«خطورة التسرب من التعليم» في حلقة نقاشية بمركز النيل للإعلام بالإسكندرية    سعر الريال السعودى اليوم الخميس 8- 12- 2016    الخارجية الإيرانية تنتقد تصريحات تريزا ماى: تهاجمنا استرضاءً للخليج    صحيفة روسية: لم يعد أمام المسلحين فى حلب أى مخرج    حصيلة ضحايا زلزال إندونيسيا تتجاوز 100 قتيل.. واستمرار البحث عن ناجين    باكستان تعلن الحداد لمصرع 47 شخصا فى تحطم طائرة    ننشر تفاصيل القرعة والمتأهلين لدور ال16 في دوري أبطال أوروبا    توقف حركة المرور بسبب حادث تصادم سيارتين بمحور صفط اللبن    ضبط 33 عاطلا بحوزتهم أسلحة نارية وأقراص مخدرة وحشيش بالقليوبية    طقس اليوم معتدل على أغلب الأنحاء دافئ على سيناء و الصعيد    وفاة طفل فى حريق منزل بسوهاج    عزل قاضى الحشيش بسجن عتاقة بعد اتهامه بعرض رشوة عل سائقه    إياد نصار يواصل "حجر جهنم" مع كندة علوش    التضخم السنوي يقفز ل19.4% في نوفمبر    في اعتراف إسرائيلي نادر.. ليبرمان: نعم نحن نضرب في سوريا    السيسي يشهد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف    الجبلاية تطبق تجربة "حكم الفيديو" لعلاج أخطاء الحكام    اليوم.. إفتتاح بطولة كأس العالم للأندية باليابان    تفاصيل مقتل «تكفيري أبو زعبل»    الكاف يقبل استئناف نادٍ كاميروني لتقديم رخصة المحترفين بعد موعدها    انطلاق فعاليات مهرجان "دبي السينمائى" بحضور عدد كبير من النجوم    مقتل شرطي وإصابة آخر في إطلاق نار بولاية جورجيا الأمريكية    الأهلي يسعي لتعزيز موقعة في صدارة الدوري علي حساب سموحة الليلة    جهاز 6 أكتوبر يفتتح اليوم معرضا للمنتجات المصرية بأسعار منخفضة    اليوم.. استئناف إعادة محاكمة 156 متهما في قضية "مذبحة كرداسة"    القبض على مدحت بركات لاعتراضه لجنة استرداد أراضي الدولة    «السيسي وأزمة قوانين الإعلام» الأبرز في صحف الخميس    شاهد.. "شيفروليه أفيو" 2017 تظهر بوجه جديد    نشرة النجوم| أصالة تعتذر.. دوللي تغني.. عبدالباسط حمودة شرب شاي بعيش ناشف 3 شهور    تراجع معدل العمر في الولايات المتحدة للمرة الاولى منذ 22 عاما    خبيرة بريطانية تنصح النساء بخفض أوزانهن قبل حدوث الحمل    سامح شكري يتلقى اتصالًا من وزير خارجية فرنسا    «الداخلية» تكشف تفاصيل القبض على «مدحت بركات»    احتفالية خاصة بالتليفزيون المصري في ذكرى المولد النبوي الشريف    عبدالباسط حمودة: «عدوية كافح كثيرًا حتى يصل»    دبلوماسي روسي: حل القضية الفلسطينية سيسهم في إعادة الاستقرار إلى الشرق الأوسط    مستشفى العريش العام ينفي وجود عجز في الأدوية والمستلزمات الطبية    خضير: مزايا متعددة وحوافز ضريبية تنتظر المستثمرين بموجب القانون الجديد    المفتى يحسم الجدل حول تاريخ مولد الرسول    توتنهام يهزم تشسكا ويخطف مكانا في الدوري الأوروبي    صحافة مصرية: الرئيس لوفد أوروبى: نبذل جهودا مكثفة لمواجهة الهجرة غير الشرعية    مهند مجدي: الإتحاد الإفريقي أشاد بتنظيم بطولة السلة    حازم الشناوي: "محدش يقدر يعمل برنامج زي الكاميرا في الملعب"    «ستانلى» بديلًا ل «معلول» فى الأهلى    «الصحفيين»: متمسكون بإلغاء عقوبة الحبس في كافة قضايا النشر    حظك اليوم برج القوس الخميس 8/12/2016.. على الصعيد المهنى والعاطفى والصحى    خلال لقاءات راشد مع مستثمرى السياحة:    سيد المرسلين .. رحمة للعالمين    منح مدة إضافية ثلاثة