«التحرير» تكشف سبب غياب قلاش عن اجتماع السيسي ب«الصحفيين العرب»    كريس جارفيس يقود مفاوضات صندوق النقد مع مصر.. غدا    اقتصاديون: "الشفافية" قبل قرض ال"12 مليار دولار"..واستخدام الأموال فى مشروعات إنتاجية    مصر تستعين بالتكنولوجيا اليابانية في مواجهة الفقر المائى    ميركل: نحن أمام امتحان صعب    "انتصارات" الأسد في حلب.. نقطة تحول في الحرب السورية؟    مايكل مورجان :"هيلارى كلينتون صورة طبق الأصل من باراك أوباما فهم لا يجيدون التعامل مع المشاكل على أرض الواقع"    هجوم على قافلة مساعدات إنسانية للأمم المتحدة في نيجيريا    مبعوث الأمم المتحدة: "ليبيا في حاجة إلى جيش موحد"    فشل مفاوضات الزمالك مع "كارتيرون"    الاتحاد الدولي للتايكواندو يوافق على مشاركة رياضيين روس في أولمبياد 2016    بوجبا في مانشستر يونايتد    الجبلاية: هاني أبوريدة انسحب من الانتخابات الماضية باتجاه من الدولة    طالب ثانوي ببني سويف ينتحر بسبب "نتيجة الامتحانات"    مصرع 11 وإصابة 68 في "كوارث" مرورية.. و "السرعة الجنونية السبب"    محافظ سوهاج يحيل واقعة انهيار منزل بالمراغة للنيابة العامة    طقس السبت معتدل شمالا شديد الحرارة جنوبا والعظمى بالقاهرة 35    اللحوم الحمراء تضر بالكلى.. والبديل هو؟    محامي جنينة يكشف أسباب مخاصمة القاضي«هيثم الصغير» بحبس موكله سنة    أوقاف قنا ل«ONA»: تعليمات بعدم الإدلاء بتصريحات حول «الخطبة المكتوبة»‎    الأهلي يتسلم البطاقة الدولية ل"معلول"    اعتزال شفاينشتايغر.. نهاية مؤسفة للاعب عظيم    استمرار أعمال مكاتب التنسيق الإلكتروني بجامعة بنها    عايدة نصيف: لقاء «السيسى» ب«تواضروس» رسالة سلام ومحبة    فيديو.. «التموين»: لا يوجد شيء اسمه قمح مسرطن.. ونستورد أجود الأنواع    ميناء الزيتيات يسقبل 6500 طن بوتاجاز قادمة من السعودية    مصدر أمني: "سيارة كمين البوابة" حوت نصف طن متفجرات معبأة داخل أسطوانات    بالفيديو| مايا دياب تطرح كواليس "7 ترواح"    وزير الثقافة يوافق على رعاية مهرجان أسوان لأفلام المرأة    الحكومة اليابانية: تراجع معدل البطالة إلى 3.1%    بالصور| "الوطن" تنشر أسماء ضحايا حادث أتوبيس الغردقة    ضبط عاطلين وبحوزتهما كمية من مخدر الحشيش والهيروين بالقاهرة    شاهد - النني يشارك في فوز أرسنال على دروجبا وكاكا وبيرلو    أهم أخبار اليمن اليوم .. صالح يوجه أول صفعة للحوثيين    كلاكيت ثانى مرة .. "توم هانكس" يشيد بفيلم "اشتباك"    تعرف بالفيديو على آخر جوائز شيرين    شاهد.. جمهور محمد رمضان يلتف حوله في محي الدين أبوالعز    الأزهر: المضاربة في الأسواق على الدولار .. حرام شرعا    خطيب الجمعة بمسجد في مطروح: "النظافة نصف الإيمان"    عميد «الدراسات الإسلامية» يتجاهل الخطبة المكتوبة.. ويتحدث عن خطر الفتنة الطائفية    رضوان السيد يكتب : حرب الإبادة في سوريا وجدوى الشكوى    أسعار العملات أمام الريال السعودى اليوم الجمعة 29-7-201    وزير القوى العاملة يبلغ النائب العام بمخالفات «المتحدة للأغذية»    وزير الأوقاف: «الخطبة المكتوبة» تحصِّن الخطاب الديني من الاختطاف    الليلة.. "القومي للمسرح" يواصل تقديم عروضه في يومه العاشر    غدا.. الاحتفال باليوم العالمي للالتهاب الكبدي في "ميت بدر حلاوة"    4 أطعمة تحسن «عملية الهضم»    دراسة توصي بممارسة رياضة المشي للحد من خطر الموت المبكر    القوات المسلحة تنظم مؤتمرًا طبيًا حول جراحات المسالك البولية    البورصة تربح 