«الصحفيين» تدعو الجرائد لتسويد الصفحات الأولى لعدد الأحد    مشاجرة بين مؤيدي السيسي وأصحاب الورش قرب نقابة الصحفيين    بالصور.. الشرقية تحيي ذكرى الإمام عبد الحليم محمود    ترحيل مالك عدلي ل"طرة" بعد حبسه 15 يومًا    الرى : تقارب وجهات النظر للوفود التفاوضية للدول الثلاث بسد النهضة    "مستقبل وطن": مشروع ال1.5 مليون فدان استكمال لمشروعات السيسى للتنمية المستدامة    إدارة المصرف العربى تعتمد تعيين هشام رامز رئيساً وعبد الجواد وبركات نائبين    غدًا.. رئيس الوزراء يتفقد عددًا من المشروعات التنموية بأسوان    السكة الحديد: لا إلغاء ال50% خصم قيمة تذكرة القطارات للصحفيين    عاجل.. البحرية المصرية توقف "هيبو" للاشتباه    وزير البترول يلتقي عددا من رؤساء الشركات العالمية العاملة في مصر    «مارك» و«كيري» يبحثان الأزمة السورية والسلام الشرق الأوسط.. الاثنين    صديق خان يتقدم على جولد سميث في انتخابات عمدة لندن    إردوغان ينتقد الاتحاد الأوروبي لمطالبته بتغيير قوانين الإرهاب    فشل «روسي – قطري» في حل أزمة أسعار النفط    كوريا الشمالية تهدد بتعزيز "الردع النووي" لمواجهة "العدوان الأمريكي"    البيان الختامى للجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية    إنبى يٌغرم شرويدة عقب الطرد أمام الداخلية    شاهد.. أسوان يطلب عدم إذاعة لقائه مع الأهلي    الصحافة الإنجليزية تثني على "ستوريدج الخارق"    الاتحاد يقترب من مدافع الإنتاج الحربي    الطويلة: حل مجلس الجبلاية لا يمنع عقد العمومية الطارئة    ضبط ورشة لتصنيع السلاح بمركز الفتح فى أسيوط    استشهاد فردي شرطة أثناء إنقاذهم عائلتين من حريق بالسويس    محافظة القاهرة تنفذ قرارات إزالة للعقارات المخالفة    بدء أعمال توسعة نفق زهراء المعادي    إعادة طفلة تائهة لوالدها عثُر عليها داخل محطة مترو المعادي    أسرة «جراند أوتيل» تواصل التصوير بأسوان    صور .. وزير الآثار يتفقد «ميت رهينة» و«سقارة»    شاهد.. نجوم في جلسات التصوير "هما ولا مش هما؟"    محمد شاهين عن تامر حسني: انسان قبل مايكون فنان    أحلام تهنئ سعد رمضان على طريقتها الخاصة    محمود طاهر من لندن للإمارات بسبب ودية الأهلي وروما    استبعاد 28 لجنة من امتحانات الثانوية العامة    الأفريقي لليد يرفض احتجاج الزمالك.. الأهلي يتوج بالدرع اليوم    رئيس مجلس النواب الأمريكي بول ريان: لست مستعدا لدعم ترامب الآن    صور الرئيس مرسي والشهداء تتقدم مسيرة العدوة والزقازيق    وزير الإسكان يصدر قراري إزالة إدارية للمخالفات بالعبور    في ذكراه .. صالح الذي أحب الأهلي "من يوم ما دخلته لحد ما أموت"    فيديو مشاجرة عنيفة في عزاء وائل نور ومحاولات لتهدئة الموقف!    مظهر شاهين يكشف عن أعمال الخير المفضلة فى شهر شعبان    إسبانيا تسجل أول حالة "زيكا" لجنين    طفل صيني يولد ب 31 اصبعاً في يديه وقدميه    وزير الأوقاف يعلن بدء تنفيذ 1000 مسجد جامع على مستوى الجمهورية    طقس السبت معتدل نهارا مائل للبرودة ليلا.. والعظمى بالقاهرة 30    تأخر إقلاع رحلة "مصر للطيران" إلى تركيا بسبب عطل فني مفاجئ    السيسى: أنا مابخافش.. وكشف حسابى فى يونيو    الهلالي يواصل لقاءاته مع المستثمرين لفتح آفاق جديدة للاستثمار في التعليم    صفة الرحمن في سورة الإخلاص    أركان الإسلام والإيمان والإحسان    مطربة البوب الأمريكية بيونسيه تطرح أحدث ألبوماتها "ليموناد" على موقع زوجها    «الرئاسي» الليبي يكلف قيادة موحدة بمحاربة «داعش» في المنطقة ما بين مصراتة وسرت    نزلات البرد قد تزيد خطر إصابة الطفل بمرض السكر    حظر بيع السجائر الإلكترونية لمن تقل أعمارهم عن 18 عاما    الصحة السعودية: اصابة جديدة بفيروس كورونا    توقعات الأبراج حظك اليوم الجمعة 6 مايو    العلماء يحذرون من سوء الظن ونشر الشائعات    أهل الفتوى : التدخين حرام.. والتسبيح أثناء الخطبة لا يجوز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في نقد الدستور المصري ... !
