العمراني : الوفد الحكومي اليمني بمشاورات الكويت سيغادر غدا السبت    غدا..وزير الخارجية الأمريكي يجتمع بالرئيس الفلسطيني في باريس    تركيا.. الإبقاء على قادة القوات الجوية والبحرية والبرية في مناصبهم    "الفجر" تنشر حركة تنقلات قيادات مديرية أمن الغربية    بالفيديو.. «الاستشعار عن بعد»: لدينا إنجازات غير معلنة في مشروع وكالة الفضاء المصرية    محافظ مطروح يعلن عن تدشين المؤتمر الاقتصادي الدولي الثاني    ساندرز: ترامب أسوأ مرشح جمهوري في التاريخ الحديث للولايات المتحدة    بتروجت يضم مهاجم سموحة بعد موافقة «فييرا»    وزير المالية: وصول أول دفعة من قرض صندوق النقد خلال 3 شهور    مصرع طفل تحت عجلات سيارة نقل في كفر الشيخ    مدير أمن أسوان الجديد: تكليفات من الوزير بزيادة الإجراءات التأمينية بالمحافظة    "الموازنة" بالبرلمان: القمح الموجود بالصوامع أقل من المقيد بالمحاضر    مرتضى منصور يعلن تشكيل الجهاز الفني الجديد للزمالك    فيديو.. «حطب» يُفسر أسباب ضياع حلم الأولمبياد السابقة وأزمة «جابر» وتكريم «عبدالرحمن»    «الخارجية الإيرانية»: تغيير اسم «جبهة النصرة» لعب بالكلمات لإخراجها من لائحة الإرهاب    "فيس" و"تويتر": حبس "جنينة" يفضح فساد "السيسي"    أخبار سوريا.. اليونيسيف تدين هجوم القامشلى بعد مقتل أكثر من 50 شخصاً    اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا تعلق أعمالها    اجتماع هام لطاهر و يول .. غدا    برج القوس حظك اليوم الجمعة 29 يوليو    برج الثور حظك اليوم الجمعة 29/7/2016    مؤسسات قبطية دولية: ندعم السيسي.. ولا وجود ل«الفتنة الطائفية» في مصر    رغم الطعون لاستبعاده    الرقابة المالية: إجمالي التداول علي الأسهم 129 مليار جنيه في ستة أشهر    ليس صراعنا    أخطاء شائعة في تسجيل رغبات أولي تنسيق    بقالو الجيزة يتلاعبون ببطاقات التموين الذكية!!    في حملة الجيش الثالث    اطلاق مبادرة الرئيس السيسي لرعاية المتفوقين والنابغين في مجال الرياضيات    المرافق في العالم مزار.. وفي مصر لا توجد خرائط لها    مزرعة نموذجية في مالاوي بإدارة مصرية وتعاون لمواجهة الجفاف    عصام شرف رئيسا شرفيا لمهرجان أوسكار السينمائي    وداعاً "محمد خان"    «الصحة» تعلن إنتهاء قوائم الانتظار لعلاج مرضى «فيروس سي»    د. محمد مختار جمعة وزير الأوقاف يكتب    ممارسة الرياضة ساعة يوميا تقلل خطر الوفاة الناتج عن الجلوس 8 ساعات    شيخ الأزهر خلال استقباله رئيس نادى القضاة: القضاء المصرى أحد أهم الركائز التى تقوم عليها الدولة المصرية    «أمن المنوفية».. سنة أولى فى تنفيذ الإزالات    تعليم الطفل الحفاظ على «خصوصية جسده» مفتاح حمايته من التحرش    تشريعات مواجهة «الختان» لا تكفى.. والتوعية المجتمعية بداية الحل    «التعليم» تلزم المدارس الدولية والخاصة بتحصيل المصروفات بالجنيه    برانسون: تحول كل سيارات العالم إلى كهربائية خلال 15 عاما    توتى يتهم هيجواين بالسعى وراء الأموال    بالوتيللى يقترب من اللعب فى الدورى التركى    أمريكا تشن حربا على هوندا    دياب: تحمست ل«اشتباك» وأفتخر بأن معز مسعود المنتج    فيلم «إنسانية المواطن» يواجه الأفلام التجارية    درويش فى مهرجان الأوبرا الصيفى بالإسكندرية ودمنهور    الرئيس: مصر ستظل واحة أمان لجميع الأديان السماوية    الطلاق جائز كآخر علاج فى الخلافات الزوجية    المستشار العلمى