كان يعاني من مرض الزهري الذي ساهم في تعكير مزاجه إزاء النساء ، وهذا الأمر يشير إلى الرابطة الوثيقة بين التجربة الشخصية والمواقف الفكرية ، لكن جون ستيوارت ميل فيلسوف الليبرالية والمدرسة الذرية والذي كان محاطا بمجموعة من النساء الذكيات الموهوبات وفي مقدمتهن حبيبته وزوجته هاريت تايلور وهي كاتبة في مجال حقوق المرأة كان من أكثر الفلاسفة تحمسا لقضية المرأة وأول المفكرين الذين نادوا بحق المرأة في التصويت الانتخابي ، وأول من قال أن استعباد النساء ليس ألا مبدأ شريعة الغاب الذي كان الرجل فيها يعتمد على قوته البدنية ، ويعتقد أن كتابه منح حرية الانتخاب للنساء كان نتيجة مساهمة مشتركة بينه وبين هاريت تايلور ، ولكن من النادر أن ينسب إبداع الرجل إلى امرأة رغم القول الشائع خلف كل رجل عظيم امرأة حتى ولو كانت هذه المرأة هاريت تايلور التي كانت تملك من الذكاء وقوة التأثير ما يمكنها من أن تجعل منظر وفيلسوف من وزن جون ستيوارت ميل على تطابق مع أفكاره التي كتبها في كتابه الحرية والمذهب الليبرالي ، والى جانب قضية المرأة كان جون ستيوارت ميل يشارك في المناقشات البرلمانية حول المسألة الايرلندية ويبدي تعاطفا مع قضية السود في جمايكا وتنقد سياسة الأحزاب البريطانية ، ولذلك سقط في الانتخابات البرلمانية في عام 1868 وعاد إلى عزلته في منزله الصغير في سانت فيران يعاني من مرض الانهيار العصبي بسبب اختلافه مع والده الذي كان يعتقد بصحة معتقداته الفلسفية واختلافه مع بنثام الذي كان أيضا يحبه ويعتقد بصحة معتقداته الفلسفية ، وبسبب وفاة هاريت حبيبته وزوجته الذي تعرف عليها في عام 1830 وهام بها وأراد أن يثبت لها انه فارسها ولذلك تزوجها في عام 1851 بعد عشرون عاما من الحب والغرام ، وقد بادلته الحب والغرام ووجد عندها رقة عاطفية مميزة توخي من خلالها أن يجد نافذة فكرية يطل منها على القضايا الفكرية والإنسانية التي كانت مثار اهتمامه ، وقلب الرجل لا يخلو من المرأة ، قد تكون امرأة حية أو امرأة ميتة ، وقد تكون زوجة أو صديقة ، وقد تكون شيئا آخرا ، لذلك أصيب جون بالانهيار العصبي أو الجنون ، والجنون هو الرفيق السري للعبقرية ، ولذلك أطلقوا عليه اسم العبقري المجنون ، ولو كان بالإمكان أن نجري فحصا نفسيا على أولئك الذين ماتوا والذين ما زالوا أحياء من الفلاسفة والعلماء ربما لوجدنا أن الكثيرون جدا منهم مرضى بالانهيار العصبي أو الجنون ، ولكن ذلك لا يمكن أن يقف في وجه المؤرخين في الحكم على الكثيرين منهم بالانهيار العصبي أو الجنون ، ولم يقتصر دور هاريت على حقوق المرأة ولكن وبتأثير منها دافع جون ستيوارت ميل عن الاشتراكية في كتابه الاقتصاد السياسي وقال أن الاشتراكية ليست خطرا على حرية الفرد ، ولكن ورغم ذلك لم يعترف به القادة الاشتراكيون لويس بلانك وبوردون ورفيق دربه سالن ، وكان في نظرهم يمثل التجسيد الحي لإصلاحي ليبرالي راديكالي برجوازي وديع ، وقد اقر ذلك أيضا الاشتراكيون الفابيون الذين كانوا يعتبرونه الأب الروحي لهم ، وكان هو نفسه يقول أن كل ما يقيد المنافسة الحرة شر مطلق وكل ما يطلقها خير مطلق ، كما كان جون أول من دافع عن حرية التعبير عن طريق الكلام أو الكتابة أو العبادة أو الصحافة أو التظاهر السلمي أو أي عمل فني وبدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار والآراء خرقا للقانون مهما كان هذا الرأي غير أخلاقي في نظر البعض ، ومن أقواله في ذلك ( أن البشر جميعا لو اجتمعوا على رأي واحد ، وخالفهم في هذا الرأي شخص واحد ، لما كان لهم أن يسكتوه ، بنفس القدر الذي لا يجوز لهذا الشخص أن يسكتهم حتى لو كانت له السلطة والقوة ، لأننا إذا أسكتنا صوتا واحدا فربما نكون قد أسكتنا الحقيقة ، وأن الرأي المجمع عليه لا يمكن قبوله على أسس عقلية إلا إذا دخل واقع التجربة ، وأن هذا الرأي ما لم يواجه تحديا من وقت إلى آخر سيفقد أهميته وتأثيره ) وكان الحد الوحيد الذي وضعه جون لحدود حرية التعبير هو إلحاق ضرر بشخص آخر ، ولكن هذا الحد ما يزال مثار جدل حتى اليوم ، وخاصة في موضوع ماهية الضرر ، فقد يختلف ما يعتبره الإنسان ضرر الحق به من مجتمع لآخر ، وفي حين كان جون من الداعين إلى النظرية الفلسفية التي تنص على آن النتائج الجيدة لأكبر عدد من الناس هي الفيصل في تحديد اعتبار العمل أو الفكرة عمل أخلاقي أم لا أو فكرة أخلاقية أم لا ، كانت هذه الأفكار تتناقض مع المدرسة الفلسفية التي تعتبر العمل اللااخلاقي سيئا حتى ولو كانت نتائجه جيدة ، وقد استندت هذه المدرسة على الدين الذي يصنف الأعمال والأفكار إلى جيدة أو سيئة ، واقوي برهان على ذلك الكذب ، لأن جون يعتبر الكذب مقبولا إذا كان فيه فائدة لأكبر عدد من الأشخاص في مجموعة معينة على عكس الدين الذي يعتبر الكذب تصرفا سيئا حتى ولو كانت نتائجه جيدة ، كما انه يمكن لأي شخص أن يسبب الأذى للآخرين ليس فقط بالفعل ولكن أيضا بالامتناع عن الفعل ، وبالإضافة إلى قضية المرأة والاشتراكية والحرية كتب جون في موضوع المجتمع المجزأ وقال أن تحقيق وحدة أي مجتمع مجزأ يشترط وجود سلطة مركزة تعلو على سلطة القادة والأنظمة المحلية وتستقطب ولاء الشعب ضد سلطة القادة والأنظمة المحلية وقد كتب في ذلك يقول ( ليس من المحتمل لشعب تمرس على الشجاعة بصراعات مع الطبيعة وجيرانه ، ولكن دون أن يعرف الطاعة المستقرة الثابتة لسلطة عليا ، أن يحصل على هذه العادة ( أي الطاعة لسلطة عليا ) في ظل حكومة جماعية تمثله ، أن جمعية تمثيلية تمثل أجزائه المختلفة تعكس فقط تمرده المتقلب ، المجتمع المجزأ يعجز عن تحقيق وحدته بطريقة ديمقراطية حتى وان كانت الوحدات التي ينقسم فيها تمارس ديمقراطية محلية فعالة ، أنني لا اعلم بأي حقل تاريخي استطاعت فيه هذه الذرات أو الخلايا السياسية أن تتحد في كيان واحد ، أو تتعلم بأن تكون شعبا واحدا دون خضوع سابق لسلطة مركزة تشملها جميعها ، ولم يكن جون مفكرا متخصصا في دراسة المنطق ولكن التطور الاقتصادي الذي عاشته بريطانيا خلال الثورة الصناعية والإفرازات الاجتماعية والسياسية استقطبت نشاطه ، كما أن الإشكاليات الجديدة التي برزت بعد نشوء المجتمع الصناعي أثارت مسألة الحرية ومفهوم حقوق الفردية في الحياة المدنية السياسية ، وقد كتب جون موقفه في مسألة الحرية في كتابه بحث في الحرية في عام 1859 وكتابه أفكار حول الحكم التمثيلي في عام 1861 ودعا إلى توسيع مساحة الحرية العامة المدنية ، ولكنه ورغم انه قد أبدى تخوفه من نتائج بعض المبادئ الديمقراطية كالمساواة في حق الانتخاب إلا انه نادى بحق الرأي في الانتخاب ، وعارض الانتخاب السري الذي كان مقترحا في بريطانيا لأول مرة بحجة انه يجب أن يكون لدى المواطنين الرغبة في أن يتركوا جيرانهم يعرفون كيف أدلوا بأصواتهم ، وعارض التوسع في التوظيف الحكومي وقال انه إذا أصبحت نسبة كبيرة من المواطنين موظفين حكوميين أو منتفعين فإن حرية الصحافة ودستور التشريع العام لا يستطيعان الحفاظ على حرية البلد إلا بالاسم فقط ، ولذلك كان ينظر إلى الحكام وكأنهم بالضرورة في وضع معادي للشعب لأن سلطتهم كانت أما عن طريق الإرث أو عن طريق الاحتلال ، وفي الحالتين لم يكونوا يمارسوا سلطتهم برضي المحكومين ، ولذلك كان يبرر الثورة على الحكام أو إقامة ضوابط دستورية تؤمن نوع من الحماية ضد استبداد الحكام ، أو أن يكون الحكام الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء آو مندوبين عن المحكومين ويعزلونهم متى أرادوا ، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يعطي المحكومين الضمانة في أن لا يساء استعمال سلطة الحاكم في غير صالح المحكومين ، وفي تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع وضع جون ستيوارت ميل حدا شرعيا لسيادة الإنسان على نفسه بحيث يكون للفردية جزء الحياة الذي يهم الفرد ، وأن يكون للمجتمع جزء الحياة الذي يهم المجتمع ، وذلك على قاعدة أن من ينال حماية المجتمع يكون مدينا للمجتمع وأن العيش في مجتمع يقتضي حتما أن يتقيد كل فرد بخطة من السلوك تجاه الآخرين ، وعدم الإضرار بالمصالح التي يجب أن تعتبر حقوقا أما بموجب القانون أو بموجب تفاهم ضمني وأن يتحمل كل فرد نصيبه الذي تقرر وفق مبدأ منصف ، وكان ميل يرى في الأخلاق خيرا قد لا يرتبط بالدين في بعض الأحيان لأنه كان يرى أن الحرية هي قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها بحسب منظوره شريطة إلا تكون مفضية إلى إضرار الآخرين ، وان السبب الوحيد الذي يجعل الإنسانية أو جزء منها تتدخل في حرية أو تصرف أحد أعضائها هو حماية النفس فقط ، وأن السبب الوحيد الذي يعطي الحق لمجتمع حضاري في التدخل في إرادة عضو من أعضائه هو حماية الآخرين من أضرار ذلك التصرف ، كما كان جون ستيوارت ميل يقدر تقديرا كبيرا القوة العسكرية رغم انه كان يقول أن الحرب شيء قبيح إلا أنها ليست أقبح الأشياء ، فالوضع الأخلاقي المنحط والمنحل والشعور بالوطنية الذي يشك بأن لا شيء يستحق الحرب هو أسوأ بكثير من الحرب نفسها ، فالشخص الذي ليس لديه شيء يرغب في القتال من اجله وليس لديه شيء أهم من سلامته الشخصية هو مخلوق بائس ، والشخص الذي ليس لديه فرصه في أن يكون حرا إلا إذا جعل حرا وحوفظ عليه حرا من قبل رجال افصل منه مخلوق يائس ، ولذلك كان يقول ( لا تنحني لأحد مهما كان الأمر ضروريا فقد لا تأتي لك فرصة للوقوف مرة أخرى . لكن أرسطو العصر الحديث جورج هيغل ( 1770 – 1838 ) الذي شكل ما يعرف باسم نسق العلم الذي شمل علوم المنطق والطبيعة والروح والحياة والأخلاق والسياسة والدولة والمجتمع المدني والفيزيقا والميتافيزيقا والبلاغة والشعر والجمال والفن ، ولذلك استحق