نشر في نهضة مصر يوم 27 - 03 - 2006

لن نستطيع أبدا في عملية الانتقال من النظام السياسي الحالي إلي نظام ديموقراطي متكامل الأركان ما لم يكون لدينا القدرة والشجاعة أيضا علي تقييم حياتنا السياسية ليس باعتبارها سجالا بين الحكم والمعارضة، أو حتي شجارا بين
" الديمقراطيين"
و المستبدين
" وإنما باعتبارها نقدا ذاتيا لمجمل المسار التاريخي خلال القرنين الماضيين أي منذ إنشاء الدولة المصرية الحديثة علي يد محمد علي الكبير والثقافة السياسية التي صبغت الأشكال القانونية المختلفة للحكم بصبغتها المعادية للمشاركة الشعبية الحقة. وبناء عليه فإن ما يثار حاليا حول ضرورة أن تكون المراجعة للدستور المصري تعديلا أو تغييرا - متوائمة مع الظروف المصرية والثقافة السياسية السائدة فإنه لا يعني أكثر من استمرار الأوضاع القائمة علي ما هي عليه أو ابتداع أشكال جديدة منها. فما نريده حقا هو تجاوز اللحظة التاريخية، والتغلب علي الثقافة السياسية، لأن كلاهما فرض ما استوجب فكرة المراجعة في المقام الأول بعد أن بات واضحا أن الإطار السياسي للحياة المصرية لم يعد ملائما لما نحتاجه من شرعية للإصلاح الإقتصادي والاجتماعي العميق، ولا ما نحتاجه من مشاركة شعبية واسعة تقوم بواجب التعبئة لتحقيق التقدم العام ، أو علي أقل تقدير للتعامل مع كوارث لا يستطيع طرف سياسي واحد التعامل معها.
والحقيقة أن الطبيعة المركزية الفائقة للنظام السياسي المصري منذ محمد علي حتي الآن لم يكن راجعا فقط للتراث التاريخي لتحكم رأس الدولة منذ العهود الفرعونية وحتي الولاة العثمانيين، ولا كان ناجما عن الثقافة السياسية " الفرعونية" و " المملوكية " بقدر ما كان ناجما عن جهد منظم من قبل الوالي والخديوي والسلطان والملك والرئيس من أجل جعل الحكم عملية مركزية محضة تتم من قبل الذين أعطاهم الله الحكمة علي القيادة والتقدير السليم. وكان ذلك راجعا إلي نظرية سياسية محافظة تتشكك في الجماهير وقدرتها علي التقدير واتخاذ القرار، وتعتقد في حاجة الشعب المستمرة إلي التعقيم من الجراثيم الفكرية المختلفة التي يأتي بعضها من الخارج أما البعض الآخر فهو متوطن في الطبيعة المصرية، والتعليم والنضج الذي يجعل الشعب " جاهزا " للديمقراطية والتقدم؛ وحتي يحدث ذلك في يوم من أيام قادمة غير معلومة فإن حاضره سوف يظل أمانة تاريخية في اليد الحاكمة القوية والحكيمة. ولا يمنع هكذا حال من الحديث المستمر عن " الشعب المعلم " الذي يلقن " طلائعه الثورية " " أسرار آماله الكبري "- كما جاء في الميثاق الوطني خلال الستينيات - فطالما أن الحكم يقوم علي " التلقين " لأمور غير معلومة ولا يتم الجهر بها، فإن الحاكم وحده هو القادر علي فك طلاسمها وحل شفراتها.
