صباحي يتضامن مع ليليان داود    رئيس الوزراء يجتمع برؤساء الهيئات البرلمانية.. ومصدر: اتجاه قوي للموافقة على الموازنة    استقرار الأسهم الدولارية في نهاية تعاملات جلسة اليوم    "القاهرة للدواجن" الأكثر تراجعًا في البورصة اليوم    "المديهيم": تحديات كثيرة واجهت تطبيق نظام رسوم الأراضي البيضاء    الكرملين: إصلاح العلاقات مع تركيا "لن يحدث في أيام"    سموحة يهزم المياه وديًا استعدادًا الزمالك    ساوثجيت ابرز المرشحين لخلافة هودجسون    شيرار: مستعد لتدريب إنجلترا الآن    نائب وفدي: وزير التعليم رسب فىي حل أزمة التسريبات.. ولا بد من إقالته    إصابة ثلاثة بتصادم سيارتين بكفر الشيخ    ضبط 5 أشخاص قاموا بالتنقيب عن الآثار بإيتاي البارود    قصة مثل| "إِنَّ الَّليْلَ طَوِيلٌ وَأنْتَ مُقْمِر"    "ال مصري للتأمين" يرتفع بإجمالي مساهماته بصندوق تحيا مصر إلى 3.34 مليون جنيه    رئيس الوزراء مهنئا «السيسي» بذكرى 30 يونيو: نعاهدك على إنجاز المشروعات العملاقة    ديفيد كاميرون يتوجه إلى بروكسل لحضور آخر قمة مجلس أوروبي    وزير الداخلية اللبناني: منفذوا تفجيرات «البقاع» جائوا من سوريا    19 قتيلا في صفوف «داعش» جراء قصف تركي وغارات للتحالف الدولي    ضبط عاطل بحيازته 8 قطع حشيش و49 قرص مخدر بالإسكندرية    تجديد حبس «بدر والسقا» في اتهامهما بقلب نظام الحكم    نجاح عمليتين لزراعة الكلى بمستشفيات أسيوط الجامعية    شوكة & سكينة    عبدالحفيظ: لا مجال للحديث عن رحيل «يول»    عمرو يوسف: مسلسل "جراند أوتيل" اتعمل في 70 دولة    وزير الصناعة: نستهدف التقدم بمشروعي قانون لتسهيل ائتمان المشروعات الصغيرة لمجلس الوزراء    تشغيل المرحلة الثانية لمحطة مياه بني مزار بالمنيا    إحالة مسئول بارز بالنقل للمحاكمة التأديبية    أطعمة تجعلك تنام سريعًا    ريمون مقار: "راس الغول" رقم 1 بشهادة بيان "النهار"    عبد الله النديم.. القائد بالكلمة    تخفيض عروض الصوت والضوء بمعبد الكرنك 50% خلال ذكرى ثورة 30 يونيو    رسميا.. النادى المصرى يستعيد استاد بورسعيد من "الشباب والرياضة"    هدي الرسول في الصوم    التعليم: غلق 3 مراكز للدروس الخصوصية بمحافظة سوهاج    شاهد.. حريق هائل بسوق المنيرة بإمبابة    انفراجة في أزمة جهاز الزمالك.. و"حلمي" يقود مران اليوم    مصطفي جلال و عمرو بركات ينضمان إلى ليرس البلجيكي    البابا تواضروس يزور شيخ الأزهر ويقدم له التهانى بعيد الفطر    كمال أبورية: سعيد بالعمل مع الزعيم.. و"مأمون وشركاه" عمل فنى راق    عرض أوبريت "أهل الأمانة" على مسرح قصر ثقافة طور سيناء    الموسيقار تامر كروان: موسيقى «الطبال» مصرية و«سبع أرواح» غير تقليدية    هزلية رابعة وحلوان.. أبرز المحاكمات    الأرصاد: استقرار في حالة الطقس حتى نهاية الأسبوع    "آية.. وحكاية".. 13 ذم التَّمَادُح    تسريب امتحان التوحيد للثانوية الأزهرية    انخفاض أسعار الذهب.. عيار 21 يسجل 402 جنيه    بدء إصلاح ذاكرة الصندوق الأسود الثاني للطائرة المصرية المنكوبة    فيديو.. "الصحة" تضخ 1.5 مليون عبوة من المحاليل الوريدية لسد أي عجز    الملكة رانيا تهنئ ابنها الحسين ولى عهد المملكة الأردنية بعيد ميلاده ال22    "نقطة صغيرة قرب السماء" مجموعة قصص ل عز الدين نجيب    اليوم.. رئيس هيئة النيابة الإدارية الجديد يؤدي اليمين أمام السيسي    واشنطن تحذر رعاياها في تركيا من تزايد التهديدات الإرهابية    اليوم.. محاكمة هشام جنينة في "حجم الفساد"    الجيش العراقي يضيق الخناق على "داعش" غربي الفلوجة    مفتى الديار المصرية : تصغير الكتب والمذكرات للغش منها ممنوع شرعاً    دراسة: سوء استخدام المسكنات يضاعف فرص الإصابة بالاكتئاب    بالصور.. محافظ بني سويف يكرّم 67 من حفظة القرآن الكريم    الاتحاد الأرجنتيني يؤكد استمرار مارتينو في تدريب المنتخب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في نقد الدستور المصري ... !