بجدارة لقب آخر فيلسوف شمولي في التاريخ ولقب أرسطو العصر الحديث ، وقد تأثر هيغل بالفيلسوف ايمانويل كانت أستاذ المثقفين الألمان وقمة الفلسفة المثالية الألمانية ، والثورة الفرنسية ونابليون بونابرت والثورة الصناعية التي غيرت وجه العالم وميكافيلي وخاصة في موضوع الاهتمام بتوحيد ايطاليا لأن هذا أيضا كان الهدف الذي يرمي إليه هيغل بالنسبة لألمانيا ، ولذلك كان يسأل
كيف يمكن تحقيق هذه الوحدة ؟
وما هي الوسائل التي يمكن أن تستخدم في تحقيق هذه الوحدة ؟
وكانت إجابته على ذلك تسبق ما سوف يقوله بسمارك لاحقا لأنه كان يقول ( في هذا السياق ليس أمامنا من خيار في اختيار الوسائل ، لأن الأعضاء المصابة بالغرغرينا لا تعالج بالعطر ولكن بالسم والبتر ، ولأن الحياة عندما تقف على حافة الهاوية والانهيار فإن إعادة تنظيمها لا يمكن أن يكون في هذه الحالة الا بأقصى درجات العنف والقوة ) ، وموضوع الأخلاق وخاصة الفصل بين الأخلاق والسياسة ولذلك كان يقول في مجال العواطف والأخلاق ( إذا كانت العواطف تصلح للعشاق ولا تنفع في حقل السياسة فإن الأخلاق تصلح لسلوك الأفراد ولا تنفع في سلوك الدولة ) ، وهكذا نرى أن هيغل كان يهتم بالسياسة ولذلك كان يقول ( أن قراءة الصحف في الصباح هي لون من ألوان صلاة الصباح ) ، وفي نظرته للدولة كان هيغل يرى آن نشأة الدولة ليست نشأة مصطنعة أو نتاج عقد اجتماعي أو كيان يشمل مجموعة من الأفراد كل منهم يملك حقا طبيعيا وحصة من الأراضي العامة ، ولكنها شخص حقيقي يكمن في إرادتها المنطق الكامل وهي مصدر الحريات الفردية التي يدعيها كل فرد من أفراد الدولة ، وذلك ولأن الدولة هي تجسيد الحرية العقلية وهي حقيقة بحد ذاتها وهي العقل المطلق الذي لا يعترف بسلطة غير سلطته ، ولكنه كان ينكر انطباق المعيار الأخلاقي على تصرفات الدولة ، والأحزاب السياسية في الدولة هي تلك الأحزاب التي تتماشى مع القواعد الأخلاقية لأن الدولة هي تجسيد للفكرة الأخلاقية ، ولكن هيغل لم يكن يرى أهمية في الفوارق في الأشكال السياسية للدول ما دامت هذه الدول تحافظ على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للطبقات الوسطى ، ولذلك كان يرى أن دستور الدولة هو ذلك الدستور الذي ينتج عن التطور الطبيعي للدولة القائم على مفهوم التقدم نحو النظام والحرية ، وان السيادة أداة ضرورية للحفاظ على مجتمع الطبقة الوسطى ، ومنع التنافس بين الأفراد ، ووضع حرية الفرد في الإطار الذي لا تتجاوزه داخل النظام الكلي للدولة ، وحصرا لتنافس بين الدول بحيث تكون قوة كل دولة تكمن في سلطتها التي لا تنازع على أفرادها ، وخاصة العمال لأن المثل الأعلى للعمال محدود في نطاق أعمالهم ، ومقياس طموحهم هو ما يكسبون من مال واحترام في دوائرهم الضيقة ، والعمال أذكياء ولكنهم غارقون في مصالحهم الخاصة ، والفلاحين ماكرين ينقصهم الذكاء ، ولذلك يعيشون في ثقة صامتة عمياء ، ويدينون بالولاء للمجموع ولا يدينون بالولاء الى أفكارهم ، لكن هيغل كان يرى عدم الفصل بين السلطات لأن إرادة الدولة واحدة ولذلك يجب أن يكون هناك تمازج بين السلطات في الدولة ، السلطة التشريعية التي تمثل الكثرة العددية والسلطة الإدارية والقضائية التي تمثل الأقلية والسلطة الكلية التي تمثل الفرد ، وفي موضوع العلاقات الخارجية كان هيغل يرى وبناء على مبدأ سلطان الدولة يجب أن تكون الدولة مستقلة في علاقاتها الخارجية ، ويجب أن تعمل وفق ما تمليه عليها إرادتها والقواعد الأخلاقية التي يجب أن تلتزم بها نحو أفرادها داخل الدولة ، ولكن لا يجب أن تكون الدولة ملتزمة بالقواعد الأخلاقية في علاقاتها الدولية ، لأن علاقة الدولة بالمجتمع الدولي تختلف عن علاقة الدولة بأفرادها ، وهكذا تكون الاتفاقات والمعاهدات والتحالفات التي تعقدها الدولة اتفاقات ومعاهدات وتحالفات وقتية يمكن أن تتغير ويمكن أن تلغى ويمكن أن تعدل حسب الواقع والظروف ، وفي موضوع الحرب كان هيغل يرى أن الحرب ضرورية لاستمرار كيان الدولة وحياة الشعب ، لأن معنى الكل ( الدولة ) ومعنى وحدة الكل ( وحدة الدولة ) يزولان بدون الحرب ، ولأن الحياة الإنسانية تنحدر الى درجة طبيعة بلا روح بدون الحرب ، ولكن الحرب عند هيغل ليست الحرب الاستعمارية التي تشكل إمبراطوريات وتجمع شعوب مختلفة تفقد فيها الدولة وحدتها الذاتية وفرديتها الأصيلة ، ولذلك كان يمجد القومية الألمانية ورسالة الشعب الألماني تجاه العالم ، لأن هيغل كان ألمانيا وكان يرى كيف كانت أقدام الفرنسيين والنمساويين والدانمركيين والإقطاعيين الألمان تسحق أجزاء من ألمانيا وتشتت الشعب الألماني في أكثر من 400 دولة ، لذلك كان يرى أنه لا بد من ظهور المستبد العادل الذي يحرر ألمانيا ويعيد لها وجودها ووحدتها ، ولذلك أيضا كان يرى أن حركة التاريخ يجب أن تقف عند حدود الدولة البروسية لأنها تمثل القمة في تجسيد المطلق وفي تجسيد روح الحرية والالوهية ، وقد كانت أفكار هيغل هذه قد أثرت تأثيرا كبيرا في حركة توحيد ألمانيا التي قادها بسمارك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وفي تطور فكرة اشتراكية الدولة ، وفي تبرير نظرية تفوق العنصر الألماني والدعوة الى التوسع الإقليمي عند بعض المفكرين الألمان ، لكن الفيلسوف الذي كان له شرف تحرير علم السياسة من طفولته الميتافيزيقية العقلانية وتناوله كعلم للعلاقات السياسية الحقيقية هو الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت الأب الشرعي المؤسس للفلسفة الوضعية ( 1798 – 1857 ) الذي يسجل له تاريخ الفكر السياسي تفسير التطور الفكري الإنساني عبر التاريخ في سلسلة من ثلاث مراحل وهي مرحلة الطور الميتافيزيقي ومرحلة الطور العقلاني ومرحلة التطور العلمي الايجابي ، وكان كونت قد تأثر بالاضطرابات السياسية والاجتماعية التي كانت تموج بها القارة الأوروبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر وخاصة حروب نابليون وحروب القرم والصراع بين الملكيين والجمهوريين وبين الليبراليين والمحافظين وبين العمال وأصحاب العمل ، وهو ما دفع كونت الى التفكير في وضع دين للإنسانية يجنبها الحروب ويحقق له السلام الاجتماعي ، ولذلك كان يقول أن هدف فلسفته هو إعادة تنظيم المجتمع ، وقد كان تفسيره للتاريخ على أساس مضاد للمادية قد أدى الى تسهيل مهمته ، ولذلك كان محور فلسفته السياسية يقوم على تحسين أحوال الطبقات الدنيا ولكن بدون اى تغيير في الحواجز الطبقية أو أي تغيير في النظام الاقتصادي ، وهذا يعني تأمين الطبقات الحاكمة ضد كل فرد فوضوي ، وقد برر كونت ذلك مؤكدا أن رسالة فلسفته السياسية هي التنظيم وليس التدمير ، وإذا كان كونت لم ينجح في تطبيق نظريته فإن الكسيس توكفيل ( 1805 – 1859 ) كان قد نجح في تطبيق هذه النظرية من خلال دراسته للنظام الديمقراطي الأميركي كنموذج لعالم ديمقراطي جديد يقوم على المساواة ، لكن الشيء الغريب الذي يستدعي الأسف هو هذا التناقض في فكر توكفيل الذي كان يقول انه يتذوق المؤسسات الديمقراطية بعقله ولكنه يتذوق الارستقراطية بغريزته ، وانه يعشق الحرية والمساواة وحقوق الإنسان ولكنه لا يحب الديمقراطية ويزدرد الغوغاء ، ولكنه ورغم هذا التناقض كان يعترف بأن الديمقراطية هي حقيقة عصره وحقيقة المستقبل ، ولكن ورغم أن الفكر السياسي في أوروبا في العصر الحديث تأثر بالمسيحية الا أن البحث عن السعادة والرخاء والخروج من الحياة الأرضية القاسية المليئة بالحروب قد تأثرت كثيرا بأفكار الاشتراكيين الطوباويين التي نشرها في فرنسا شارل فوريه ( 1772 – 1837 ) أبو الحركة التعاونية في فرنسا الذي كان يحلم بعالم جديد ، وكلود هنري دي سان سيمون الذي كان يوجه تفكيره نحو تأسيس ديانة مسيحية جديدة ، وأبيين كابيه ( 1788 – 1856 ) الذي كان يحلم بتحقيق مجتمع ايكاريا والتقويم الايكاري كمجتمع يخلو من الملكية الفردية ، والمساواة بين المواطنون في الحقوق والواجبات ، وتعاون الناس في تحقيق هذا المجتمع ، ولكن بدون صراع أو ثورة أو عصيان ، ولذلك كان يقول ( إذا كنت اقبض الثورة بيدي فسأظل قابضا عليها حتى ولو أدى ذلك الى موتي في المنفى في لندن ) وعلى النقيض من كابيه كان اوغست بلانكي ( 1805 – 1881 ) الذي بشر بانهيار البرجوازية وسيطرة البروليتاريا لا يستنكر الثورة وفي الوقت نفسه كان يؤمن بإمكانية التعايش بين الطبقات ، وقد هاجم بلانكي الاستغلال في الملكية والصناعة واحتقر الثروة على أساس نظرته الى وسائل الحصول عليها الحصول عليها ، ولذلك كانت أفكاره قريبة من الماركسية ، ولكنه كان يرى أن اشتراكيته كانت تختلف عن الاشتراكية الماركسية والاشتراكية البردونية وهي اتجاه برجوازي ينسب الى المفكر الفرنسي الفوضوي جون بيار بوردون الذي كان ينتقد الملكية الكبيرة الرأسمالية من موقع برجوازي صغير ، ويحلم بتطبيق ملكية خاصة صغيرة ، ويقترح إنشاء بنوك الشعب الذي تمكن العمال