«خبير أمنى»: نقل أهالى سيناء من منازلهم هو قرار سياسى ثقيل    كيري: أمريكا تعمل مع الأمم المتحدة لمحاسبة كوريا الشمالية على إطلاقها صاروخا    موسكو تضع شروطا لعودة العلاقات مع تركيا    "هآرتس": عملية القدس "بروفة"    لاعبو "الأبيض" يعترفون بالتقصير ويتعهدون بالفوز على "الأحمر"    رسميا: ليسترسيتي يجدد لفاردي حتي 2019    "لاريبوبليكا": دوافع سياسية وراء مقتل "ريجيني"    ننشر نتيجة إعدادية السويس الترم الأول 2016 برقم الجلوس    اليوم.. استئناف محاكمة متهمي «الرصد والردع» الإخوانية    وزارة النقل: إعادة فتح موانئ بورتوفيق والادبية و الزيتيات واستمرار غلق السخنة    "دهس" القانون تحت أقدام أمناء الشرطة والأطباء    البنك الدولي: تكلفة إعادة إعمار ليبيا ستبلغ 200 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة    ارتفاع الأرباح المجمعة للمصارف المدرجة أسهمها في بورصة بيروت    بالصور.. انطلاق مبادرة جمالنا بحجابنا لمكلة "جمال العرب للمحجبات"    المركز الليبي لمكافحة الأمراض: "إنفلونزا الخنازير" لا تشكل خطراً    قتلى من المدنيين بقصف حوثي على تعز "بالكاتيوشا"    اليوم.. وادي دجلة يقدم "مالودا" في مؤتمر صحفي    حرس أردوغان يتسبب بفضيحة في الإكوادور    المخرج محمد عبد العزيز عن مهرجان الأقصر: "لفتت نظري الأفلام الروائية القصير"    بالصور- ''قسط مريح'' أول أفلام هاني رمزي مع ''ستارز بيكتشر''    بالفيديو.. «القابضة لمياه الشرب»: أسعار المياه ارتفعت منذ يناير الماضي وتكلفة المعالجة عالية جدًا    وزير الصحة يكشف عن مكان انتشار بعوضة "زيكا" في مصر    فيديو.. وزير الصحة: 8 آلاف طبيب يتخرجون سنويا غير مؤهلين للعمل    رئيس قطاع الآثار يدخل فى مشادة كلامية مع الإبراشي بسبب سرقة أحجار الهرم    "سلاح التلميذ" و"أسد سيناء" يسجلون 150 ألف جنيه    «الداخلية» تنشر فيديو حول القبض على سارقي أحجار الأهرامات    الانتخابات الأمريكية: الجمهوريون يجرون مناظرة تلفزيونية في نيو همبشاير    خبراء علم النفس: الطلاق المبكر قد يدفع المطلقة للإدمان!    150 إعلاميًا في قمة الأهلي والزمالك    صحف بريطانية : وفاة والدة الرئيس السوري بشار الاسد عن عمر ناهز 86 عاما !    مطار القاهرة يستقبل الصيادين الناجين من كارثة «زينة البحرين» بصحبة جثمان أحد الضحايا    مصرع ربة منزل تحت عجلات قطار الفيوم    4 أسباب تمنع مد فترة انعقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب    بالصور.. دوللي شاهين تشعل حفل شرم الشيخ ب «هوت شورت»    تساقط للأمطار على مدن "الغربية"    الصحف المصرية: القرارات مؤلمة لكنها فى مصلحة الناس.. أسباب رفض "الخدمة المدنية" فى طريقها للرئيس.. دعم مصر يقترح نقل جلسة خطاب الرئيس إلى خارج النواب.. لجنة من 4 وزارات لتقييم نتائج لجنة تطوير المناهج    بيان ناري من "التراس أهلاوي" يهاجم مجلس الإدارة    اليوم.. بدء اجتماعات الجمعية العمومية للاتحاد العربى للرياضة العسكرية    لجنة إعداد لائحة البرلمان تنتهي من إعداد مسودة القانون.. إنشاء معهد للتدريب.. توسيع صلاحيات رئيس المجلس.. رفع الحصانة من خلال الجهة القضائية المختصة.. وممثل النور يرفض تشكيل الائتلافات بنسبة20٪    وزير اﻻستثمار:نستهدف السيطرة على معدﻻت التضخم للوصول للمنطقة المريحة بين 6-8%    كريم مأمون يتأهل لنهائي بطولة فيوتشر للتنس بشرم الشيخ    «الصحة»: القضاء على فيروس «سي» بحلول 2020    الزراعة: توفير 300 مليون جنيه لدعم مشروع البتلو    بحضور نظيره الكونغولى :    أشاد بها الأزهر الشريف..