لمفتى الجمهورية: الصلاة على الرسول جائزة فى أى وقت    «المجمع» يختار أوسط الآراء الفقهية بعد دراسة وتمحيص ولا يفرضها على الناس    تصدير 40 ألف طن فوسفات من ميناء سفاجا إلى الهند    انهيار الدولار فى السوق السوداء    انتبهى.. ارتداء الكعب العالى يصيبك بالزهايمر    «مصر الخير» توقع بروتوكول تعاون مع الصحة لربط بنوك الدم    بيان عاجل ل«الوزراء» و «الصحة» بسبب عقار علاج السرطان منتهى الصلاحية    هل يجوز للمرأة أن تصلي بلباس ملون؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الجاسوسية والجواسيس (4) عبدالرحيم (عابد) قرمان
نشر في أكتوبر يوم 31 - 07 - 2011

فى 3 مارس 1974، تم إبلاغ ضابط الموساد الإسرائيلى، باروخ زكى مزراحى، نزيل الزنزانة رقم ستة فى سجن مصر، أنه سيتم إطلاق سراحه فى اليوم التالى وأن عليه الاستعداد وحزم حقيبته، وفى صباح اليوم التالى تم إخراجه من الزنزانة وإدخاله فى سيارة كانت تنتظره نوافذها مغطاةبالستائر، وبصحبتها سيارة أخرى تحمل لوحات دبلوماسية تشير إلى هيئة الصليب الأحمر الدولية، وفى ظل حراسة مشددة انطلقت السياراتان فى اتجاه الإسماعيلية حيث عبرتا قناة السويس إلى سيناء.
وفى الطريق الأسفلتى الملتوى، بين الكثبان الرملية كانت لا تزال المركبات والمدرعات الإسرائيلية المتفحمة من بقايا حرب أكتوبر التى اندلعت منذ أشهر قليلة ملقاة على جانبى الطريق عند منطقة بالوظة التى تربط بين العريش والقنطرة وبورسعيد، وبرعاية ممثلى الصليب الأحمر قام رجال المخابرات المصرية بتسليم باروخ مزراحى إلى ممثلى إسرائيل وهم ضباط من وحدة الاتصال التابعة للمخابرات العسكرية ومندوبين عن الموساد، وفى المقابل أعاد الإسرائيليون إلى مصر 65 فلسطينيا من سكان قطاع غزة والضفة الغربية الذين ألقى القبض عليهم بعد قيامهم بأعمال فدائية وتجسسية، لكن البيان الذى أذيع يوم 4 مارس 1974 لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى إعادة إسرائيل لاثنين من مواطنيها العرب وهما عبد الرحيم (عابد) قرمان وتوفيق بطاح اللذان بإعادتهما إلى مصر أغلق ملف عملية (شحيتوت) التى تولاها الشاباك.
وكان باروخ مزراحى قد ولد فى حى الأزهر بالقاهرة فى أواخر العشرينيات، وفى عام 1948 أنهى دراسته الجامعية بحصوله على بكالوريوس التجارة، ثم عمل بالتدريس فى إحدى المدارس الثانوية بالقاهرة، وخلال فترة عمله تعرف على مدرسة يهودية شابة تدعى فورتوناه مديناه، وبعد فترة تزوجا وفى عام 1957، وبعد انتهاء العدوان الثلاثى هاجر إلى إسرائيل، حيث وقع الطلاق بينهما هناك، وبمرور الوقت أقام كل منهما عائلة جديدة خاصة به، فقد تزوج باروخ مزراحى من شابة أخرى كانت أيضا مهاجرة من مصر وتدعى مارجريت ليفى، وأنجبت له ولدين، أما الولد الثالث فقد أنجبته أثناء سجنه فى مصر.
بعد هجرته إلى إسرائيل عمل فى جهاز الشرطة بمنطقة رمات جان فى وحدات الشرطة السرية، وفى أعقاب حرب يونيو 1967 تمت دعوته للشقة الآمنة التابعة للأمن الداخلى (شاباك) فى شارع اللنبى بتل أبيب، حيث عرض عليه الانضمام للشاباك، ورحب مزراحى بذلك وبدأ سلسلة من التدريبات فى نهايتها بدأ عمله الفعلى فى الشعبة العربية لمكافحة الجاسوسية.
وجاء انضمام مزراحى للشاباك فى إطار حملة التجنيد الكبرى التى قادها الجهاز لملء الفراغ الكبير وقبول المهمة الضخمة التى كلفته بها حكومة ليفى إشكول بعد حرب 67 وهى تحمل المسئولية الأمنية فى المناطق المحتلة.