من امتلاك وسائل الإنتاج بحيث يصبحون حرفيين ويضمنون تسويق إنتاجهم ، وكذلك الاشتراكيات البرجوازية الصغيرة غير البرولوتارية ، ولذلك كان يقول ( لقد حدث الخلاف بين الاشتراكية البردونية والاشتراكية الماركسية ، فسقط كل منهما صرعى في سنة 1948 ، أن الانتصارات ليست عملية يمكن أن تتم في يوم ، لقد وقفت الاشتراكيتان أمام شاطئ النهر ، واحتدم الجدل بينهما حول ما إذا كان الحقل الواقع على الشاطئ الأخر مزروعا قمحا أو ذرة ، وركبت كل منهما رأسها وأصرت على رأيها ، وكان الأجدى أولا أن نعبر النهر وهناك سوف نرى ) ، لكن جوهان شميدت المعروف باسم ماكس شتيرنر ( 1806 – 1856 ) كان يرى أن الدولة تتناقض مع الفرد وتعوق انطلاق طاقاته ، ولذلك دعا الى القضاء على كل أشكال الحكم السياسي ، وقد اعتبر كارل ماركس أن أفكار شتيرنر تفسير للمجتمع الرأسمالي وبنائه الاقتصادي على أسس فردية جديدة ، وقد كان فيساريون بلينسكي ( 1811 – 1848 ) من أوائل الاشتراكيين الروس الذين دافعوا عن حقوق الفلاحين من أمثال الكسندر هيرزون ونيكولاي دوبروليوبوف ونيكولاي تشيرنيفسكي ، وكان بلينسكي يرى انه لا عيش بدون تطور ولا تقدم بدون تطور ولذلك كان يدعو الى التجديد والتنمية الاجتماعية ، وفي كتابه الحياة بالعمل قال فيدال ( 1812 – 1871 ) أن الاقتصاد والسياسة هما العاملان الرئيسيان في تشكيل علم المجتمع الذي يحقق الرفاهية ، لأن الاحتياجات المعنوية للمجتمع هي مجال دراسة الفلسفة السياسية ، والاحتياجات المادية للمجتمع هي مجال دراسة علم الاقتصاد ، ولذلك كان فيدال يدعوا الى حل مشاكل المجتمع عن طريق تنظيم المجتمع وتوزيع الثروة والعمل المتحرر وتنظيم الائتمان الشخصي عن طريق توعية طبقات المجتمع باستخدام العاطفة والعقل والابتعاد عن الثورة ، لكن كتاب العدالة السياسية الصادر في 1793 للمفكر البريطاني الفوضوي وليم غودوين ( 1756 – 1836 ) كان ولا يزال من أهم المراجع السياسية في الفكر السياسي الفوضوي ( الاناركي ) ، لأنه يدعو الى إلغاء الحكومة السياسية الذي كان يعتبرها الآلة الوحشية الكبرى ، وهي نتاج رذائل البشر ، والعلة الدائمة لمساوئ البشر، وذلك بالإضافة الى دعوته الى إحلال النظام الفيدرالي محل الحكومة السياسية ، والى تعديل نظام الملكية والدعوة الى الحرية الفردية ، وقد سار بيير جوزيف برودون ( 1809 – 1865 ) على نفس نهج غودوين ودعا الى رفض الحكومة والسلطة والدولة وكل إشكال السياسة والأحزاب ، وأن يحل محلهم مجموعة من العقود بين الرجال الأحرار ، وكان بوردون هو أول من أطلق على نفسه لقب ( اناركيست ) أي لا سلطوي ، وقد اختلفت الآراء حول الفلسفة الفوضوية ( الاناركية ) وفي حين ذهب فريق من المفكرين الى أن الفوضوية هي كلمة مرادفة لكلمة اللاسلطوية وكلمة اللانظامية ، كان الفوضويون يرون أن المجتمع اللاسلطوي هو مجتمع مضاد للسلطة ، وهو مجتمع يعتمد على التشارك النوعي للإفراد الأحرار في التجمعات التلقائية والإدارة الذاتية لأمور المجتمع ، وذهب فريق الى أن الاناركية الفوضوية اللاسلطوية اللانظامية فكرة طوباوية لا يمكن تحقيها ، وهي طريقة للخراب والفوضى المطلقة ، يرى الاناركيون أن هذه الفكرة هي الرؤية الفلسفية المثلى في التخلص من أخطار السلطوية المدمرة للمجتمعات والإنسان ، وتقليص السلطات المركزية في المجتمعات ، وهي فكرة مضادة للفكر الفاشي الشمولي الذي لا يحترم فردية الإنسان ، لكن أكبر الفوضويين الثوريين اللاسلطوين الاناركيين الروس في القرن التاسع عشر ميخائيل الكسندر روفيتش باكونين ( 1814 – 1876 ) والذي كان قد شارك في الحركات الديمقراطية والثورية في أوروبا ، ووضع إيديولوجية المذهب الفوضوي ، وأسس الاشتراكية المناهضة للتسلط ، والنقابات الفوضوية ، وربط أفكار الحريات الفوضوية بحركة الطبقة البروليتارية ، ويؤمن بالروح الجماهيرية التلقائية وخاصة روح طبقة الفلاحين وطبقة البروليتاريا ، كان ينكر الحاجة الى الاعتماد على
الثورة ، ولذلك كان يعارض الماركسية وماركس وخاصة في موضوع الصراع بين الطبقات وديكتاتورية الطبقة العاملة ، وقد أدى ذلك الى طرده من مؤتمر الأممية الأول في لاهاي في سنة 1872 ، لأن الخلاف بين باكونين وماركس كان خلافا أيديولوجيا وخاصة حول موضوع الدولة ، لأن النظرية الماركسية ترى أن سيطرة الطبقة العاملة المنظمة في حزب سياسي على الدولة تفتح الطريق الى الاشتراكية ، ولكن باكونين يرى انه إذا كان لا بد من تأسيس دولة يجب أن تكون دولة مؤقتة ، وان تلغى هذه الدولة بمجرد أن تكتمل الثورة وتصادر ممتلكات الطبقة البرجوازية ، وأن تنقل صلاحيات هذه الدولة الى هيئات اجتماعية – ثورية ، وفي كتابه الفوضى وصف باكونين الدولة المستندة الى الغيبيات بسلطة القهر الرئيسية للإنسان ، وقال أن التدين هو الجنون الجماعي ، والثمرة الفجة لوعي الجماهير المتهورة ، وان الكنيسة هي المكان الذي يلتمس فيه المتهورون السلوان لتجاوز تعاستهم اليومية ، ولذلك كان من الضروري لقيادة الجنس البشري الى مملكة الحرية أن تنسف فكرة الدولة ، وان يستبعد مبدأ السلطة من وعي الناس ، وتنظيم مجتمع اشتراكي يقوم على الاتحادات والتنظيمات الشعبية والنقابات العمالية ، وقد لاقت أفكار باكونين هذه معارضة شديدة وخاصة من ماركس وانجلز ولينين وألبير كامو 1913 – 1960 ) وهو أحد النجوم الاجتماعيين في تيار الفلسفة الوجودية والذي قال في كتابه الإنسان والتمرد هل يكون العالم بلا قوانين فعلا عالم حر ، ولكن كارل ماركس ( 1818 – 1883 ) المفكر والفيلسوف والأيديولوجي الألماني ، والأب الروحي للنظرية الشيوعية الذي عاش في القرن التاسع عشر وتأثر بفلسفة الاقتصاد السياسي وخاصة فلسفة ادم سميث وريكاردو ومالتس ، والفلسفة الطوباوية وخاصة فلسفة سان سيمون وفوريه وكابي وبوردون وبلانكي ، والمؤرخين الفرنسيين والثورة الفرنسية ، والفلسفة الألمانية وخاصة فلسفة هيغل المثالية الذي استمد ماركس منها فكرة المطلق وفكرة جدلية التاريخ الكوني الذي يسيطر على التناقضات ( التضاد بين عالم الأفكار وعالم الأشياء ) ، وكان ماركس يرى أن الصراع هو المفتاح الرئيسي للوضع الاجتماعي كما قال في المانفيستو الشيوعي الذي كتبه بالاشتراك مع صديقه فردريك انجلز في عام 1848 ، لأن أي نظام من النظم الإنتاجية هو في الأساس عبارة عن طبقتين تتبادلان العداء ، طبقة الملاك وطبقة الكادحين ، وان الطبقة التي تسيطر على وسائل وأدوات الإنتاج والتوزيع سوف تكرس سيطرتها باضطهاد واستغلال الطبقة الأخرى ، وهكذا نرى أن التاريخ البشري هو تاريخ صراع بين طبقة مستغلة وطبقة مستغلة ( طبقة الرأسمالية وطبقة البروليتاريا ) أما الطبقة البرجوازية غير الرأسمالية ( البرجوازية الصغيرة ) الموظفين والأطباء والمهندسين والمزارعين والعمال الفنيين وأصحاب المصانع الصغيرة والمتاجر الصغيرة فهي طبقة محافظة وليست ثورية مثل طبقة البروليتاريا ، وهي طبقة مترددة وانتهازية لأنها من جهة تتطلع الى الارتفاع الى الأعلى الى مستوى الطبقة الرأسمالية ، ومن جهة أخرى تخاف من السقوط الى الأسفل الى مستوى الطبقة البروليتارية ، وكان ماركس يرى أن النظام الرأسمالي يحمل في أحشائه بذور فنائه ، لأنه يقوم بتجميع الطبقة البروليتارية في المدن الصناعية والتجارية ، وإحباطها بسبب عدم تمتعها بما يوازي عملها ، وهو ما يخلق شعور بالاضطهاد وعدم الرضا عند هذه الطبقة بالوضع القائم بسبب عدم تمتعها بما يوازي عملها ، وهو ما يعرف بالفرق بين أجر العامل وجهد العامل والذي أطلق عليه ماركس فائض القيمة ، وقد وضع ماركس بالاشتراك مع انجلز برنامج في حالة وصول البروليتاريا الى السلطة ، ويتلخص هذا البرنامج في عشر نقاط وهي نزع الملكية العقارية وتوظيف الريع العقاري في تغطية نفقات الدولة البروليتارية ، وفرض ضرائب تصاعدية ، وإلغاء مبدأ الوراثة في الملكية ، ومصادرة جميع أملاك المهاجرين و الخارجين عن القانون ، وتأسيس مصرف وطني رأسمالي يتمتع باحتكار عام مطلق وخاصة في موضوع التسليف ، وسيطرة الدولة على جميع وسائل النقل ، وسيطرة الدولة على الصناعة ووسائل وأدوات الإنتاج والتوزيع وإصلاح الأراضي وتحسين الأراضي المزروعة ، وفرض العمل على الجميع ، والجمع بين النشاط الزراعي والصناعي وإزالة الفرق بين القرية والمدينة ، ومجانية التعليم ومنع تشغيل الأطفال ، وكان ماركس ينظر الى السلطة السياسية على أنها سلطة منظمة من طبقة واحدة لقهر واستغلال الطبقات الأخرى ، ولكن وبعد الثورة البروليتارية وسيطرة الطبقة البروليتارية والقضاء على الطبقة البرجوازية وتناقضات المجتمع يجب أن تنتهي الدولة ، ولذلك ناشد ماركس كل الشيوعيين في كل مكان في العالم تأييد كل الحركات الثورية التي تقوم ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية في كل مكان في العالم ، ولكن هذا التحالف بين الشيوعية والعناصر الثورية غير الشيوعية لم يكن تحالفا استراتيجيا ولكنه كان تحالفا تكتيكيا مرحليا من اجل الوصول الى ثورة البروليتاريا والوصول الى الشيوعية بعد مرحلة دكتاتورية البروليتاريا ، لأن ماركس كان يرى أن ثورة البروليتاريا والقضاء على النظام الرأسمالي مسألة حتمية لأنها النتيجة الطبيعية الناتجة عن تناقضات النظام الرأسمالي ، وأن ثورة البروليتاريا تؤدي مرحلة