16.39 مليار جنيه خلال تعاملات الأسبوع    ديوكوفيتش إلى ربع نهائي دورة تورونتو للتنس    مصر تؤكد في مجلس الأمن التزامها بدعم جهود بناء السلام في أفريقيا    خرج فى زحمة الصيف.. ولم يعد    مصرع وإصابة 37 شخصًا في حادث تصادم «أتوبيس» بالبحر الأحمر    تعرف على حظك اليوم داخل توقعات الأبراج.. «الحمل» تتعامل مع الخلافات بحكمة.. «الجوزاء» الحرص مع من حولك لاقتناص الفرص.. «العذراء» ستحل أزماتك سريعًا بعد أن تتعافى.. «الجدي» تتمتع بخلو ذهني وراحة بال    وكيل مجلس النواب: نتصالح مع الاخوان بهذه الشروط    المستشار العلمى لمفتى الجمهورية: الصلاة على الرسول جائزة فى أى وقت    الطلاق جائز كآخر علاج فى الخلافات الزوجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في "الجغرافية السياسية" والشرق الأوسط
نشر في نهضة مصر يوم 14 - 02 - 2010

كتبت في هذا المكان الأسبوع الماضي عن "ماذا يعني أمن الفضاء؟"، وأن محيط الأرض "الحيوي" صار أكبر من مُحيطها "الهندسي" بسبب السفن الفضائية التي بناها الإنسان وأطلقها في مدارات مُختلفة حول الأرض فضلا عن الوجود الإنساني نفسه علي متن المحطة الفضائية الدولية، وأن التعاون الدولي كان له دور كبير في هذا التمدد البشري بعيدا عن جغرافية الأرض القديمة، حتي أصبح الفضاء المكان المُفضل لوضع كل وسائل التحكم والسيطرة والتنبؤ والحركة لمعظم الأنشطة التي تجري فوق سطح الأرض. وتلقيت ردود فعل كريمة من أصدقاء علي هذه المقالة برغم خوفي من الوُلوج إلي تلك الموضوعات "الثقيلة" الأمر الذي شجعني علي اتخاذ مبادرة أخري في هذا المجال والكتابة في موضوع آخر "ثقيل" ليس بعيدا عن ميدان المقالة السابقة، بل يمثل الأساس النظري لها وهو موضوع "الجغرافية السياسية".
وتبدو أهمية "الجغرافية السياسية" في فترات التحولات العظمي السياسية، وفي لحظات إعادة التوازن بين الدول والحضارات حيث تتغلب المصلحة والمنفعة والقيادة للأصلح (وليس البقاء للأصلح) في تشكيل حركة التاريخ من حقبة زمنية إلي حقبة أخري. وقد شهد القرن العشرون مثل هذه التحولات مع انحسار الإمبراطورية البريطانية بعد حربين عالميتين لتنتقل نقطة التوازن إلي الولايات المتحدة الأمريكية علي هامش الجغرافية القديمة، لكن ثورة المواصلات والاتصالات والسعي إلي الفضاء والمكوث فيه خلق مزيجا متعادلا من الزمان والمكان يتحرك في داخله النشاط والفعل البشري، وتبرز فيه إرادة الأمم وقرارها. فلم تعد الجغرافيا علم المكان فقط، بل علم المكان والزمان في مزيج واحد. وتعبير الجغرافية السياسية يحتوي علي هذا المزيج _ المكان والزمان- ويضيف إليها بُعد القَصد والفِعل والقَرار أو "الإستراتيجية" لو أردنا الاختصار.
وعلم الجغرافية السياسية Geopolitics والجغرافية الإستراتيجية Geostrategy قديم ومن مؤسسيه سير هالفورد ماكندر (1861-1947) وله ورقة شهيرة بعنوان "المحور الجغرافي للتاريخ" ونظرية ال Heartland لكن نسخته الحديثة ظهرت مع ثورة تكنولوجيا الإلكترونيات في سبعينيات القرن الماضي، وبروز عامل الزمن في الفعل البشري علي عامل المكان، وخروج جيل جديد من المفكرين وعلي رأسهم هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة السابق ومحاولته تقديم الجغرافية السياسية في ثوب جديد كوسيلة وسط لتحليل وفهم المُقتربات الليبرالية والمحافظة، وركز في كتاباته علي ذلك وأهمها مذكراته بعنوان: سنوات البيت البيض 1979 باعتبار الجغرافية السياسية العِلْم الذي يهتم بشروط "التوازن" Equi
librium.