وكان جزءا من هذا الجهد المنظم ابتداع أشكال قانونية تميزت دوما بالبراعة في تطبيق هذه النظرية المحافظة؛ وبينما كان محمد علي ومن خلفه من حكام خلال القرن التاسع عشر صريحا في الأمر حيث كان الشعب " عبيد " إحسانات الوالي، فإن دستور عام 1923 كان بارعا في إعطاء الملك ما يلزم من السلطات التنفيذية والتشريعية التي تجعله متدخلا في الحياة السياسية طوال الوقت المعروف بالحقبة " الليبرالية" المصرية. ولم يختلف الأمر كثيرا خلال الفترة " الوطنية " أو " الاشتراكية" أو " الناصرية " من حيث الطبيعة المركزية للحكم، ولكن الاختلاف والتميز جاء هذه المرة من خلال المدرسة القانونية الفرنسية التي قدمت " النظام المختلط " الرئاسي البرلماني البرلماسي كما قيل باعتباره النظام الذي يتواءم مع الظروف المصرية، والمعبر عن " الثقافة السياسية " المصرية؛ دون القول مرة واحدة لماذا كان ذلك كذلك وكيف أن نظاما مغرقا في المركزية يدفع الظروف المصرية إلي الأمام، ولا كيف يعبر عن ثقافة سياسية مطلوب تجاوزها وتطويرها لكي تدفع في اتجاه دولة جديدة تختلف عن تلك التي اعتدناها علي مدي سبعة آلاف عام.
وكان دستور عام 1971 هو آخر تجليات هذه المدرسة وأكثرها تشوها، فقد قام من جانب علي تراث طويل من الاستبداد، ولكنه لأسباب داخلية وخارجية حاول أن يصبغ علي الوثيقة بعضا من السمات الديمقراطية التي كان الحاكم يعلم أنه لن يلتزم بها. وكما نقل عن الرئيس السادات رحمه الله قوله أنه ولا عبد الناصر كانا يحتاجان " النصوص " لأنهما كما قيل ونقل هما "آخر الفراعنة" ولكن الوثيقة الدستورية جاءت لمن بعدهما. وهكذا أتينا إلي ما بعدهما في عهد الرئيس حسني مبارك لكي يكون معنا دستور وضعه آخر الفراعنة بروح وتقاليد الفترة الوحيدة التاريخية الممتدة التي عرفوها. وجاءت المدرسة الفرنسية البرلماسية لكي تضع الرتوش علي وثيقة مستبدة فلا تجملها بل تجعلها ممتلئة بالاضطرابات والتناقضات، ولكنها في جوهرها كانت تضع رئيس الجمهورية فوق السلطات لأنه في المادة 73" يرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها الوطني " ثم يتجاوز رعاية الحدود إلي الإلغاء الكلي في المادة 74 التي تعطيه سلطات مطلقة في الظروف الاستثنائية. وببساطة كاملة فإن الدستور يكاد يتوقف عن طبيعته المختلطة المدعاة لكي يكون نظاما مركزيا بشكل مطلق في يد رئيس الجمهورية وهو ما لا يضيف جديدا للتراث المصري المعروف.
ولعل ذلك تحديدا هو ما نحتاج التعامل معه ليس بالقطعة أو بالمادة الواردة في الدستور وإنما من خلال مفهوم شامل يقوم علي تجاوز التاريخ والثقافة السياسية السائدة التي تتوقع قائدا حازما وقادرا ولكنه لا تتطلبه مستبدا بالضرورة إلي ثقافة سياسية ديمقراطية. ومثل ذلك ليس سهلا، ولكن ذلك هو دور النخبة التاريخي الذي يجعلها تعيد صياغة مصير أوطانها في الحاضر والمستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.