انتقالية الى الشيوعية ولكن بعد أن تطور نفسها الى طبقة حاكمة تهدم بالقوة علاقات الإنتاج البرجوازية ، والتقاليد البرجوازية والمفاهيم البرجوازية وخاصة الدين والأخلاق والعائلة والقومية ، والتناقضات الاجتماعية البرجوازية وفتح الطريق أمام الشيوعية حيت مجتمع بلا طبقات بما فيها الطبقة البروليتارية ، وهكذا يختفي الصراع وبالتالي لا يكون هناك حاجة للحكومة كأداة للاستغلال ، وهكذا تزول الدولة ، وتتشكل إدارات للأشياء ويكون الإنتاج متمركزا في أيدي جمعية واحدة تشمل المجتمع جميعه ، ومن الناحية الاقتصادية فإن المرحلة الانتقالية وهي مرحلة دكتاتورية البروليتاريا التي تتمثل في الاشتراكية وأساسها ( لكل حسب عمله ) ، وهي أيضا مرحلة انتقالية سوف تؤدي الى المرحلة النهائية وهي المرحلة الشيوعية وأساسها ( لكل حسب حاجته ) ولكن هذا شعار يدخل في مجال التنبؤات لأنه يتطلب فائض في المجتمع ، ولكن في موضوع الدين نرى أن ماركس في مرحلته الأولى مرحلة المنطلق والأصول كان يتبنى مبدأ الرفض للدين ويصنفه ضمن الأيديولوجيات الاستلابية التي تمارسها البنية الفوقية في المجتمع كمخدر تبريري بسبب دوره السلبي في المجتمع ووقوفه الى جانب الحكام ، ولذلك كان يعتبر الدين أفيون الشعوب ، وقد كان هذا الموقف تحت تأثير الفيلسوف الألماني فيورباخ واليسار الهيغلي وخاصة بوير وكوبان وموزيس وهيس وجانز وروج وغيرهم ، ولكن يبدو أن هذا الموقف من الدين كان موقفا سياسيا وليس فلسفيا ، ولذلك نرى ماركس يتحول تدريجيا عن هذا الموقف من الدين اعتبارا من عام 1844 ، وهو تحول يمكن أن يندرج في خانة الارتداد أو في خانة المرونة الفكرية من الدين ، وسواء كان ذلك ارتداد أو مرونة فكرية فإن الجوهر في ذلك يعني تغيير الموقف عند ماركس من الدين ، وقد كان سبب هذا التحول يرجع الى عدة أسباب ومنها تأثير المدرسة الاجتماعية الفرنسية وخاصة مدرسة سان سيمون الذي كان يقول ( ليس هدف العلم وراثة الدين ، وليس هدف الدين إيقاف العلم ، ولكن تجمعهما أرضية الوفاق والحوار لأن كليهما لازم وضروري لتحرير وإسعاد الإنسان ، وقد تصدى ماركس باسمها الى المفكر جران والمفكر شتاين ووضع كتابا يرد فيه عليهما ويقول إنهما لم يفهمان موقف سان سيمون من الدين ، ولكن طلائع الارتداد أو المرونة الفكرية عند كارل ماركس في موقفه من الدين والإله كانت تبدو أكثر وضوحا في قوله ( الإلحاد لا معنى له ، لأنه إنكار للإله بلا مبررات ، اللهم إذا كان الهدف أن يحل الإنسان محل الإله) ، وفي قوله ( الاشتراكية ليست في حاجة الى مثل هذه الشطحات التجريدية الجوفاء والمضاربة على الإله ) وفي رسالته الموجهة الى البابا بيوس السابع ( برنابا كونت شيارمونتي ) ( 1800 – 1823 ) بمناسبة رفضه الدخول في الحلف المقدس وانطوائه تحت لوائه خلف هؤلاء الذين شوهوا جوهر الدين عندما اتخذوا منه شرطة روحية في خدمتهم ، والدين منهم براء ، وتهنئته على موقفه الذي ينطلق من إيمان ووجدان ديني عميق ) ، وفي موقفه من العضوية في العصبة الشيوعية بعد صدور المانفيستو الشيوعي في عام 11848 حيث كان هناك رأي أن لا يكون الإلحاد شرطا من شروط العضوية وان يكون التنظيم مفتوحا بغض النظر عن المعتقدات الدينية والفلسفية ، وفي هجومه على فيورباخ حين وصفه بانه جعل من الوجدان والروح الدينية شيئا راكدا جامدا لا قدرة فيه وله على التغيير ، وفي تقييمه مع انجلز لموقف رجل الدين مانزر في حرب الفلاحين ( 1524 – 1526 ) وثنائه على دوره الخلاق الواعي كرجل دين ثوري مصلح ، وفي سخريته من المهاجرين البلانكيين نسبة الى لويس اوغست بلانكي ( 1805 – 1881 ) الذي وصف محاولتهم تحويل البشر الى ملحدين عن طريق توزيع الفتاوى بالمهزلة ، لكن قمة البراهين التي تدل على ارتداد ماركس عن الإلحاد كما يقول غارودي تتجسد في هذا النص الصريح الذي استشهد فيه غارودي في تبرئة ماركس من التطرف والاتجاه به الى الحوار ، وهذا النص حرفيا يقول فيه كارل ماركس ( أن الإلحاد قد عاش وقته ، انه تعبير سلبي لا يعني شيئا بالنسبة للاشتراكيين الاصلاء ، إن المعنى لديهم ليس هو إنكار الإله ولكن تحرير الإنسان ) وقد كان هذا الموقف هو موقف فردريك انجلز وقد أشار في حواره مع الأستاذ الجامعي الاشتراكي الألماني دو هرينغ في كتابه ( انتي دو هرينغ ) الى الخطأ في أن يكون الإلحاد سياسة رسمية للدولة في المجتمع الاشتراكي ، وطرح حرية الضمير والمعتقد باعتبار أن الدولة للجميع بغض النظر عن المنطلقات الفلسفية والدينية ، وان المسائل التي تتعلق بحرية الضمير والمعتقد لا يمكن حلها بإجراءات إدارية ، وترك كل شيء للتطور الطبيعي ، ونلاحظ أن ستالين وقع في خطأ دو هرينغ الذي لا علاقة له بالماركسية عندما جعل من الإلحاد سياسة رسمية للدولة ، وكان ذلك خطأ من أخطاء التجربة الاشتراكية السوفياتية ، وإذا كان المبدأ هو فصل الكنيسة عن الدولة أو فصل الدين عن الدولة ، فهذا لا يبرر أن تتحول الدولة الى كنيسة ، لأنها دولة للجميع بغض النظر عن منطقاتهم الدينية والفكرية والفلسفية ، وهم سواء في الحقوق والواجبات ، وهو أيضا موقف لينين الذي قال انه يمكن قبول عضوية الكاهن في الحزب إذا قبل الكاهن البرنامج والنظام الداخلي للحزب ، لكن فرديناند لاسال ( 1825 – 1864 ) مهندس الحركة العمالية الألمانية وأحد زعماء الأممية الثانية ، وهو زعيم اشتراكي يهودي تأثر بأفكار هيغل وانضم الى حركة الشباب الهيغلي ، وعمل على استخدام اليهودية الإصلاحية في ضرب اليهودية الأرثوذكسية ، واشترك في ثورة 1848 في فرنسا ، ونادى بحق الاقتراع العام والملكية الدستورية ، ورفض اعتبار الحركة القومية السلافية في روسيا معادية للثورة ، وأسس الجمعية العامة للألمان التي تطورت الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ، وكانت زعامته للجمعية والحزب ومعاداته للحركة الليبرالية أحد أسباب التقارب بينه وبين بسمارك ، وقد أدت هذه العلاقة الى اتهامه بالانتهازية السياسية وخيانة الطبقة العاملة ، وبالرغم من جذوره اليهودية وخاصة الإصلاحية الا انه كان يرفض اليهودية ويعتبرها مرحلة ضرورية في التطور الإنساني في الماضي ، ولكنها في الحاضر لا قيمة لها ، وكان في رأيه هذا متأثرا بهيغل ، وقال انه لا يعتبر نفسه يهوديا ، وانه لا يرى في اليهودية سوى بقايا فاسدة من ماضي عظيم ، وان اليهود بعد قرون من العبودية اكتسبوا خصائص العبيد ، وكان لاسال يتفق مع ماركس على ضرورة التنظيم الطوعي الموحد للطبقة العاملة ، ولكنه كان يختلف معه في موضوع مبادرة الدولة الى توفير المال اللازم لتأسيس التعاونيات الإنتاجية التي سوف تساهم في تحرير العمال من التسلط الرأسمالي ، لأن ماركس كان يرى أن الدولة البرجوازية لا يمكن أن تقوم بهذا الدور ، ولذلك كانت اشتراكية لاسال موجة منحرفة في قلب الحركة العمالية الألمانية ، لأنه كان ينادي بمبدأ التعاون مع النظام الإقطاعي الحاكم ، ويرى تحرير العمال في تحقيق برامج عمل طوباوية
خيالية ، وفي دور الدولة وتدخلها في شؤون المجتمع للقضاء على مساوئه ، ولذلك كان يرى أن وظيفة الدولة هي تحقيق الحرية ومقاومة الظلم والفساد والفقر والبؤس والعنف ، وذلك لأن الفرد وحده لا يستطيع تحقيق ذلك ، ولذلك كان لا بد من الاتحاد والدولة هي صورة هذا الاتحاد ، وقد كانت نهاية لاسال في مبارزة دفاعا عن شرفه حين رفضت خطيبته الكاثوليكية قبوله زوجا لابنتها بسبب أصوله اليهودية ، لكن كارل كاوتسكي ( 1853 = 1938 ) تلميذ ماركس وصديق انجلز كان يرى أن الماركسية تختلف عن الشيوعية ، ولذلك كان يرى إمكانية تحقيق الثورة الاشتراكية بالأساليب الديمقراطية ، وإمكانية تحقيق الاشتراكية بالأساليب الديمقراطية ، لأن هدف الثورة هو تحقيق الديمقراطية وليس تحقيق ديكتاتورية الطبقة البروليتارية ، ولذلك كان يعتبر ثورة اكتو بر ( تشرين ) ثورة برجوازية لأن انجازها كان نقل الملكية من الإقطاعيين الى الفلاحين ، ولكنه اعترف بأن التخطيط الصناعي يمكن أن يمهد الطريق الى الثورة الاشتراكية ، ويذكر تاريخ الفكر السياسي المفكر الاشتراكي جورج بليخانوف ( 1857 – 1918 ) وهو المفكر الذي كان يقف موقفا سلبيا من البلشفية ولينين ، وقد تطور هذا الموقف الى درجة القطيعة ، ولكن ورغم ذلك قال لينين ( لا يمكن للإنسان أن يكون شيوعيا حقيقيا واعيا ما لم يدرس كل ما كتبه بليخانوف ) وكان بليخانوف يرى أن التطور الاقتصادي يؤدي حتما الى الثورة السياسية وان الثورة السياسية تؤدي حتما الى تطوير النظام الاقتصادي ، وان النظم الاجتماعية هي وليدة الصراع بين الطبقات المستغلة والمستغلة ، وأن هذا الصراع لا يمكن له أن يتم في هدوء ، وأن التاريخ يشهد على أشكال وقفزات متعددة من هذه الصراعات التي لولاها لما كان من الممكن أن تسير حركة التاريخ نحو التطور التاريخي ، وقد هاجم بليخانوف الاناركيين الفوضويين في كتابه الفوضوية والاشتراكية موضحا أن الفوضويين اللاسلطوين لا يريدون في الحقيقة والواقع فصل الطبقة العاملة المستغلة عن الطبقة البرجوازية التي تستغلها ، ولكنهم في الحقيقة والواقع يريدون الحيلولة بين طبقة البروليتارية المستغلة وبين الوصول الى حقوقها السياسية ، ولم تخلص الماركسية من المناهضين الاشتراكيين ، وخاصة جورج سوريل ( 1857 – 1922 ) وهو أحد أقطاب الفكرة