أشهر لاعمال المشروعات القومية    مجلس الوزراء يعدّل المادة (10) من قانون التظاهر جهاز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة .. والموافقة على «المثلث الذهبى»    الرئاسة تستضيف ممثلى 26 حزبا لمناقشة مبادرة «محو الأمية»    مولد النبى .. سيرة عطرة وحلوى للأطفال    فيديو.. داعية إسلامي يحذر الزوجات من البحث في هواتف أزواجهن    واحة الإبداع.. زمن الشعر    التعليم: 91 مليون جنيه معاشات للمعلمين    مستشفيات تأمين صحى بورسعيد تذكرة رحيل المرضى للآخرة    السيسي يشهد غدًا احتفالية «الأوقاف» بذكرى المولد النبوي    أكشن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في "الجغرافية السياسية" والشرق الأوسط
نشر في نهضة مصر يوم 14 - 02 - 2010

كتبت في هذا المكان الأسبوع الماضي عن "ماذا يعني أمن الفضاء؟"، وأن محيط الأرض "الحيوي" صار أكبر من مُحيطها "الهندسي" بسبب السفن الفضائية التي بناها الإنسان وأطلقها في مدارات مُختلفة حول الأرض فضلا عن الوجود الإنساني نفسه علي متن المحطة الفضائية الدولية، وأن التعاون الدولي كان له دور كبير في هذا التمدد البشري بعيدا عن جغرافية الأرض القديمة، حتي أصبح الفضاء المكان المُفضل لوضع كل وسائل التحكم والسيطرة والتنبؤ والحركة لمعظم الأنشطة التي تجري فوق سطح الأرض. وتلقيت ردود فعل كريمة من أصدقاء علي هذه المقالة برغم خوفي من الوُلوج إلي تلك الموضوعات "الثقيلة" الأمر الذي شجعني علي اتخاذ مبادرة أخري في هذا المجال والكتابة في موضوع آخر "ثقيل" ليس بعيدا عن ميدان المقالة السابقة، بل يمثل الأساس النظري لها وهو موضوع "الجغرافية السياسية".
وتبدو أهمية "الجغرافية السياسية" في فترات التحولات العظمي السياسية، وفي لحظات إعادة التوازن بين الدول والحضارات حيث تتغلب المصلحة والمنفعة والقيادة للأصلح (وليس البقاء للأصلح) في تشكيل حركة التاريخ من حقبة زمنية إلي حقبة أخري. وقد شهد القرن العشرون مثل هذه التحولات مع انحسار الإمبراطورية البريطانية بعد حربين عالميتين لتنتقل نقطة التوازن إلي الولايات المتحدة الأمريكية علي هامش الجغرافية القديمة، لكن ثورة المواصلات والاتصالات والسعي إلي الفضاء والمكوث فيه خلق مزيجا متعادلا من الزمان والمكان يتحرك في داخله النشاط والفعل البشري، وتبرز فيه إرادة الأمم وقرارها. فلم تعد الجغرافيا علم المكان فقط، بل علم المكان والزمان في مزيج واحد. وتعبير الجغرافية السياسية يحتوي علي هذا المزيج _ المكان والزمان- ويضيف إليها بُعد القَصد والفِعل والقَرار أو "الإستراتيجية" لو أردنا الاختصار.
وعلم الجغرافية السياسية Geopolitics والجغرافية الإستراتيجية Geostrategy قديم ومن مؤسسيه سير هالفورد ماكندر (1861-1947) وله ورقة شهيرة بعنوان "المحور الجغرافي للتاريخ" ونظرية ال Heartland لكن نسخته الحديثة ظهرت مع ثورة تكنولوجيا الإلكترونيات في سبعينيات القرن الماضي، وبروز عامل الزمن في الفعل البشري علي عامل المكان، وخروج جيل جديد من المفكرين وعلي رأسهم هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة السابق ومحاولته تقديم الجغرافية السياسية في ثوب جديد كوسيلة وسط لتحليل وفهم المُقتربات الليبرالية والمحافظة، وركز في كتاباته علي ذلك وأهمها مذكراته بعنوان: سنوات البيت البيض 1979 باعتبار الجغرافية السياسية العِلْم الذي يهتم بشروط "التوازن" Equi
librium.