وبعد فترة قصيرة من العمل فى الشاباك تلقى مزراحىعرضا للعمل فى الموساد فوافق على الفور وتلقى سلسلة من التدريبات بغرض تجهيزه للعمل فى اليمن، وبالفعل بدأ العمل تحت غطاء أنه تاجر مغربى اسمه أحمد الصباغ.
أما لماذا اليمن بالذات؟ ذلك لأن اليمن بشماله وجنوبه فى ذلك الوقت يشكل أهمية كبرى بالنسبة لإسرائيل نظرا لموقعه الجيو استراتيجى فهو يطل على الممرات المائية من المحيط الهندى ومن الخليج العربى إلى البحر الأحمر بامتداد شواطئ القرن الأفريقى مع مضيق باب المندب وخليج العقبة، ولذلك كان اليمن أيضا محط أنظار السوفيت فأخذت السفن السوفيتية تزور مينائى الحديدة وعدن، وكانت إسرائيل مهتمة جدا بما تفعله هذه السفن وأى نوع من البضائع يتم تفريغه فى المينائين.
كما أن المخابرات الإسرائيلية كانت مهتمة بمعرفة نشاطات المنظمات الفلسطينية التى اتخذت من اليمن قاعدة لها، وعلى الأخص منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة الدكتور جورج حبش، فقد أقامت هذه المنظمات معسكرات تدريب لها سواء فى اليمن الشمالى أو الجنوبى، وبدأت تستقدم متطوعين شبانًا من أوروبا ومن بينهم كارلوس الفنزويلى وأعضاء من جماعة بادر ماينهوف الألمانية، وفى عام 1971 تمت مهاجمة حاملة البترول (كورال سى) التى كانت تنقل البترول من إيران إلى إسرائيل بالقرب من شواطئ اليمن، ولكل هذه الأسباب أصبحت اليمن هدفا وقام الموساد بزرع العملاء فيه.
وعلى امتداد ثلاث سنوات عمل مزراحى بحرص شديد فى اليمن وأمد الموساد بالمعلومات المطلوبة، لكن فى 18 مايو 1972 تم إلقاء القبض عليه فى ميناء الحديدة عند عودته من لقاء مع مشغليه من الموساد، فقد اتضح أن رجال المخابرات المصرية كانوا يتابعونه من خلال مراقبتهم اللصيقة للمحطات الإسرائيلية فى أوروبا، فى حين تقول الرواية الإسرائيلية إن القبض عليه جاء بالصدفة، ففى الطائرة التى أقلته إلى اليمن كان باروخ مزراحى يجلس بجوار راكب آخر يمنى، ودار بين الاثنين حديث مصادفة ثم واصلا الحديث بعد هبوط الطائرة فى المطار أيضا، ولحظ العميل الإسرائيلى السىء، كان محدثه أحد معارضى نظام الحكم ومطلوبا للحكومة اليمنية، ولذلك قرر رجال الأمن اليمنيين متابعة مزراحى أيضا وبعد تعقبه بعدة أيام تم إلقاء القبض عليه هو الآخر.
وفى أثناء التحقيقات التى أجريت معه اعترف مزراحى بتفاصيل عمله فى قسم مكافحة التجسس العربى فى الشاباك، لكن المحققين اهتموا بمعرفة تفاصيل مهمته التجسسية فى اليمن، فاعترف مزراحى بتكليفه بإقامة علاقات مع قناصل الدول العربية وأن يحصل عن طريقهم على جوازات سفر عربية، وقال مزراحى إنه كان يسافر كثيرا إلى منطقة القرن الأفريقى وأنه زار أثيوبيا وهناك حصل من أحد القناصل على جواز سفر دولة عربية فى مقابل صندوق ويسكى!! وأنه أرسل جواز السفر إلى قيادة الموساد، وكشف مزراحى أسماء رؤسائه ومن بينهم أورى نئمان المعروف باسم (رامى) ودافيد شومرون، وكان نئمان فى أواخر الثمانينات رئيسا لقسم الأبحاث فى الموساد، فى حين كان شومرون ضمن المجموعة التى ترأسها إسحق شامير والتى تم تجنيدها فى الموساد عام 1955.
المهم أن اليمنيين قرروا تسليم الجاسوس الإسرائيلى إلى مصر لمحاكمته على اعتبار أنه من مواليد القاهرة، وبالفعل سافر ضابط المخابرات المصرى رفعت جبريل- الذى تولى فيما بعد رئاسة المخابرات العامة- إلى هناك وتسلمه منهم، وقامت إسرائيل بإرسال وحدات كاملة وراء هذا الضابط المصرى، لكن رفعت جبريل وفى بطولة نادرة عبر به الصحراء والوديان إلى أن وصل البحر الأحمر وهناك تم التقاطه بواسطة غواصة مصرية.