النقابية التي انتشرت في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ( السندكالية ) وهي حركة نقابية تدعو الى التغيير الاشتراكي في المجتمع ولكن ليس عن طريق الثورة والاستيلاء على الدولة ومؤسساتها كما جاء في المذاهب الاشتراكية والشيوعية ولكن عن طريق سيطرة العمال على أدوات ووسائل الإنتاج والتوزيع ، وإدارة المصانع ووحدات الإنتاج والعمل من خلال مجالس عمالية نقابية حاكمة ، وارتباط هذه المجالس الحاكمة ببعضها البعض عن طريق اتحاد عام ينسق نشاطها العام ، وهكذا يصبح التنظيم السياسي للدولة وأجهزتها القمعية غير ضروري ، ووسيلة السندكالية في تحقيق ذلك هو الإضرابات العامة ، ولكن وعلى الرغم من النزعة الاشتراكية وتبني فكرة الثورة العالمية وهي أفكار كانت تتطابق مع الأفكار الشيوعية إلا أن الحركة السندكالية كانت تعادي الشيوعية وسيطرة الدولة على تنظيم الصناعة ، وذلك على أساس أن ذلك يتعارض مع حرية الطبقة العاملة . وكذلك الخطيب السياسي الاشتراكي الفرنسي جان جوريس ( 1859 – 1914 ) النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية في الجمهورية الثانية ، ومؤسس صحيفة لومانيتيه والحزب الاشتراكي الموحد المعروف بالفرع الفرنسي للمنظمة العالمية الدولية ، وكان من دعاة الحركات السلمية ، ومن دعاة تحقيق الاشتراكية من خلال الديمقراطية ، ومن المعارضين الى كل ما يقود الى الحرب وخاصة الشيوعيين والبلانكيين ، ولذلك عارض في دخول فرنسا في الحرب العالمية الأولى ، وهو ما عرضه الى حملة من الأوساط الوطنية بقيادة جورج كليمنصو أدت الى اغتياله على يد أحد المختلين عقليا في 31 تموز 1914 ، وكان موهانداس كرشمند غاندي ( 1869 – 1948 ) الذي كان يعرف باسم المهاتما غاندي وتعني الروح العظيمة باللغة السنسكريتية ، وباسم الغوجارتيه وتعني الأب ، وباسم الثائر القديس الزعيم الروحي للهند خلال مرحلة الاستقلال يقول أن سياسة اللاعنف ( الاحمسا ) هي أعظم القوى في خدمة الجنس البشري ، وأقوى من أي سلاح تخريب اخترعته عبقرية الإنسان ، ولذلك كان المهاتما غاندي رائد سياسة ( الاحمسا ) اللاعنف ، ورائد سياسة ( الساتياغراها ) مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني الشامل الذي تبناها بعد سياسة ( الاحمسا ) وقد أدت هذه السياسة الى استقلال الهند ، والى تبني حركات الحقوق المدنية والحرية لهذه السياسة في جميع أنحاء العالم ، وكان غاندي هو أول من طبق هذه السياسة على نفسه ولذلك أقسم أن لا يقول الا الحقيقة ، ولا يرتدى الا الدوتي والشال الهنديين الذي كان ينسجهما بنفسه بالغزل على الشاركا ، ولا يأكل الا اكلأ نباتيا بسيطا ، ويقوم بالصيام فترات طويلة كوسيلة من وسائل تنقية النفس والاحتجاج الاجتماعي ، ويقود المسيرات بنفسه مثل مسيرة ملح داندي في عام 1930 ، وكان غاندي يرى أن اللاعنف يعني التحرر من الخوف ، لأن اللاعنف ليس حب من يحبنا ولكنه حب من يكرهنا ، ولذلك كان يقول يجب أن يحتل اللاعنف المحل الأساسي في السياسة والشؤون الدنيوية ، لأن من يعتقد باللاعنف لا يستطيع أن يمنع نفسه من الثورة على الظلم ، ولكنه كان يشترط لنجاح سياسة اللاعنف أن يتمتع الخصم ببقية من ضمير وحرية تمكنه في النهاية من فتح حوار موضوعي مع الطرف الآخر ، وكان غاندي يقول أن اللاعنف لا تعني السلبية والضعف ولكنه يعني القوة والإضراب عن الطعام والمقاطعة والاعتصام والعصيان المدني والسجن وعدم الخوف من أن تؤدي هذه الأساليب حتى النهاية الى الموت والعنف إذا لم يوجد خيار آخر، لكن فلاديمير لينين ( 1870 – 1914 ) قائد الحزب لبلشفي ، والحزب الاشتراكي الاجتماعي ، والثورة البلشفية ، والمذهب أللينيني السياسي ، والذي رفع شعار الأرض والخبز والسلام ، وعقد معاهدة برست لود فسك مع الألمان ، و أضاف الى النظرية الماركسية نظريات جديدة وخاصة في الاحتكار والاستعمار والحرب والدولة والقومية ، والتحالف بين العمال والفلاحين ، ودكتاتورة البروليتاريا ، والربط بين الثورة الاشتراكية وحركات التحرر في العالم ، وقلب مفاهيم الثورة التي كانت شائعة في ذلك الوقت من عمل إرهابي فوضوي الى عمل علمي فلسفي منظم يرتكز على التوعية والتخطيط ، وتصدي للناردنيين ( الشعبيين ) الذين كانوا يمارسون الإرهاب كوسيلة للثورة على القيصرية وتغيير المجتمع ، ويعتقدون أن إشاعة الرعب في نفوس الحكام والطبقة الاوتقراطية في روسيا عن طريق الإرهاب الفوضوي والقتل الفردي سوف يؤدي الى تغيير سياسة القياصرة والطبقة الأوتوقراطية ، وينكرون دور العمال ويعتبرون الفلاحين هم وحدهم القوة الثورية ، ويرفضون الاعتراف بالقوانين الموضوعية التي تحكم حركة التاريخ ، ويعتبرون الإرادة الفردية هي المحور الذي يدور حوله التاريخ ، واثبت أن الشعب هو صانع التاريخ ولكنه لم يغفل دور قادة الشعب في نفس الوقت والذي يربط بين دورهم ومدى التفهم لقوانين المجتمع الموضوعية ، وبين رؤيتهم واستجابتهم لمصالح المجتمع ، ولم يكن الناردونيين وحدهم هم الذين يشكلون العقبة في طريق الثورة ، ولكن كان هناك أيضا جماعة الماركسيين القانونيين الذين حرفوا الماركسية بالاعتماد على مقولة ماركس أن الرأسمالية هي أكثر النظم الاجتماعية تقدما ، ولذلك كانوا لا يقيمون وزنا للصراع الطبقي والثورة الاجتماعية ، وقد انتقدهم لينين وحلل أفكارهم ووسائلهم وانحراف تفكيرهم ولكنه اضطر الى التحالف معهم ، ومن هنا نشأت فكرة التحالف المرحلي مع القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى ، ولكن بشرط الحفاظ على الكيان الفكري والممارسة الثورية ، وبالإضافة الى التصدي والتحاف المرحلي كانت سياسة لينين تقوم على نطريه تنظيم الكفاح الطبقي للبروليتاريا في وجهين ، الأول وهو الكفاح ضد الطبقة الاوتقراطية والطبقة الإقطاعية لتحقيق الدولة الديمقراطية ، والثاني هو الكفاح ضد الرأسمالية لحقيق المجتمع الاشتراكي ، ونظرية تطوير الثورة البرجوازية الديمقراطية الى ثورة اشتراكية ، ونظرية تحطيم جهاز الدولة القيصرية وبناء دكتاتورية البروليتاريا وتركيز السلطات في السوفيات ( المجالس ) باعتبارها الأجهزة الممثلة للعمال والفلاحين ، وكان لينين يقول دائما لا جمهورية برلمانية ، لأن الرجوع إليها بعد قيام سوفيتيات نواب العمال يعني خطوة الى الوراء ، ونظرية بناء جهاز دولة قومي من اجل إعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية اشتراكية سوفياتية ، ونظرية تصدير الثورة الى غرب أوروبا ولكن وبسبب الثورات المضادة لم تتم عملية تصدير الثورة الى أوروبا الغربية ، ونظرية التعايش السلمي الذي دعمها منذ البداية ، وهي نظرية تدعو الى تعايش الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية في نفس الوقت في الكرة الأرضية ، والاعتراف بأنه من الممكن والواجب أن تقوم بين الدول الرأسمالية القديمة والدول الاشتراكية الجديدة علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية لا علاقات حروب باردة أو ساخنة ، وذلك بالإضافة الى حل جميع النزاعات والمشاكل والخلافات والاختلافات التي قد تنشأ بين الدول الرأسمالية والاشتراكية بالحوار والمفاوضات لا عن طريق الحروب ، وأن مسألة النظام الاجتماعي الذي يمكن آن يحقق مستوى حياة اعلي للشعوب يجب حلها سياق التنافس الاقتصادي والثقافي وليس بالهجوم المسلح الذي يمكن أن يشنه بلد أو مجموعة من البلدان على بلد آخر ، ولكن فشل سياسة التعايش السلمي كان يقع على عاتق الغرب وخاصة كليمنصو وولسون وعلى وجه الخصوص تشرشل الذي كان يرى ضرورة خنق البلشفية في مهدها ، ولذلك كان هجوم الغرب على الثورة البلشفية من خلال الروس البيض ومساعدة الكولاك على الثورة ضد النظام الاشتراكي في روسيا البلشفية ، ولكن لينين لم يعمر طويلا في الحياة والحكم وذلك بسبب تعرضه للاغتيال على يد فانيا كابلان التي أطلقت عليه النار بعد خروجه من احد الاجتماعات ، وبسبب هموم إدارة الدولة ، وإصابته بالجلطات التي أدت الى الشلل في نصف جسمه الأيمن وحرمته القدرة على الكلام حتى وفاته في عام 1924 ، وقرار الإدارة السياسية التي قررت أن يبقى لينين بعيدا عن الأضواء ، لكن روزا لكسمبورغ ( 1870 – 1919 ) عارضت لينين في نظرية الحزب الشيوعي هو أداة الطبقة البروليتارية المطلقة في تحقيق دكتاتورية الطبقة البروليتارية ، لأن ذلك يفسد الديمقراطية المباشرة ، خاصة وان الديمقراطية المباشرة في رأي روزا هي الوسيلة الوحيدة في تحقيق حكم البروليتاريا ، وذلك بالإضافة الى معارضة لينين في نظرية حق الأقليات في تقرير المصير، لكن الأهمية المباشرة لنظرية روزا لكسمبورغ كانت تتمثل في عدم إمكانية تكوين رأس المال في نظام مغلق ، وأن الاشتراكية لا تستطيع أن تنشأ بدون حرية ، والحرية هي حرية المختلف حصرا ، ولذلك كانت تستنكر الإرهاب البلشفي ، وأسست مع كارل ليبكنخت جماعة سبارتاكوس التي تطورت الى الحزب الشيوعي الألماني ، ولكن روزا اغتيلت مع ليبكنخت في مطلع عام 1919 على يد جماعة يمينية عسكرية متطرفة وقضي على ثورتها في المهد ، لكن ليف دافيدوفتش برونشتاين المعروف باسم ليون تروتسكي ( 1879 – 1940 ) وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي ، ومهندس الثورة الروسية ، وسوفيتيات سان بطرسبرغ ، ومنظم انتفاضة تشرين ، ومؤسس الجيش الأحمر ، والكومسيار الشعبي لقيادة الحزب الشيوعي ، ووزير الحربية والخارجية الذي اغتاله رامون ميركادير في المكسيك في عام 1940بسبب صراع على السلطة مع ستالين ، والذي كان يرتبط بالثورة الى حد أنها أصبحت تجري في شرايينه كما قالت زوجته سوكولو فسكايا ، كان يرى أن الحل الاشتراكي هو الحل النهائي والحتمي للمشكلة الثورية في البلاد المتخلفة ، وأنه ليس من المفروض ولا حتى من المتوقع أن تمر الثورة في البلاد المتخلفة بمرحلة الثورة البرجوازية ، لأن الثورة البرجوازية غير ممكنة في البلاد المتخلفة ، ولأن الدول الاستعمارية كانت تعمل على ربط رأس المال في البلاد المتخلفة بحركة الاحتكارات العالمية ، ولأن نشأة رأس المال في
