محامو الدقهلية يعلقون العمل بالمحاكم    مفتي الجمهورية يتوجه الى كازاخستان للمشاركة في مؤتمر"الأديان ضد الإرهاب"    لقاء جماهيري بالبحيرة في ختام مبادرة المرأة صانعة المستقبل    رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يصل إلى القاهرة    المناطق التكنولوجية والملكية الفكرية على مائدة مؤتمر"CIT"    المبعوث الأممى يعرب عن رفضه لانتهاكات وقف الأعمال القتالية فى اليمن    فيديو.. مدير جمعية الأرومان: ليس لدينا دور بمشروع «الأسمرات»    المرصد السوري: مقتل وإصابة العشرات في غارات جوية على مدينة إدلب    مسؤول ب"سول": فشل محاولة إطلاق صاروخ من كوريا الشمالية    مصرع 17 جنديا جراء حريق في مستودع ذخائر للجيش بوسط الهند    رئيس الصين يتطلع لإعادة العلاقات مع الفلبين إلى مسارها    شيخ عشائر الأنبار: ما يحدث في العراق حرب إبادة جماعية بين العرب والفرس    إنبي vs الاتحادالسكندري .. صراع تحسين المراكز يشتعل    اليوم.. الزمالك يواصل اختبارات الناشئين    الأرصاد: طقس اليوم حار على الوجه البحرى والعظمى بالقاهرة 36 درجة    حريق في مزرعة تابعة لجامعة سوهاج    اليوم .. الحكم في إعادة محاكمة متهم ب"أحداث ماسبيرو الثانية"    فردوس عبدالحميد: 4 أيام تصوير وينتهي "الأسطورة" كاملا    مي عز الدين: "وعد" مغامرة درامية بعيدة عن الصخب    رانيا فريد شوقي تنتهي من تصوير"المغني" ومشغولة "بسلسال الدم 4"    البرازيل ترفض الإجراءات الإضافية بسبب فيروس زيكا    "الصندوق الأسود" للجراحين ..أحدث الصيحات للحد من أخطاء الأطباء    فيديو.. «الصحة»: نعاون الأجهزة الرقابية في القضاء على بؤر الفساد    جروس يعلن رحيله عن تدريب أهلي جدة السعودي    اليوم.. داليا خورشيد تلقي كلمة أمام الجمعية العمومية لغرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة    ريهام سعيد تنتقم من "فتاة المول" بهذا الفيديو    الشأن المحلي يسيطر على عناوين الصحف الصادرة اليوم    أسعار العملات اليوم الثلاثاء في مصر    المغرب والإمارات فى نهائى البطولة الشاطئية اليوم    "نتنياهو": مستعدون للتفاوض على أساس مبادرة السلام العربية    شاهد.. وائل الإبراشي ل"ممرضة الختان": هنعمل حفلة ونجيب ناس تغني    "التعليم": ضبط 25 حالة غش وانتحال شخصية بامتحانات الدبلومات حتى الآن    القبض علي نجل رئيس النادى الإسماعيلى لاتهامه في قضية سرقة متجر    تدريب موظفي سيناء على حماية المنشآت والمال العام    الأسطورة مارادونا مديرًا فنيًا لسموحة فى الموسم المقبل    بالفيديو.. مدحت شلبي: انتقال دونجا للأهلي مقابل انتقال أحمد الشيخ إلى مصر للمقاصة    «التموين»: 70 مليون جنيه مبيعات أحد معارض «أهلا رمضان»    سيد عبدالحفيظ: علاقة الأهلي بمتعب ممتازة    نشطاء يتداولون فيديو لحظة ضبط بطلة كليب "سيب إيدي" بتهمة الدعارة    طارق لطفي: العرض الحصري أصبح أساس لعبة التسويق في الوقت الحالي    ضبط 20 طربة لمخدر الحشيش بحوزة عاطلين قبل ترويجهم بالبحيرة    نتنياهو: مستعد لمناقشة المبادرة العربية للسلام مع الفلسطينيين    سمير زاهر: وزير الشباب والرياضة أقرب ل"أبوريدة"    وزير الري يناقش رفع كفاءة السد العالي وخزان أسوان    حظك اليوم وتوقعات الأبراج الثلاثاء 31 مايو 2016    أمل رزق.. ست الحسن في "الطبال"    أدب    مبدأ تاريخي للقضاء الإداري:    