صاحب الأملاك/U/
أما عبد الرحيم (عابد) قرمان فقد ولد عام 1933 لإحدى العائلات الكبيرة والمحترمة فى منطقة حيفا، وكان عمه طاهر قرمان نائبا لرئيس بلدية حيفا، وفى العشرينيات استقر المقام بالعائلة فى قرية (إبطن) وكان لها أعمالها الضخمة فى القرية والمدينة، لكن غناها بالأساس جاء من الأراضى الشاسعة التى تمتلكها فى محيط مدينة الكرمل وفى الجليل الغربى، وهذا الغنى وهذه الأراضى دفعا العائلة إلى التشبث بالأرض وعدم تركها مع اندلاع حرب فلسطين 1948، وقيام دولة إسرائيل.
نشأ عبد الرحيم قرمان فى ظل دولة تفرض الحكم العسكرى على الأقلية العربية، وكانت سنوات الخمسينيات هى التى شكلت شخصيته وأثرت على مجمل حياته فيما بعد، تعلم فى المدرسة الثانوية فى حيفا وانخرط فى أعمال مختلفة، لكنه سرعان ما توصل إلى نتيجة مؤداها أن حياته فى قرية إبطن وحياة عائلته الروتينية لا تفى بمخططاته وطموحاته، فترك القرية فى أواخر الخمسينيات وسافر إلى أوروبا وهناك تعرف على فتاة فرنسية تدعى (مونيك) وتزوج بها بعد أن أشهرت إسلامها ودعاها إلى إسرائيل، وفى عام 1967 سافر الاثنان إلى فرنسا لكى يتبنيا طفلا وكان يخططان لتبنى طفل فلسطينى من أحد مخيمات اللاجئين بالدول العربية، ولذلك لجأ عبدالرحيم قرمان فى مايو 1968 إلى السفارة المصرية فى باريس وهناك أحاله المسئول بالسفارة إلى ضباط المخابرات العامة الذين أبدوا اهتمامهم بتجنيده، لكنهم لم يسارعوا بذلك قبل أن يتأكدوا من عدم صلته بأجهزة المخابرات الإسرائيلية، وبعد أن تأكدوا قرروا اختباره، فجاء رئيس محطة المخابرات المصرية المقيم فى لندن وقدم له نفسه على أنه ممثل لشركة تجارية تعمل فى تسويق المعدات الزراعية، ولأنه على علم تام بأن قرمان ينتمى لعائلة تمتلك الكثير من الأراضى وتعمل بالزراعة، فقد عرض عليه العمل لدى شركته، فوافق قرمان على الفور، وطلب منه الضابط المصرى ما يسمى فى عالم المخابرات ب (مهمة اختبارية)، فقد طلب منه أن يعد (للشركة التجارية) تقريرا عن أنواع الجرارات الزراعية التى تستوردها إسرائيل، فعاد قرمان إلى إسرائيل وأعد التقرير ثم رجع إلى فرنسا لمقابلة أخرى مع (ممثل الشركة).
ويقول يعقوب كروز الذى عمل رئيسا لقسم مكافحة التجسس العربى عام 1952، ثم تدرج بعد ذلك إلى أن وصل إلى منصب نائب رئيس الموساد، فى كتاب له عن المخابرات العربية أن ضابط المخابرات المصرى اقتنع بأن من الممكن الوثوق بعبد الرحيم قرمان، فأرسله للتدريب والتجهيز فى بروكسل، حيث استمر تدريبه وإعداده ستة أشهر من يونيو وحتى ديسمبر 1968، وذلك فى شقة آمنة تابعة للمخابرات المصرية فى العاصمة البلجيكية.
تدرب قرمان هناك على التصوير واستخدام الحبر السرى والكتابة المشفرة، واستخدام أجهزة الإرسال والاستقبال.. إلخ.. وبخلاف العملاء الآخرين لم يتم إرسال قرمان للتدريب فى مصر، واكتفى ضباط المخابرات المصرية بتجهيزه على الأراضى الأوروبية.
وقبل إدخاله إلى إسرائيل تم تزويده بجهاز استقبال يمكنه من التقاط التعليمات المشفرة فى مواعيد متفق عليها مسبقا، كما تم تزويده بكتابين أحدهما بالإنجليزية والآخر بالفرنسية لفك الشفرات، وكان يكتب ردوده بالحبر السرى ويرسلها إلى عناوين غطاء تابعة للمخابرات المصرية فى بريطانيا وبلجيكا وكندا، وفى وقت الطوارئ وبصفة خاصة عندما تقوم إسرائيل باستدعاء الاحتياطى، كان عليه أن يرسل صيغة متفقًا عليها إلى أحد هذه العناوين.