وكيسنجر هو الرجل الذي فتح باب الصين للولايات المتحدة، وتعامل مع الحرب الأمريكية في فيتنام، وترك بصمة عميقة علي السلام المصري _ الإسرائيلي. وهو أيضا صاحب فكرة استخدام الرياضة في السياسة عندما أرسل فريق البنج بونج الأمريكي إلي الصين، وأول من دعا إلي سياسة الخطوة-خطوة في الصراع العربي الإسرائيلي؛ والحالتان تعكسان قيمة التوازن بكل عناصره في صياغة النتيجة النهائية لأي عمل سياسي. ولاشك أن كيسنجر قد منح علم الجغرافية السياسة حياة وحيوية جديدة، وزاد من شعبيتها في المنتديات الأكاديمية، ووسع من مجالات تطبيقاتها وخاصة في رسم الاستراتيجيات العالمية، وسلط الضوء علي العلاقة بين الجغرافية السياسية من جهة والجغرافية الطبيعية والإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي "الجغرافية السياسية" من جانبها الجُغرافي (المكاني) لوجدنا أنها تُلفت الانتباه إلي أهمية بعض الخصائص الجغرافية في التاريخ السياسي. فمن المعلوم _ علي سبيل المثال- أن جغرافية مصر تُعطيها مزايا كثيرة بين القارات القديمة، وأن حفر قناة السويس قد أضاف من أهمية مصر الإستراتيجية، كما شكل تاريخ القناة فترات طويلة من تاريخ مصر الحديث. ونفس الشئ ينطبق علي دول أخري كثيرة وجدت نفسها في تقاطع قارات، أو تتمتع بمناخ رائع أو منحتها الجغرافية ثروة هائلة من الثروات الطبيعية ذات الأهمية العالية في زمن معين. ومن هنا ينظر إلي الجغرافية السياسية بوصفها نظرية للعلاقات المكانية من جهة والتعليل التاريخي من جهة أخري. وفي التاريخ كانت القوة أحيانا لعنة علي المكان، وفي أحيان أخري كان المكان لعنة علي القوة. والمقصود بذلك أن القوة بكل عناصرها البشرية والمادية تُعطي نتائج مختلفة وفقا للإطار الجغرافي التي تعمل فيه. وهناك عناصر كثيرة تُحدد القيمة الجغرافية للمكان من حيث المسافة (القرب والبعد)، والموقع والموضع، والمساحة وكلها عوامل يتم الاستفادة منها طبقا للإستراتيجية الموضوعة. وفي الحقيقة لا تحدد الجغرافيا الأهداف السياسية والاستراتيجيات بصورة حتمية للدول والحكومات، ولكنها تطرح فرصا لواضعي السياسات والاستراتيجيات.
ومن هذه الزاوية يفرض الماضي أو (التاريخ) أشياء علي واضعي السياسات والاستراتيجيات من بينها طبيعة البشر وتقاليدهم. أما الحاضر فيتعامل مع الواقع الموجود، والاحتياجات الاقتصادية، والفرص الجغرافية. ومدي الاستفادة من استغلال الفرص الجُغرافية المُتاحة يتوقف علي "الإستراتيجية" الموضوعة وكيفية تنفيذها. وتحتوي الإستراتيجية علي أهداف يتم اقتراحها وتحديد كيفية الوصول إليها بواسطة المسئولين في ضوء الخصائص الجغرافية للأماكن المختلفة. هذه العلاقة بين "المُحيط الجغرافي" و"عملية اتخاذ القرار" تتم عادة في إطار ديناميكي يربط بين الجغرافية السياسية والجغرافية من جهة ووضع الإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي الشرق الأوسط لوجدنا الجُغرافية السياسية حاضرة فيه بشكل ملموس. وفي عصر عبد الناصر تم تعريف الجُغرافية السياسية لمصر في إطار الدوائر الثلاثة العربية والإفريقية والإسلامية. ووطدت مصر علاقتها مع الاتحاد السوفييتي برغم تبنيها لسياسة عدم الانحياز، وتصادمت مع أوروبا والولايات المتحدة، وطرحت هذه السياسة فرصا لكنها لم تكن فرصا طموحة. وفي عصر السادات ومبارك انفتحت مصر علي الولايات المتحدة والغرب، وطرحت الجغرافية السياسية الجديدة فرصا كبيرة لكن الصراع العربي الإسرائيلي وضع حدودا لها وما زالت المنطقة كلها حتي الآن أسيرة لهذا الصراع.
وهناك أمثلة أخري كثيرة تعكس أهمية الجغرافية السياسية لمصر والمنطقة ومن بينها أزمة الحدود بين مصر وغزة، وما يجري الآن في اليمن وتأثيره علي الجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ونتائج الحرب في العراق وفي أفغانستان علي منطقة الخليج والثروة البترولية هناك، ثم المسارات البحرية في المتوسط والأحمر والتهديدات التي تتعرض لها بسبب القرصنة، والتواجد العسكري الأمريكي والأوروبي والصيني في المنطقة، وتأثير كل ذلك علي السياسات الإقليمية والدولية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.