البلاد المتخلفة كانت نشأة متخلفة ولذلك لم يكن يتمتع بالاستقلال الكلي ، وبالتالي لم تكن له قدرة رأس المال في الدول المتقدمة ، وذلك بالإضافة الى الأصل الإقطاعي أو الأصل البيروقراطي لرأس المال في البلاد المتخلفة ، والى أن الطبقة العاملة الواعية في البلاد المتخلفة لم تنشأ نتيجة رأس المال المحلي في الدول المتخلفة ولكنها نشأت نتيجة رأس المال الأجنبي المستثمر في البلاد المتخلفة ، ولذلك كانت الطبقة العمالية اكبر عددا وقدرة من الرأسماليين المحليين والطبقة الوسطى المحلية ، ولذلك أيضا كانت هي القادرة على تحقيق الثورة وتحقيق حرية الأرض والفلاحين من الطبقة الإقطاعية والرأسمالية ، ومن هنا خرج تروتسكي بنظرية الثورة الدائمة حتى تفرض الحل الاشتراكي ، ومن هنا أيضا بدأت جذور الخلاف بين تروتسكي وكل من لينين وستالين ، لأن ستالين كان يرى أن بناء الاشتراكية لا يمكن أن يتحقق الا في ظل سياسة العزلة والاكتفاء الذاتي ، بينما كان تروتسكي يرى أنه لا يمكن تحقيق الثورة والبناء الاشتراكي الا بتحقيق الثورة العالمية ، ولكن ساطع ألحصري ( 1880 – 1968 ) المعلم الأول للقومية العربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر والذي كان لفكره الاجتماعي مكانة كبيرة في تاريخ الفكر السياسي سواء في القضايا القومية أو في ما أثاره من مسائل تتعلق بالقضايا القومية ، وخاصة دور اللغة في تكوين الأمة ودور التاريخ في تكوين وعي وشعور الأمة ، وقد كان ساطع ألحصري يرفض نظرية الدين في تكوين الأمة ويقول ان اختلاف الأديان والمذاهب لا يجب أن يفقد الأمة كيانها ، وكذلك نظرية العرق الواحد ويعتبرها نظرية سخيفة ولا أساس لها من الصحة ، وهو ما يجب ان يتنبه إليه جيدا من يدعون ان القومية عصبية عرقية أو عنصرية ، وكان يعارض نظرية الأرض المشتركة في تكوين الأمة ، ولذلك كانت فلسفة ساطع ألحصري في الفكر السياسي فلسفة إنسانية تقوم على فكرة المحتوى الإنساني للقومية في المنطلقات والأهداف على فكرة الرسالة الحضارية للقومية في الماضي والمستقبل ، وهنا لا بد من الإشارة الى مبدأ المساواة والتكافؤ الذي رفعه الماريشال جوزيف بروز تيتو ( 1892 1980 ) وهو المبدأ الذي كان السبب في اختلافه مع ستالين وفي اتجاهه نحو حركات التحرر الوطني في أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والتعايش السلمي والحياد الايجابي ، وتبني فكرة الإدارة الذاتية والتسيير الذاتي والعمل على تكييف الدولة داخل التجربة الاشتراكية ، كما يجب الإشارة الى النظرية الفابية والفيلسوف الساخر برنارد شو ( 1856 1950 ) والفابية حركة اجتماعية بدأت في بريطانيا في عام 1884 وكان هدفها إعادة بناء المجتمع على أساس المبادئ الأخلاقية ، وقد سميت بالفابية نسبة الى القائد الروماني فابيوس ماكسيموس الذي أرسل لمجابهة القائد الكنعاني القرطاجني هانيبال ، وكان فابيوس يتجنب مواجهة هانيبال مباشرة ، ولكنه كان يقوم بتخطف قواته من جوانبها جزء بعد جزء حتى تنهار ، ولذلك اختارت الجمعية اسم الفابية لأنها كانت تتجنب مجابهة الأحزاب القوية وجها لوجه ، ولأنها كانت تسعى الى نشر الاشتراكية بالوسائل السلمية عن طريق التطور وليس عن طريق الثورة ، وكلمة فابيوس باللغة الانجليزية تعني البطيء أو المؤجل ، والى جانب اعتماد تكتيك فابيوس كانت هذه الجماعة تمتاز بافتقارها الى التنظيم والوحدة الفكرية وقد أوضح ذلك برنارد شو عندما قال ( كانت أمزجتنا مختلفة تماما ، وكنا أصحاب نزعة فردية ، ولم يكن الواحد منا من القوة بحيث يفرض إرادته على الآخرين ، ولم يكن من الضعف بحيث يترك الآخرين يتجاهلونه ) ولذلك كان هذا الاتجاه أكثر الاتجاهات الاشتراكية مرونة ولكنها مرونة تحولت الى ليونة ، ومن أقوال برنارد شو في موضوع المساواة ( ان المشكلة ليست في أتاحت الفرصة للجميع ، ولا هي مساواة رقمية في الداخل بين الأفراد على أساس الموهبة ولكنها مشكلة الحد الأعلى للأجور والدخل الجائر في مجتمع يبني الاشتراكية ) ومن أقواله الساخرة في ذلك ( لا يسع اى شخص مثلا ان يقر الأوضاع التي تتيح لمستر جولويس ان يكسب في خمس عشرة جولة مدة كل منها ثلاثة دقائق أكثر مما يكسبه اينشتاين في خمسة عشر عاما ، وان يصدق ان ما بذله جو من جهد يفوق ما بذله اينشتاين بمائة وثمانين ألف مرة لمجرد انه بطل العالم في الملاكمة ، ويستحيل على أي شخص تحديد دخل الاثنين بحسب مزايا كل منهما ) وفي مقدمة مسرحية ميجور يعالج برنارد شو مشكلة الفقر ويقول ، وألان لننظر في عبارة فليبق فقيرا ، وماذا تعني ، ان معناها ان يبقى الرجل ضعيفا ، وان يبقى جاهلا ، وان يبقى نواة للأمراض وبؤرة للأوبئة ، معناها ان يبقى معرضا دائما لا تغلق أبوابه للقذارة والدمامة ، معناها ان يبقى أطفاله مرضى بالكساح من سوء التغذية ، معناها ان يبقى لا يستحق لكي يصبح اقل استحقاقا ، وان يبقى المستحق ليكدس لنفسه لا كنوزا في الجنة بل فظائع وأهوالا في جهنم على ظهر الأرض ، فإذا كان الأمر كذلك ، فهل من الحكمة والعقل حقا ان يبقى إنسان واحد فقير ) وكذلك يجب الإشارة الى نظرية السوبرمان النازية التي تجاوزت النظرية الى حد تأسيس دين جديد للجنس الآري يكون فيه هتلر ( 1889 – 1945 ) هو الكاهن الأكبر وفي نفس الوقت يكون هو السيد بعد الله وفي درجة تساوي درجة المسيح ، وقد كانت هذه النظرية تدعو الى إعلاء السوبرمان في النسق الشعبوي العنصري الذي يرتكز على الدم الآري ، وهي نظرية تعبر عن حلم نخبوي لا شعبوي وتستمد مبادئها من فلسفة نيتشه وعلم اليوجينيا العنصري وهو علم التحكم في السلالة البشرية لضبط معدلات الولادة وتحسين صفات البشر عن طريق ولادة الصالحين بيولوجيا بتشجيع الزواج المبكر بين الأجيال التي تتوفر فيهم الصفات البشرية العليا ، وخاصة العرق الآري لأنه العرق البشري الوحيد السامي ، بهدف تحسين الخصائص الطبيعية الموروثة للأجيال في المستقبل جسديا وذهنيا ، وحرمان غير الصالحين من الخروج الى الحياة ، ولذلك كان هذا العلم علم عنصري بكل المقاييس عرفه العالم لأول مرة على يد عالم بريطاني متعصب للجنس البيض يدعى فرانسيس جالتون في عام 1869، وقد بلغ التعصب في هذا العالم الى حد القول ان كلاب أفريقيا سوف تكف عن النباح أذا تنفست هواء أوروبا ، ولكن هذه النظرية لم تكن لتلقى هذا الترحيب لو لم تجد الأرضية الخصبة لنموها وخاصة بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية وفرض معاهدة فرساي عليها كشروط واجبة التنفيذ ، وذلك بالإضافة الى موقف النازية من الديمقراطية لأن النازية ترى أن الديمقراطية وهي السلطة القائمة على رضي الشعب لا تكون صالحة لوجود السوبرمان ، وموطن الحضارة الأول لأن موطن الحضارة الأول في النازية هو حوض نهر البلطيق وليس حوض البحر المتوسط ، والمجال الحيوي الذي يعتبر الدولة كائن حي ، ولم تكن الأرضية الخصبة لنمو الدكتاتورية بعد الحرب العالمية الأولى وفي فترة ما بين الحربين العالميتين تتوفر في ألمانيا وحدها ولكنها كانت تتوفر أيضا في ايطاليا حيث نمت الدكتاتورية الفاشية وفي البرتغال حيث نمت دكتاتورية سالازار وفي اسبانيا حيث نمت الدكتاتورية الفلانجية وفي تركيا حيث نمت الدكتاتورية الكمالية وفي اليابان حيث نمت الدكتاتورية العسكرية ، وقد كانت هذه الدكتاتوريات في الأساس نظريات مستخرجة من الممارسة والتطبيق العملي الزماني والمكاني ، وكان فكر ماوتسي تونغ السياسي الاشتراكي أيضا ( 1893 – 1976 ) يقوم على النظريات المستخرجة من الممارسة والتطبيق العملي الزماني والمكاني ، ولكن ذلك لا يمنع من القول من ان ماوتسي تونغ قدم للفكر السياسي الاشتراكي دراسات نظرية وخاصة في الممارسة العملية وفي التناقض وفي معالجة التناقضات في صفوف الشعب ، وذلك بالإضافة الى دعوته الى الدراسة والتعلم والتعليم وإعمال الفكر ، ولكن بشرط التخلص من الاعتداد بالنفس لأن الاعتداد بالنفس عدو التعلم والتعليم وإعمال الفكر ، والتعلم بلا ملل بالنسبة الى نفس الإنسان والتعليم بلا كلل بالنسبة للآخرين وقد قال في ذلك ( تواجهنا في سبيل تحويل الصين من الزراعية المتأخرة الى الصين الصناعية المتقدمة تحديات كبيرة ، وما زالت خبرتنا بعيدة عن المستوى المطلوب ، لهذا علينا ان نجيد التعلم ، والمعرفة هي مسألة علم لا يجوز معها أي شيء من الكذب والكبرياء ولكن المطلوب هو العكس بكل تأكيد ، وهو الصدق والتواضع ) وكان ماوتسي تونغ يؤكد على العلاقة الجدلية بين الواقع والحقيقة لأن الواقع حقيقة لأنه يعني كل الأشياء الموجودة