وبالإضافة إلى ذلك تم تكليف قرمان بمهام استخباراتية أخرى داخل إسرائيل، فقط طلب منه تصوير سفن سلاح البحرية الإسرائيلية الراسية فى ميناء حيفا، فقد كانت مصر فى ذلك الوقت تسعى لمعرفة معلومات عن الصاروخ بحر- بحر الإسرائيلى من طراز (جبريئيل) والذى تم تسليح السفن به وكان من الأسرار العسكرية المهمة للجيش الإسرائيلى، فاستأجر قرمان شقة فى منطقة (هدارهاكرميل) وقام بالتقاط الكثير من الصور للسفن فى الميناء بواسطة إحدى الكاميرات المتطورة.
وفى مهام أخرى تم تكليف قرمان بدراسة ملاءمة طريق حيفا- عكا لإقلاع وهبوط الطائرات الحربية وقت الطوارئ، ومعرفة السبب وراء قيام شركة الملاحة الإسرائيلية (تسيم) بإغلاق خطوط المسافرين ومحاولة مصادقة اليهود الذين يكثرون من السفر إلى الخارج وعلى الأخص من يعملون فى سلاح الطيران، وطلب منه إعداد تقرير عن مواعيد سفرهم والبلاد التى يذهبون إليها.
وثمة مهمة أخرى تم تكليف قرمان بالقيام بها وهى الحصول على جواز سفر ليهودى إسرائيلى فى الثلاثين من العمر وتسليمه للضباط الذين يقومون بتشغيله، ونجح قرمان أيضا فى هذه المهمة وحصل عن طريق موظف فى إحدى وكالات السفر فى حيفا على جواز باسم تسفى هيرتسوج وتم تكليفه أيضا بتجنيد عربى إسرائيلى آخر فى الشبكة، وبذكاء شديد وفى ربيع 1969، نجح فى تجنيد توفيق بطاح- 30 سنة- وهو موظف فى مصلحة الجمارك فى حيفا، وكان بطاح صاحب ميول أدبية وقام بتأليف كتابين لكنه وجد صعوبة فى النشر، فوعده قرمان بالمساعدة فى بيع كتابين لدار نشر فى دولة عربية، وأرسل الكتابين إلى السفارة المصرية فى باريس، وقام رجال المخابرات بإبداء اهتمامهم بالكتابين وقاموا بدعوة المؤلف إلى لندن لمقابلة المسئول، وذلك بفندق (رويال جاردن).
وفى 13 يناير 1970 استقل كل من قرمان وبطاح سيارة تاكسى من حيفا إلى مطار بن جوريون، وذلك للحاق بالطائرة المتجهة إلى لندن، وفى المطار كان فى انتظارهما رجال من وحدة العمليات التابعة للشاباك وطاقم من المحققين ألقوا القبض عليهما.
أما تفاصيل عملية التبادل التى حدثت فى مارس 1974 فلم يعلم بها قرمان إلا بعد ما ترك زنزانته ووجد نفسه فى مصر، وبمرور الوقت عمل فى مصر فى مجال البيزنس، وبعد توقيع معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية ولكونه حاملا للجنسية الفرنسية، سافر مع زوجته مونيكا واستقر به المقام فى أبو ظبى لمدة عشر سنوات، ثم عاد إلى فرنسا، ورفضت السلطات الإسرائيلية طلبه للعودة مرتين، لكنها فى الثالثة، وفى مارس 1995 وافقت على السماح له بالعودة فى حين رفضت منح زميله توفيق بطاح هذا الحق وسمحت له بالزيارة فقط.
ولا يزال عبد الرحيم قرمان يحتفظ بجنسيته الإسرائيلية رغم أن حكومة إسرائيل انتهزت فرصة غيابه وعن طريق المسئول عن أملاك الغائبين قامت بمصادرة 40 دونمًا من أرضه بجوار طريق كيريات أتا- شفا عمرو، كما صادرت قطعة أرض أخرى كان يمتلكها لمصلحة عامة، حيث أنشئ عليها جزء من طريق جديد، وكانت السلطات الإسرائيلية قد صادرت من قبل أراضى عائلة قرمان، وأقامت عليها أحد الكيبوتسات، ورغم ذلك كله فإن عبدالرحيم (عابد) قرمان لا يشعر بذرة ندم على ما قام به.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.