أوباما يدعو الأمريكيين إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب    مرتضى منصور: اجتماع مع الداخلية اليوم لتحديد ملعب القمة    رئيس وزراء الكونغو لطلاب جامعة القاهرة:إفريقيا قارة الشباب ودولها فى منافسة مع باقى دول العالم    رقد برجاء القيامة بأسيوط    .. والمواطن يدفع الثمن    اتفاقية لبنك عوده - مصر مع مؤسسة التمويل الدولية فى المشروعات الصغيرة والمتوسطة..صادق:«نموذج تمويلي» لتقديم الخدمات والاستشارات المصرفية لعملاء SMِEs    أستاذ أنف وأذن: 10 آلاف طفل يحتاجون زراعة قوقعة سنويًا بمصر    العليا برئاسة عدلي منصور:    السيسي يوافق علي رعاية احتفالية    بالفيديو .. على جمعة: "اللى واخد باله من الدنيا بلاش علشان ربنا يسترك يوم القيامة"    الإرهاب.. بين الدين والرياضة "1"    قالوا لنا ونحن صغار؟؟    تعرف على حكم الشرع في عملية تقويم الأسنان ؟    بالفيديو.. على جمعة: الثقة بالله أحد أركان قبول التوبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رواية " نحيب الرافدين" للربيعي : حياة مُختلَسة في مملكة الخوف
نشر في نقطة ضوء يوم 15 - 04 - 2011

دجلة ومجردة : قبل نصف شهر من هروب الرئيس التونسي المخلوع بدأت قراءة رواية نحيب الرافدين للأديب عبد الرحمن مجيد الربيعي.
خلال تلك الايام المرعبة والمجيدة كنت قد توقفت تماما عن كتابة روايتي الجديدة فقد كانت بلاغة الحراك الثوري أفصح من كل الكلمات العالقة في حنجرتي ...صار الحائط واللافتات دفاتر وكتاب قراءة نتهجى من خلالها درس الحرية والكرامة، فلم أعد قادرا على متابعة شريط سينمائي.
لم أعد راغبا في قراءة كتاب فدوي الرصاص وأناشيد الحناجر الغاضبة كانت أعلى من كل صوت وصورة. وإذا بي أكتشف من خلال الصفحات الأولى للرواية تقاطعا موجعا بين وقائع سيرة الربيعي خلال ثمانينيات القرن الماضي في العراق وما كابدناه في تونس طيلة اكثر من ربع قرن، فصارت الرواية - روايتنا - وغدت شاهدا على حقبة أتملى عبر وقائعها ما بدأت تلتهمه نيران قادح ثورة تونس الشهيد محمد البوعزيزي. وحين بلغت الصفحة 692 من الرواية أدركت أن حذري واسترابتي من كل نقد لنظام صدام ما قبل الاحتلال قد وهنَ وتلاشى فحلّت محله سكينة المفجوعين وسلوى الواقفين أمام خَطبٍ لا رادّ له. كنت ولا أزال أعتقد أن أي نقد لنظام صدام يجب ان يؤجل الى ما بعد التحرير وانتصار المقاومة .. ولولا أنني أعرف مواقف الربيعي الوطنية ورفعة أخلاقه لما قرأت الرواية في تلك اللحظة الزمنية الفارقة. والربيعي كان مدركا لهذا المقتل ولأوجه المزالق التي تحف باعترفات يتلقفها أعداء المقاومة لتبرير عمالتهم وتسوّق للمحتل ذرائع لتأبيد احتلالهم. لذا كتب الربيعي في مدخل الرواية تحت عنوان شيء من الإيضاح قائلا: تتحدث روايتي هذه عن العراق في ظل الحرب العراقية الإيرانية وقد بدأت كتابتها ببغداد بعد عودتي من بيروت عام 1986 وفرغت من كتابتها بتونس عام 2006 وأعلنت عن قرب صدورها تحت اسم ( كلام الليل) لكن الظروف لم تسمح لي بنشرها ووجدت أن نشرها في سنوات الحصار الدامية غير مجد ولا أخلاقي رغم وجودي خارج العراق وكان النظام القائم آنذاك يعدني من بين معارضيه ونشر اسمي في قائمة أعدائه الذين وصفهم بالمرتدين بإحدى صحفه لذا أرجأت النشر كي لا توظف روايتي في سياق لا أريده لها..