موضوعيا ، والحقيقة هي القوانين التي تتحكم في هذه الأشياء الموجودة موضوعيا ، كما كان ماوتسي تونغ يحدد أساليب التفكير وأساليب العمل ويعتبر ان الوجود الاجتماعي للإنسان هو الذي يحدد تفكير الإنسان ، وأن الإنسان الذي لم يتسلح بوجهات نظر سياسية صحيحة يصبح وكأنه جسد بلا روح أو كالجسد الذي يقطع رأسه عن جسده يسير ولكنه يسقط بعد عدة خطوات ، وكان ماوتسي تونغ يرى أن الهدف من الديمقراطية هو تقوية النظام ورفع القدرة الكفاحية في الدولة ، كما كان رأيه أنه لا يمكن القضاء على الحرب الا بواسطة الحرب ، ولكن هارولد لاسكي ( 1893 – 1950 ) العالم والسياسي والاقتصادي وعضو اللجنة التنفيذية للجمعية الفابية وعضو حزب العمال البريطاني الذي كتب في قضايا الدولة والسيادة والاشتراكية الديمقراطية والرأسمالية والنقابات والحكومة البرلمانية والثورة والمدنية والحرية ، كان يقول انه يجب على الدولة ان تمثل فكرة الدولة ، وفكرة الدولة المتوازنة ، وحياد الدولة ، وحدود القواعد المسموح بها والتي تمنع استغلال الإنسان أو تجاوزه أو التجاوز عليه ، بحسن إدارتها وتمثيلها للمصلحة العامة وسعيها لتحقيق مصالح المجتمع دون تمييز لجهة أو طرف ، وأن الديمقراطية هي الثمن الذي اضطرت الطبقة الوسطى الى دفعه لضمان مساعدة الجماهير لها في كفاحها ضد الطبقة الارستقراطية من اجل السلطة ، وأن أسباب تنازل الطبقة الرأسمالية عن بعض حقوقها للشعب يرجع الى توسع وازدهار هذه الطبقة ، ولكنها عندما تتعرض الى أي أزمة تبادر الى سحب هذه الحقوق ، وقد كان لاسكي من أوائل المفكرين الذين تنبهوا الى أهمية الإدارة المحلية واللامركزية والديمقراطية الصناعية وإدارة العمال للمصانع ، ولذلك كان يقول ان السياسة تعني أي الأشخاص يفوز وبماذا يفوز ومتى وكيف ولماذا يفوز ، ولكن الديمقراطية عند جواهر لال نهرو ( 1889 – 1964 ) تتجاوز معناها بكونها حكم الشعب وسيادة الشعب وحرية الانتخاب والرأي الى كونها مبدأ وسلوك والتزام أخلاقي ، وقد قال في ذلك ( الديمقراطية ليست سياسية فحسب وليست اقتصادية فحسب ، إنها شيء عقلي ككل شيء في النهاية ، إنها تقتضي بالضرورة فرصا متكافئة لكل الناس سياسيا واقتصاديا ، إنها تعني حرية الفرد في ان ينمو وفي ان يعمل كل قدراته وإمكانياته ، إنها تعني عدم الضيق بآراء الآخرين وأن كانت معارضة لرأيك ، إنها تعني البحث عن الحقيقة ) ولذلك كان نهرو يرفض الاندماج الكلي للكيان الفردي في الكيان الاجتماعي لأن السعادة هي سعادة الأفراد والبؤس هو بؤس الأفراد ، ولأن المساواة النظرية أمام القانون أو أمام صناديق الاقتراع لا تؤدي الى مساواة حقيقية ، وان عدم المساواة الاقتصادية واختلال توزيع الثروات الذي تؤدي إليه الرأسمالية تؤدي كلها الى استحالة المساواة ، ولذلك دعا نهرو الى فرض قيود على الملكية الخاصة وسيطرة الملكية العامة على وسائل الإنتاج الأساسية ، ولذلك كان جواهر لال نهرو يرى ان الديمقراطية البرلمانية المتفقة مع طبيعة الشعب هي وحدها القادرة على بناء المجتمع الديمقراطي الاشتراكي ، وقد عبر عن ذلك في خطابه ثناء زيارته للاتحاد السوفياتي حين قال ( إننا نؤمن بالديمقراطية والمساواة والقضاء على الامتيازات الخاصة ، ولقد وضعنا لأنفسنا هدفا ان نبني نموذجا لمجتمع اشتراكي بالوسائل السلمية ) لكن فرانز فانون ( 1925 – 1961 ) الطبيب النفساني والفيلسوف الاجتماعي والمحارب ضد النازية في جيش فرنسا الحرة والمناضل في صفوف جبهة التحرير الجزائرية وسفير الحكومة الجزائرية المؤقتة في غانا كان يرى أن التجربة الهندية كانت حالة خاصة وليس قاعدة وأن غاندي كان حالة خاصة وليس قاعدة وهو حالة وحيدة غير مسبوقة ولا تتكرر ، وهي حالة مقابل ألاف الحالات التي كانت تسلك سلوك الثورة
، لأن الثورة تعني التغيير والتغيير لا يمكن ان يكون ثمرة تفاهم ودي بين وجهتي نظر ، ولا يمكن ان يكون معركة عقلية بين وجهتي نظر ، ولا يمكن ان يكون مجرد خطابا في المساواة بين البشر ، لأن الاستعمار هو الذي يخلق العنف والدكتاتور هو الذي يخلق العنف وكل عنف ضد الاستعمار أو ضد الدكتاتور هو رد فعل على عنف الاستعمار والدكتاتور ، لكن المثقفين البلاطيين المزيفين الذين يتسامحون ويتساهلون في حقوق أمتهم ودماء شعبهم ، والمثقفين الذين كل بضاعتهم الكلام ويظنون ان الكون يمكن ان يتغير بالكلام ، وان الثورة حرية وقرار ومسألة تكنولوجيا وشروط تحضيرية وواقعية وأسلحة وقوة اقتصادية ، كان رد فانون إذا كان الشعب حرا ويمتلك قراره فلماذا يكون بحاجة الى الثورة والتغيير ، ولو كانت المسألة مسألة سلاح وتكنولوجيا ، وكانت الشعوب تفكر بهذه الطريقة ، لما قامت ثورة في التاريخ ، لكن المسألة بالنسبة الى هؤلاء هي المصلحة الشخصية والفئوية ، والطائرات والدبابات التي تحتل مكانا كبيرا في رؤوس هؤلاء المثقفين والحزبيين البرجوازيين والسياسيين الذين ليس لهم دور تضامني ايجابي لمصلحة الثورة ولكن هدفهم الوحيد هو السلطة ، لكن المسألة بالنسبة الى جمال عبد الناصر ( 1918 – 1970 ) كانت تختلف لأن المسألة عند عبد الناصر كانت مسألة جماعية العلاقة والمنفعة لا فردية العلاقة والمنفعة ومسألة السلطة تخدم وتطور لا أن تستغل وتحتكر، وقد تجسد ذلك في فكر عبد الناصر في المجال النظري والعملي ، وهو الفكر الذي يدين له الفكر السياسي المعاصر ، الإنساني عامة والعربي خاصة ، وقد سجل عبد الناصر أهداف الثورة السياسية والاجتماعية في فلسفة الثورة ، وسجل اختيار التطور الاشتراكي والديمقراطية في الميثاق الوطني ، وفي فلسفة الثورة قال جمال عبد الناصر أن جذور الثورة ضاربة في أعماق التاريخ ، وأن كفاح أي شعب هو عبارة عن حلقة في سلسلة متصلة يتوارثها جيل بعد جيل ، وهو كالبناء يرتفع حجرا فوق حجر ، وكما ان كل حجر في البناء يتخذ من الحجر الذي تحته قاعدة يرتكز عليها ، كذلك الأحداث في قصص كفاح الشعوب ، كل حدث منها هو نتيجة حدث سبقه ، وهو في نفس الوقت مقدمة لحدث ما زال في ضمير الغيب ) كما أكد جمال عبد الناصر على تلازم الثورة السياسية والثورة الاجتماعية وفي ذلك يقول في فلسفة الثورة ( وأنا الآن استطيع ان أقول أننا نعيش في ثورتين وليس في ثورة واحدة ، ولكل شعب من شعوب الأرض ثورتان ، ثورة سياسية يسترد بها حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه ، أو من جيش معقد أقام في أرضه دون رضاه ، وثورة اجتماعية تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد ، لقد سبقتنا على طريق التقدم البشري شعوب مرت بالثورتين ، ولكنها لم تعشها معا ، أما نحن فإن التجربة الهائلة التي امتحن بها شعبنا هي ان يعيش الثورتين معا في وقت واحد ) كما كان عبد الناصر يؤمن ببناء المجتمع الواحد المتماسك ولذلك يقول في فلسفة الثورة ( سوف يتبلور هذا المجتمع ، سوف يتماسك ، وسوف يكون وحدة قوية متجانسة ، إنما ينبغي أن نشد أعصابنا ونتحمل فترة الانتقال ) ، وفي ميثاق العمل القومي كرس جمال عبد الناصر خيار الثورة في التطور الاشتراكي عن طريق الديمقراطية واستنادا الى تحالف العمال والفلاحين والمثقفين والرأسمالية الوطنية ( قوى الشعب العاملة ) ، وقال في تعريفه للديمقراطية والاشتراكية ( الديمقراطية هي الحرية السياسية ، والاشتراكية هي الحرية الاجتماعية ، ولا يمكن الفصل بين الاثنين ، إنهما جناحا الحرية الحقيقية ، وبدونهما أو بدون أي منهما لا تستطيع الحرية ان تحلق في أفاق الغد المرتقب ) وقد حدد عبد الناصر ضمانات تحقيق الديمقراطية على أساس إقامة مجتمع الكفاية والعدل ، وتحرير الإنسان من الاستغلال والخوف من المستقبل ، والحل الاشتراكي هو المخرج الوحيد لبناء مجتمع الكفاية والعدل ، وتحرير الإنسان من الاستغلال ، وتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والحرية السياسية والاجتماعية ، وتحقيق الاشتراكية يعني بناء قطاع عام يقود التقدم في جميع المجالات ، وقطاع خاص وطني يشارك في التنمية ولكن من غير استغلال ، وعلى ان يكون رقابة الشعب شاملة للقطاعين ومسيطرة علي القطاعين العام والخاص ، وكان عبد الناصر يرى انه أثناء الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية لا بد من المرور بالمرحلة الانتقالية ، ولذلك حذر من البيروقراطية في مرحلة الانتقال هذه في خطابه في مجلس الأمة في عام 1964 حيث قال ( البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية ستعمل بكل الوسائل على أن تحصل على اكبر قدر من السلطة حتى تستطيع ان تقوم بدور حاسم في الإنتاج وفي العلاقات الاجتماعية وتحتكر هذا الدور ، وبفضل هذا الاحتكار تأخذ دور الرأسمالية ) وفي مجال السياسة الدولية كان عبد الناصر أحد ابرز القادة المؤسسين لحركة عدم الانحياز ، وقد أعلن في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر أقطاب الدول غير المنحازة في بلغراد في عام 1961 مبررات وأهداف سياسة عدم الانحياز حيث قال ( ان علينا ان نكون قوة الضمير في عالمنا الذي نعيش فيه ، وإذا كانت البشرية ألان كلها تحيي قوة العلم الذي استطاع أن يحلق في الفضاء العالمي ، ويتجاوز نطاق الجاذبية الأرضية ويرتاد الأفق الجديد ، فإننا هنا مطالبون بأن نجعل قوة الضمير تحقق ما تحققه قوة العلم في عصرنا ، إننا هنا مطالبون ان نجعل قوة الضمير تنطلق من أغلال الأنانية وتتجاوز نطاق جذبها ، وترداد أفقا جديدا تحتاجه البشرية أكثر مما تحتاج أفاق الفضاء العالمي ، وأعني به أفق السلام القائم على العدل ) وذلك بالإضافة الى دور عبد الناصر في تأسيس الالتحاد الاشتراكي العربي وبناء مصر ، وفي مكافحة الاستعمار ومساعدة حركات التحرر الوطني في فلسطين والجزائر والجنوب العربي واليمن وأسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية ، وتحقيق الوحدة مع سوريا ، وحروبه ضد الصهيونية والامبريالية والاستعمار ، كان ينتصر وكان ينهزم ولكنه لم يستسلم ، لأنه كان يؤمن باستمرار الثورة ، ويؤمن بأن الدولة أداة الثورة ، يؤمن بأن الدولة قد تنهزم ، ويؤمن بأن الثورة لا تنهوم ،