وكيسنجر هو الرجل الذي فتح باب الصين للولايات المتحدة، وتعامل مع الحرب الأمريكية في فيتنام، وترك بصمة عميقة علي السلام المصري _ الإسرائيلي. وهو أيضا صاحب فكرة استخدام الرياضة في السياسة عندما أرسل فريق البنج بونج الأمريكي إلي الصين، وأول من دعا إلي سياسة الخطوة-خطوة في الصراع العربي الإسرائيلي؛ والحالتان تعكسان قيمة التوازن بكل عناصره في صياغة النتيجة النهائية لأي عمل سياسي. ولاشك أن كيسنجر قد منح علم الجغرافية السياسة حياة وحيوية جديدة، وزاد من شعبيتها في المنتديات الأكاديمية، ووسع من مجالات تطبيقاتها وخاصة في رسم الاستراتيجيات العالمية، وسلط الضوء علي العلاقة بين الجغرافية السياسية من جهة والجغرافية الطبيعية والإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي "الجغرافية السياسية" من جانبها الجُغرافي (المكاني) لوجدنا أنها تُلفت الانتباه إلي أهمية بعض الخصائص الجغرافية في التاريخ السياسي. فمن المعلوم _ علي سبيل المثال- أن جغرافية مصر تُعطيها مزايا كثيرة بين القارات القديمة، وأن حفر قناة السويس قد أضاف من أهمية مصر الإستراتيجية، كما شكل تاريخ القناة فترات طويلة من تاريخ مصر الحديث. ونفس الشئ ينطبق علي دول أخري كثيرة وجدت نفسها في تقاطع قارات، أو تتمتع بمناخ رائع أو منحتها الجغرافية ثروة هائلة من الثروات الطبيعية ذات الأهمية العالية في زمن معين. ومن هنا ينظر إلي الجغرافية السياسية بوصفها نظرية للعلاقات المكانية من جهة والتعليل التاريخي من جهة أخري. وفي التاريخ كانت القوة أحيانا لعنة علي المكان، وفي أحيان أخري كان المكان لعنة علي القوة. والمقصود بذلك أن القوة بكل عناصرها البشرية والمادية تُعطي نتائج مختلفة وفقا للإطار الجغرافي التي تعمل فيه. وهناك عناصر كثيرة تُحدد القيمة الجغرافية للمكان من حيث المسافة (القرب والبعد)، والموقع والموضع، والمساحة وكلها عوامل يتم الاستفادة منها طبقا للإستراتيجية الموضوعة. وفي الحقيقة لا تحدد الجغرافيا الأهداف السياسية والاستراتيجيات بصورة حتمية للدول والحكومات، ولكنها تطرح فرصا لواضعي السياسات والاستراتيجيات.
ومن هذه الزاوية يفرض الماضي أو (التاريخ) أشياء علي واضعي السياسات والاستراتيجيات من بينها طبيعة البشر وتقاليدهم. أما الحاضر فيتعامل مع الواقع الموجود، والاحتياجات الاقتصادية، والفرص الجغرافية. ومدي الاستفادة من استغلال الفرص الجُغرافية المُتاحة يتوقف علي "الإستراتيجية" الموضوعة وكيفية تنفيذها. وتحتوي الإستراتيجية علي أهداف يتم اقتراحها وتحديد كيفية الوصول إليها بواسطة المسئولين في ضوء الخصائص الجغرافية للأماكن المختلفة. هذه العلاقة بين "المُحيط الجغرافي" و"عملية اتخاذ القرار" تتم عادة في إطار ديناميكي يربط بين الجغرافية السياسية والجغرافية من جهة ووضع الإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي الشرق الأوسط لوجدنا الجُغرافية السياسية حاضرة فيه بشكل ملموس. وفي عصر عبد الناصر تم تعريف الجُغرافية السياسية لمصر في إطار الدوائر الثلاثة العربية والإفريقية والإسلامية. ووطدت مصر علاقتها مع الاتحاد السوفييتي برغم تبنيها لسياسة عدم الانحياز، وتصادمت مع أوروبا والولايات المتحدة، وطرحت هذه السياسة فرصا لكنها لم تكن فرصا طموحة. وفي عصر السادات ومبارك انفتحت مصر علي الولايات المتحدة والغرب، وطرحت الجغرافية السياسية الجديدة فرصا كبيرة لكن الصراع العربي الإسرائيلي وضع حدودا لها وما زالت المنطقة كلها حتي الآن أسيرة لهذا الصراع.
وهناك أمثلة أخري كثيرة تعكس أهمية الجغرافية السياسية لمصر والمنطقة ومن بينها أزمة الحدود بين مصر وغزة، وما يجري الآن في اليمن وتأثيره علي الجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ونتائج الحرب في العراق وفي أفغانستان علي منطقة الخليج والثروة البترولية هناك، ثم المسارات البحرية في المتوسط والأحمر والتهديدات التي تتعرض لها بسبب القرصنة، والتواجد العسكري الأمريكي والأوروبي والصيني في المنطقة، وتأثير كل ذلك علي السياسات الإقليمية والدولية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.