حاكموهم أو حاكمونا    «تحيا مصر»: 600 مليون جنيه تكلفة المرحلة الثانية من مشروع «الأسمرات»    تفسير سورة الليل        مفاجأة: جمعيات الإخوان الخيرية سلمت معلومات سرية للبنتاجون    رد فعل الشيخ محمد حسان بعد براءته من ازدراء الأديان    بالفيديو.. المفتي السابق يكشف عن حالة وحيدة لشرب الخمر دون إثم    10 ملايين جنيه استثمارات الأبحاث والتطوير بقطاع الألبان    «مساء القاهرة» يناقش أزمة ارتفاع أسعار الدواء المصرية    «أوقاف الإسكندرية»: 6 آلاف مسجد للتراويح.. والاعتكاف ب«الرقم القومي»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في "الجغرافية السياسية" والشرق الأوسط
نشر في نهضة مصر يوم 14 - 02 - 2010

كتبت في هذا المكان الأسبوع الماضي عن "ماذا يعني أمن الفضاء؟"، وأن محيط الأرض "الحيوي" صار أكبر من مُحيطها "الهندسي" بسبب السفن الفضائية التي بناها الإنسان وأطلقها في مدارات مُختلفة حول الأرض فضلا عن الوجود الإنساني نفسه علي متن المحطة الفضائية الدولية، وأن التعاون الدولي كان له دور كبير في هذا التمدد البشري بعيدا عن جغرافية الأرض القديمة، حتي أصبح الفضاء المكان المُفضل لوضع كل وسائل التحكم والسيطرة والتنبؤ والحركة لمعظم الأنشطة التي تجري فوق سطح الأرض. وتلقيت ردود فعل كريمة من أصدقاء علي هذه المقالة برغم خوفي من الوُلوج إلي تلك الموضوعات "الثقيلة" الأمر الذي شجعني علي اتخاذ مبادرة أخري في هذا المجال والكتابة في موضوع آخر "ثقيل" ليس بعيدا عن ميدان المقالة السابقة، بل يمثل الأساس النظري لها وهو موضوع "الجغرافية السياسية".
وتبدو أهمية "الجغرافية السياسية" في فترات التحولات العظمي السياسية، وفي لحظات إعادة التوازن بين الدول والحضارات حيث تتغلب المصلحة والمنفعة والقيادة للأصلح (وليس البقاء للأصلح) في تشكيل حركة التاريخ من حقبة زمنية إلي حقبة أخري. وقد شهد القرن العشرون مثل هذه التحولات مع انحسار الإمبراطورية البريطانية بعد حربين عالميتين لتنتقل نقطة التوازن إلي الولايات المتحدة الأمريكية علي هامش الجغرافية القديمة، لكن ثورة المواصلات والاتصالات والسعي إلي الفضاء والمكوث فيه خلق مزيجا متعادلا من الزمان والمكان يتحرك في داخله النشاط والفعل البشري، وتبرز فيه إرادة الأمم وقرارها. فلم تعد الجغرافيا علم المكان فقط، بل علم المكان والزمان في مزيج واحد. وتعبير الجغرافية السياسية يحتوي علي هذا المزيج _ المكان والزمان- ويضيف إليها بُعد القَصد والفِعل والقَرار أو "الإستراتيجية" لو أردنا الاختصار.
وعلم الجغرافية السياسية Geopolitics والجغرافية الإستراتيجية Geostrategy قديم ومن مؤسسيه سير هالفورد ماكندر (1861-1947) وله ورقة شهيرة بعنوان "المحور الجغرافي للتاريخ" ونظرية ال Heartland لكن نسخته الحديثة ظهرت مع ثورة تكنولوجيا الإلكترونيات في سبعينيات القرن الماضي، وبروز عامل الزمن في الفعل البشري علي عامل المكان، وخروج جيل جديد من المفكرين وعلي رأسهم هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة السابق ومحاولته تقديم الجغرافية السياسية في ثوب جديد كوسيلة وسط لتحليل وفهم المُقتربات الليبرالية والمحافظة، وركز في كتاباته علي ذلك وأهمها مذكراته بعنوان: سنوات البيت البيض 1979 باعتبار الجغرافية السياسية العِلْم الذي يهتم بشروط "التوازن" Equi
librium.