فربما سيراها البعض دعوة لمواصلة الحصار وهذا ما يناقض موقفي الوطني والأخلاقي المعلن في مقالاتي التي كنت أنشرها في تونس ولندن والجزائر. وبعد الحصار جاء الاحتلال بكل ما حمل من تدمير وتقتيل وتمزيق للهوية الوطنية وإحلال الطائفية بديلا فتحوّل العراقيون إلى لاجئين سواء في بلدان الجوار كسورية والأردن وبعض بلدان الخليج أو إلى لاجئين في وطنهم. وأكرر هنا أنني وكما رفضت الحصار وكتبت ضده رفضت الاحتلال أيضا ومن جاء بهم ليحكموا وقد أكدت ذلك في مقالاتي والحورات التلفزيونية والإذاعية التي أجريت معي ... لكن هذا العمل الروائي الذي كتبته بكل صدق وكل محبة للعراق ولشعبه ولمستقبله لا يمكنني أن أبقيه مخبأ بين أدراجي. وما دمت قد كتبته فلا بد من نشره فهو وثيقة عن مرحلة لم أزيف فيها ولم أصفّ أي حساب مع أحد فهذا ليس من صفاتي أبدا. وكان رأي أصدقائي المقربين الذين أثق بهم هو أن ينشر هذا العمل وبهذا التقديم - الإيضاح القصير - ( ص 17)
لقد كان هذا الإيضاح ضروريا لمن لا يعرف الربيعي ومواقفه النبيلة كما كان دافعا لي لأكتب عن الرواية ولأقف مشدوها حيال قيمة انسانية نادرة، فالربيعي ظل سنوات متكتما على سره مثل أمّ تحبل وتتوجع وتلد ثم تخبئ مولودها تغلق عليه الأبواب وتطمس صوته فلا تفرح بميلاده ولا تتلقى التباريك منتظرة ساعة صفر مجهولة لتخرج به أمام العالم مشرعة صدرها للرجم وللأحضان. وحين تستمع إلى الربيعي عبر الهاتف يسأل ويعيد السؤال متتبعا نسق القراءة ووقْع الرواية على قارئها .. تشعر وكأنك حيال طفل أو أديب يحبو في برية الكتابة وقد علت دقات قلبه منتظرا على أحر من الجمر نتيجة الامتحان. كأني به ينشر أول قصيد أو رواية له، وتلك شيم الكتّاب الكبار اليانعين في شجرة التواضع.
الحرب الغامضة :
منذ الصفحات الأولى للرواية السيرة يعلن الربيعي رفضه لهذه الحرب الغامضة العبثية التي تلتهم أبناءها جيل لا يعيش عمره ولا ينطلق في تحقيق رغباته يسيسونه رغما عنه يعبئونه بالشعارات ويبعثون به إلى الحرب وعندما يتطلع الى عيون هؤلاء الشباب يرى فيهم شيئا منطفئا كأنهم ليسوا بشرا ينبضون بزهو الحياة وفيضها ،هم مجرد هياكل منقادة إلى المجهول. حرب تفرّخ الصفقات ولصوص الحرب وتجّارها. حرب حيث أصبح الأخ يقتل أخاه والمرأة تنحر زوجها والحزبي يطأ الحزبي في عمليات مزايدة على كل شيء على الوطن على التاريخ على الناس .. ويتساءل الربيعي عبر قرينة غسان العامري : أي شعر من الممكن أن يكتب بعد؟ أية قصيدة تستوعب هذا الموت؟ وقد خُرّبت الثقافة وتصدرتها وجوه النكرات والمداحين. بلاد غدا فيها البطش إلهاً ولا ملاذ إلا الحلم: أنت تريد الموت وأنا أريد الهجرة فأيّ وطن هذا؟ هل هذا العراق حُلمنا الجميل السرمدي؟ إنه يحلم بأن يذهبا معا إلى أي مدينة لم تحرقها الحروب وتطفئ الضوء في عيون محبيها. لكنه سرعان ما يكتشف أن الأحلام أصبحت عصية: أي جرح تحمل وأيّ ألم تعاني بعد أن غيبوا أحلامنا فلم يعد لنا إلا حلم واحد حلم الفرار الارتماء في المجهول أن نكون أرمنيي هذه الأمّة المدمّرة التي أخذها الشتات العربي نحو المنافي والمنائي البعيدة، ذلك أن الأحلام لا تغتال فقط بل يجري التمثيل بها فلا تتبقى إلا الحسرات والحنين إلى ما نأى وصار صدى فينطلق صوت الربيعي وقد أدمته الحشرجات: كيف نعود لتلك الأيام حيث كنا خليين لا حروب ولا هموم أسرية؟ أتذكر كيف كنا نضع يدا بيد أوذراع كل واحد على كتف الآخر ونزرع خطانا في الشارع المحاذي للفرات؟ وكنتَ تطلق صوتك بآخر أغنيات عبد الحليم حافظ التي تنبض بالحب الأبيض... يحلم الربيعي وقد صار الخوف صنما، هذا الخوف الذي كان يسكننا هنا في تونس حيث ولينا وجوهنا وفي كل مكان تكون فيه مختلفا غاضبا ثائرا، ورغم أن الخوف كان كائنا أليفا يسكن ذاكرتي فإنني وقفت شاخصا مفجوعا طيلة قراءتي لرواية الربيعي حيث ينتشر الخوف كالوباء على امتداد صفحاتها النهرية العارمة بل تكاد لا تخلو صفحة واحدة من معاني الخوف بكل أوجهه: عندما يحس المواطن بالخوف والذل، وهم على انسحاقهم وخوفهم، هو الخوف القاتل الذي شلّ البلد كله، فإلى أين؟، أرى الخوف على وجهك، هناك ركض جري انهيار خوف ثم خوف و الخوف هو الخوف. بلى للخوف إخوة منتشرون على وجه الأرض فحين يتحدث الربيعي عن تحكّم أفراد العائلة الحاكمة في عراق تلك الأزمنة أجدني وجها لوجه أمام المثال التونسي حين كانت عائلة بن علي وأصهاره والغة في دم الشعب، وإذ يصف الهيمنة على المشهد الإعلامي والثقافي يأتيني وجه الوزير الغير مأسوف عليه عبد الوهاب عبد الله... وزير البروباقوندة الذي كان يقعي على كل بذرة حرة حالمة تهفو إلى الانبثاق من شقوق الصخر. ومثلما أجبروا عباس السيد في عراق نحيب الرافدين على المدح فدمروا حياته تطالعنا في تونس ما قبل الثورة أمثلة مشابهة أذكر من بينها قصة الدكتور عبد الرؤوف الخنيسي الذي لم يتاجر بفكره فشردوه وجوّعوه إلى أن باع بيته وحين روّضوه أجبروه على كتابة مقال عن أمجاد السابع من نوفمبر فكان صك توبته. أو حين يسهب الربيعي في وصف ديماغوجية التخويف بالعدو الواقف على الأبواب لتشريع القمع ووأد الأنفاس فإنني أستحضر فزاعة الإسلاميين التي كان النظام البائد يشهرها في وجوهنا ليضع الشعب أمام خيارين: إما نعيم جحيم الديكتاتورية أو جهنم السلفيين، مما أوقع معظم الشعب في الفخ وقد غابت عنهم الحقيقة السافرة وهي أن التطرف هو نتاج الجور والتفقير والنهب والتفاوت الجهوي والبطالة واليأس. تقاطعات لا تحصى بين المشهدين العراقي والتونسي جعلت قراءة هذه الرواية كالوقوف أمام مرآة. ولقد كانت نحيب الرافدين بدورها تأمّلا لا يكل في الصورة، صورة العراق صورة الحياة ( التي يعتبرها الكاتب مسرحية لذيذة وقذرة) صورة مكثفة في الصورة الحائطية لبطلها غسان العامري أو عبد الرحمن مجيد الربيعي الذي لا يني يلاحقها على امتداد صفحات الرواية يستقرئها ويستعيد من خلالها ماضيه، صورة يرغب أحيانا في أن يدير وجهها الى الحائط أو أن يرفعها حين تضيق به الحياة .
إنّ عبد الرحمن مجيد الربيعي قد أتاح لنا بأسلوبه الرقراق وكعادته أن نكون في الصورة دون ان يسيجنا بإطارها غير أنه يقول ذلك بمرارة فادحة وإن كانت متلبسة بلبوس السخرية والجرأة، كأني به أراد أن يقول: إنّ العراق مكثفا في عبد الرحمن مجيد الربيعي كان مجرّد صورة معلقة على جدار .... فأيّة حياة هي؟؟
-------
شاعر وروائي من تونس
لم تغب عن بالي لحظة ايها الكاتب الساحر فقدفتحت عيني الادبية على روايتك القمروالاسوار والوشم وعشقت حرفك المتألق بالسحروالجمال وذات يوم تسأئلت اين انت فاذا بي اسمع انك اصدرت نحيب الرافدين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.