ولكن هذا الرأي كان يتناقض الى حد ما مع رأي الفيلسوف والمفكر الألماني الأميركي هربرت ماركوز ( 1898 – 1979 ) في الثورة ، لأن ماركوز الذي كان ينظر لليسار الراديكالي ، وحركات اليسار الجديد ، وينتقد المجتمعات الرأسمالية والشيوعية كان يسأل ،
كيف لا تتحقق الثورة في الدول الصناعية المتقدمة ؟
وكيف يمكن أن تكون شبه مستحيلة في الدول الصناعية المتقدمة رغم ان الطبقات البروليتارية في الدول الصناعية المتقدمة طبقات قوية ويرجع تاريخ تشكيلها الى أكثر من مائة عام ، والبروليتاريا طاقة الثورة ؟
ويجيب على سؤاله بان السبب في ذلك يرجع الى سيطرت التكنولوجيا في المحتمات الصناعية المتقدمة وهي طاقة عقلية تجاوزت السيطرة اللاعقلانية التي كانت تمارسها المجتمعات القديمة بإشكالها المختلفة ، ودون ان يكون هناك أي مجال للإنسان في العمل على كبح هذه السيطرة أو تعديلها ، لأن المجتمعات الصناعية المتقدمة كانت مجتمعات قادرة ظاهريا بواسطة التقدم التكنولوجي على تحقيق التطور الاجتماعي تلقائيا بما تتمتع به من قدرة على تنمية الإنتاج وتحقيق الرفاهية لسكانها ، ولذلك كان ماركوز يعتبر هذه المجتمعات مجتمعات أحادية البعد ، والإنسان في هذه المجتمعات إنسان ذو بعد واحد ، لأن هذه المجتمعات استطاعت ان تخلق احتياجات وهمية اصطناعية كاذبة ومفروضة فرضا على الإنسان من خلال أجهزة الإعلام والإعلانات ، ولأن الإنسان في هذه المجتمعات توجه من خلال الإعلام والدعاية والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري نحو الفكر الاستهلاكي ، ويسأل ماركوز
إذا كانت هذه الحاجات وهمية واصطناعية وكاذبة فلماذا فرضتها هذه المجتمعات الصناعية المتقدمة الأحادية البعد على الإنسان ذو البعد الواحد ؟
ويجيب ماركوز لأنها شرط استمرار ونمو إنتاجية هذه المجتمعات من جهة ، وخير وسيلة لخلق الإنسان ذو البعد الواحد الذي يقبل بالمجتمع ذوي البعد الواحد والمتكيف معه ، ولأن الإنسان ذو البعد الواحد هو الإنسان الذي يستغني عن الحرية بوهم الحرية ، وقي ذلك يقول ماركوز ( إذا كان هذا الإنسان يتوهم بأنه حر لمجرد انه يستطيع ان يختار بين تشكيله كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها له المجتمع لتلبية حاجاته ، فما أشبهه من هذه الزاوية بالعبد الذي يتوهم بأنه حر لمجرد انه منحت له حرية اختيار سادته ) ومن هنا كان ماركوز يدعو الى ضرورة التغييرات السياسية في المجتمعات التكنولوجية الرأسمالية والشيوعية ، ومن هنا كان ماركوز ينفصل عن الماركسية ويعلن ان الطبقة البروليتارية لم تعد هي الطبقة القادرة على قيادة الثورة الاجتماعية ، وان الديالكتيكة قد فقدت قوتها الايجابية والعملية رغم التسليم بصحتها النظرية ، وعلى نهج ماركوز سار كاسترو ( 1926 - ) ولكن ليس على الإطلاق لأن كاسترو كان يؤمن بعقيدة ثورية جدلية لا بعقيدة تحمل صفات الجمود ، وقال انه يجب على هذه العقيدة ان تكون دليل العمل الثوري لا ان تكون عقيدة جامدة ، وقال ان سجن الماركسية داخل ديانة واحدة هو عمل يتناقض في حد ذاته مع الايدولوجيا الماركسية ، ولكن كاسترو ورغم ذلك لم ينكر الماركسية ولكنه كان يعتقد ان اختلاف الأوضاع يفسح المجال أمام تفسيرات مختلفة للنظرية الماركسية ، ولذلك يمكن ان يطلق على أصحاب التفسير الصحيح اسم الثوريين ، ولذلك كان كاسترو يقف في منتصف الطريق بين الماركسية المبنية على الحوافز المادية التي يتم اختيار الكادرات والقادة على أساسها في التجربة السوفياتية والماوية المبنية على الحوافز المعنوية التي يتم اختيار الكادرات والقادة على أساسها في التجربة الصينية ، وكذلك غيفارا (1931– 1967 ) لأنه سار على نفس النهج ولكن ليس على الإطلاق لأن غيفارا كان يتبنى موقف ماركس في الاشتراكية والماركسية وفي قضايا الحزب والثورة ، والحزب والطبقة ، والكفاح المسلح والشرعية ، وعلاقة الماركسية بالمجتمع الاشتراكي ، ودور الثورة المسلحة في صناعة الحزب ، ولكن غيفارا كان يرى ان حزب الثورة هو حزب الفلاحين ، وأن الطبقة البروليتارية في المدينة ليست سوى رديف لحزب الفلاحين في القرية ، وان القرية هي مركز الانطلاق في الثورة ، وهي وحدها القادرة على صناعة الثورة ، لأن الثائر هو قبل كل شيء ثائر فلاحي ، ولذلك كان غيفارا يعتبر ان الريف هو ميدان الثورة ، ولكن هذا لا يعني ان غيفارا كان لا يعترف بدور المدينة في الثورة ، ولذلك كان يقول ( لقد ابخس النضال في منطقة المدينة قدره كثيرا ، الا انه في غاية الأهمية ، ان عملا جيدا واسع النطاق يشل الحياة التجارية والصناعية في هذا القطاع شللا شبه تام ، ويضع السكان كافة في وضع من عدم الاطمئنان واليأس والقلق ، بحيث يتمنون حوادث عنيفة للخروج من هذا الانتظار ، فإذا ما جرى التفكير في المستقبل منذ ابتداء الحرب وتم تكوين أخصائيين لهذا النوع من القتال ، فسوف يتم ضمان عمل أكثر سرعة ، وبالتالي اقتصاد ثمين للأمة في الأرواح والزمن ) وفي شرعية الكفاح المسلح كان غيفارا يقول أن الذي يحسم الأمور هو الانتفاضة لا الأحزاب ، وقد كان ريجي دوبريه ( 1938 - ) يذهب مذهب غيفارا وكاسترو في اعتبار لحزب وليد الثورة وان العلاقة بين الحزب والثورة علاقة جدلية وليست ميتافيزيقية ، وهي علاقة ناجمة عن ظروف تاريخية بين مهمة الثورة وشكل الحزب ، وقد حاول دوبريه ان يفصل بين النظرية والتطبيق في كتابه الثورة في الثورة ولكن دون ان يرفض عمل السياسة لحساب العمل العسكري أو تزاوجهما معا في تنظيم مشترك وهو الجيش الشعبي، ولكن على قاعدة ان النضال الثوري لا يمكن ان يكون نضال ميكانيكي لصيغة ثابتة مجردة أو مستنسخة من صيغة نضال ثوري أخر ، لكن الفيلسوف وعالم المنطق والرياضيات وداعية السلام والتآخي بين الشعوب برتراند رسل ( 1872 – 1970 ) المعروف بمواقفه ضد الحرب والاستعمار والعنصرية ، والحرب العالمية الأولى ، وتهديدات الحرب العالمية الثانية ، وسياسة أميركا في فيتنام ، وتجربة أميركا الهيدروجينية في جزيرة بيكيني في عام 1954، واحتلال الكيان الصهيوني للأراضي العربية في حرب حزيران ، ودخل السجن مرتين بسبب مواقفه هذه ، الأولى في عام 1918 بسبب معارضته للحرب العالمية الأولى ، والثانية في عام 1961 بسبب معارضته لإنتاج القنابل الذرية ، وقد كان رسا بالإضافة الى ذلك يدعوا الى تحرير التجارة الدولية ، وحق النساء في التصويت ، وإدانة العدوان الصهيوني على البلدان العربية في حزيران 1967 ، وانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين ، وقد تدرج تفكير رسل في تحقيق السلام من تشكيل حملة نزع السلاح النووي في العالم في عام 1958 الى تأسيس منظمة رسل للسلام في عام 1963 الى وضع أسلحة الدمار وكل أسلحة الفناء الجماعي في يد سلطة واحدة ، بحيث تصبح هذه السلطة سلطة قوية بدرجة لا تنافس ، وسلطة قادرة على الحفاظ على استمرار الحياة في عالم تسوده التكنولوجيا والصناعة العسكرية الهائلة ، وسلطة تخضع لها كل جيوش العالم ، وسلطة تتحول الى حكومة عالمية يكون لها سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وجيش لا ينافس ، ولكن هذه السلطة لن تكون حكومة عالمية الا بعد ان تكون حكومات الدولة الأخرى حكومات محلية في دول مستقلة استقلالا ذاتيا في كل شيء الا في شؤون الحرب والسلام ، كما انه لا يمكن لهذا الجيش ان يكون جيشا قويا لا ينافس الا بعد ان يكون له حق احتكار السلاح النووي والأسلحة القوية المدمرة ، وان تكون جيوش الدول المستقلة ذاتيا مجرد قوات بوليسية ، وفي موضوع مشكلة التصويت بين الدول الكبرى والدول الصغرى يقول رسل انه يمكن حل هذه المشكلة بتشكيل اتحادات فيدرالية ثانوية بين الدول الصغرى ، وذلك بالإضافة الى تشكيل برلمان دولي يشرف على عقد الاتفاقيات الدولية ، ومحكمة دولية تطبق قانون دولي ، وتعليم يمنع نشر الأفكار التي تشكل خطرا على السلام العالمي ، وسلطة تنفيذية تكون مسؤولة أمام سلطة تشريعية وتشرف على القوات المسلحة ، وأخيرا يقول برتراند رسل ( وأخيرا اعتقد أننا لو أردنا لمثل هذه الحكومة النجاح في محو المشاعر والدوافع التي تؤدي الى الحرب ، فعلينا ان ندفعها للعمل على المساواة الاقتصادية في مستويات المعيشة في الأجزاء المختلفة من الدنيا ، لأنه طالما ان هناك دولا غنية ودولا فقيرة ، سنجد مدا في جانب وقدرة على الضغط الاقتصادي في جانبا أخر ، وعليه يجب ان يكون هناك عمل مطرد للوصول الى المساواة الاقتصادية كجزء من العمل على بسط السلام الدائم .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.