وكيسنجر هو الرجل الذي فتح باب الصين للولايات المتحدة، وتعامل مع الحرب الأمريكية في فيتنام، وترك بصمة عميقة علي السلام المصري _ الإسرائيلي. وهو أيضا صاحب فكرة استخدام الرياضة في السياسة عندما أرسل فريق البنج بونج الأمريكي إلي الصين، وأول من دعا إلي سياسة الخطوة-خطوة في الصراع العربي الإسرائيلي؛ والحالتان تعكسان قيمة التوازن بكل عناصره في صياغة النتيجة النهائية لأي عمل سياسي. ولاشك أن كيسنجر قد منح علم الجغرافية السياسة حياة وحيوية جديدة، وزاد من شعبيتها في المنتديات الأكاديمية، ووسع من مجالات تطبيقاتها وخاصة في رسم الاستراتيجيات العالمية، وسلط الضوء علي العلاقة بين الجغرافية السياسية من جهة والجغرافية الطبيعية والإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي "الجغرافية السياسية" من جانبها الجُغرافي (المكاني) لوجدنا أنها تُلفت الانتباه إلي أهمية بعض الخصائص الجغرافية في التاريخ السياسي. فمن المعلوم _ علي سبيل المثال- أن جغرافية مصر تُعطيها مزايا كثيرة بين القارات القديمة، وأن حفر قناة السويس قد أضاف من أهمية مصر الإستراتيجية، كما شكل تاريخ القناة فترات طويلة من تاريخ مصر الحديث. ونفس الشئ ينطبق علي دول أخري كثيرة وجدت نفسها في تقاطع قارات، أو تتمتع بمناخ رائع أو منحتها الجغرافية ثروة هائلة من الثروات الطبيعية ذات الأهمية العالية في زمن معين. ومن هنا ينظر إلي الجغرافية السياسية بوصفها نظرية للعلاقات المكانية من جهة والتعليل التاريخي من جهة أخري. وفي التاريخ كانت القوة أحيانا لعنة علي المكان، وفي أحيان أخري كان المكان لعنة علي القوة. والمقصود بذلك أن القوة بكل عناصرها البشرية والمادية تُعطي نتائج مختلفة وفقا للإطار الجغرافي التي تعمل فيه. وهناك عناصر كثيرة تُحدد القيمة الجغرافية للمكان من حيث المسافة (القرب والبعد)، والموقع والموضع، والمساحة وكلها عوامل يتم الاستفادة منها طبقا للإستراتيجية الموضوعة. وفي الحقيقة لا تحدد الجغرافيا الأهداف السياسية والاستراتيجيات بصورة حتمية للدول والحكومات، ولكنها تطرح فرصا لواضعي السياسات والاستراتيجيات.
ومن هذه الزاوية يفرض الماضي أو (التاريخ) أشياء علي واضعي السياسات والاستراتيجيات من بينها طبيعة البشر وتقاليدهم. أما الحاضر فيتعامل مع الواقع الموجود، والاحتياجات الاقتصادية، والفرص الجغرافية. ومدي الاستفادة من استغلال الفرص الجُغرافية المُتاحة يتوقف علي "الإستراتيجية" الموضوعة وكيفية تنفيذها. وتحتوي الإستراتيجية علي أهداف يتم اقتراحها وتحديد كيفية الوصول إليها بواسطة المسئولين في ضوء الخصائص الجغرافية للأماكن المختلفة. هذه العلاقة بين "المُحيط الجغرافي" و"عملية اتخاذ القرار" تتم عادة في إطار ديناميكي يربط بين الجغرافية السياسية والجغرافية من جهة ووضع الإستراتيجية من جهة أخري.
وإذا نظرنا إلي الشرق الأوسط لوجدنا الجُغرافية السياسية حاضرة فيه بشكل ملموس. وفي عصر عبد الناصر تم تعريف الجُغرافية السياسية لمصر في إطار الدوائر الثلاثة العربية والإفريقية والإسلامية. ووطدت مصر علاقتها مع الاتحاد السوفييتي برغم تبنيها لسياسة عدم الانحياز، وتصادمت مع أوروبا والولايات المتحدة، وطرحت هذه السياسة فرصا لكنها لم تكن فرصا طموحة. وفي عصر السادات ومبارك انفتحت مصر علي الولايات المتحدة والغرب، وطرحت الجغرافية السياسية الجديدة فرصا كبيرة لكن الصراع العربي الإسرائيلي وضع حدودا لها وما زالت المنطقة كلها حتي الآن أسيرة لهذا الصراع.
وهناك أمثلة أخري كثيرة تعكس أهمية الجغرافية السياسية لمصر والمنطقة ومن بينها أزمة الحدود بين مصر وغزة، وما يجري الآن في اليمن وتأثيره علي الجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ونتائج الحرب في العراق وفي أفغانستان علي منطقة الخليج والثروة البترولية هناك، ثم المسارات البحرية في المتوسط والأحمر والتهديدات التي تتعرض لها بسبب القرصنة، والتواجد العسكري الأمريكي والأوروبي والصيني في المنطقة، وتأثير كل ذلك علي السياسات الإقليمية والدولية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.