نشر في نهضة مصر يوم 27 - 03 - 2006

لن نستطيع أبدا في عملية الانتقال من النظام السياسي الحالي إلي نظام ديموقراطي متكامل الأركان ما لم يكون لدينا القدرة والشجاعة أيضا علي تقييم حياتنا السياسية ليس باعتبارها سجالا بين الحكم والمعارضة، أو حتي شجارا بين
" الديمقراطيين"
و المستبدين
" وإنما باعتبارها نقدا ذاتيا لمجمل المسار التاريخي خلال القرنين الماضيين أي منذ إنشاء الدولة المصرية الحديثة علي يد محمد علي الكبير والثقافة السياسية التي صبغت الأشكال القانونية المختلفة للحكم بصبغتها المعادية للمشاركة الشعبية الحقة. وبناء عليه فإن ما يثار حاليا حول ضرورة أن تكون المراجعة للدستور المصري تعديلا أو تغييرا - متوائمة مع الظروف المصرية والثقافة السياسية السائدة فإنه لا يعني أكثر من استمرار الأوضاع القائمة علي ما هي عليه أو ابتداع أشكال جديدة منها. فما نريده حقا هو تجاوز اللحظة التاريخية، والتغلب علي الثقافة السياسية، لأن كلاهما فرض ما استوجب فكرة المراجعة في المقام الأول بعد أن بات واضحا أن الإطار السياسي للحياة المصرية لم يعد ملائما لما نحتاجه من شرعية للإصلاح الإقتصادي والاجتماعي العميق، ولا ما نحتاجه من مشاركة شعبية واسعة تقوم بواجب التعبئة لتحقيق التقدم العام ، أو علي أقل تقدير للتعامل مع كوارث لا يستطيع طرف سياسي واحد التعامل معها.
والحقيقة أن الطبيعة المركزية الفائقة للنظام السياسي المصري منذ محمد علي حتي الآن لم يكن راجعا فقط للتراث التاريخي لتحكم رأس الدولة منذ العهود الفرعونية وحتي الولاة العثمانيين، ولا كان ناجما عن الثقافة السياسية " الفرعونية" و " المملوكية " بقدر ما كان ناجما عن جهد منظم من قبل الوالي والخديوي والسلطان والملك والرئيس من أجل جعل الحكم عملية مركزية محضة تتم من قبل الذين أعطاهم الله الحكمة علي القيادة والتقدير السليم. وكان ذلك راجعا إلي نظرية سياسية محافظة تتشكك في الجماهير وقدرتها علي التقدير واتخاذ القرار، وتعتقد في حاجة الشعب المستمرة إلي التعقيم من الجراثيم الفكرية المختلفة التي يأتي بعضها من الخارج أما البعض الآخر فهو متوطن في الطبيعة المصرية، والتعليم والنضج الذي يجعل الشعب " جاهزا " للديمقراطية والتقدم؛ وحتي يحدث ذلك في يوم من أيام قادمة غير معلومة فإن حاضره سوف يظل أمانة تاريخية في اليد الحاكمة القوية والحكيمة. ولا يمنع هكذا حال من الحديث المستمر عن " الشعب المعلم " الذي يلقن " طلائعه الثورية " " أسرار آماله الكبري "- كما جاء في الميثاق الوطني خلال الستينيات - فطالما أن الحكم يقوم علي " التلقين " لأمور غير معلومة ولا يتم الجهر بها، فإن الحاكم وحده هو القادر علي فك طلاسمها وحل شفراتها.
وكان جزءا من هذا الجهد المنظم ابتداع أشكال قانونية تميزت دوما بالبراعة في تطبيق هذه النظرية المحافظة؛ وبينما كان محمد علي ومن خلفه من حكام خلال القرن التاسع عشر صريحا في الأمر حيث كان الشعب " عبيد " إحسانات الوالي، فإن دستور عام 1923 كان بارعا في إعطاء الملك ما يلزم من السلطات التنفيذية والتشريعية التي تجعله متدخلا في الحياة السياسية طوال الوقت المعروف بالحقبة " الليبرالية" المصرية. ولم يختلف الأمر كثيرا خلال الفترة " الوطنية " أو " الاشتراكية" أو " الناصرية " من حيث الطبيعة المركزية للحكم، ولكن الاختلاف والتميز جاء هذه المرة من خلال المدرسة القانونية الفرنسية التي قدمت " النظام المختلط " الرئاسي البرلماني البرلماسي كما قيل باعتباره النظام الذي يتواءم مع الظروف المصرية، والمعبر عن " الثقافة السياسية " المصرية؛ دون القول مرة واحدة لماذا كان ذلك كذلك وكيف أن نظاما مغرقا في المركزية يدفع الظروف المصرية إلي الأمام، ولا كيف يعبر عن ثقافة سياسية مطلوب تجاوزها وتطويرها لكي تدفع في اتجاه دولة جديدة تختلف عن تلك التي اعتدناها علي مدي سبعة آلاف عام.
وكان دستور عام 1971 هو آخر تجليات هذه المدرسة وأكثرها تشوها، فقد قام من جانب علي تراث طويل من الاستبداد، ولكنه لأسباب داخلية وخارجية حاول أن يصبغ علي الوثيقة بعضا من السمات الديمقراطية التي كان الحاكم يعلم أنه لن يلتزم بها. وكما نقل عن الرئيس السادات رحمه الله قوله أنه ولا عبد الناصر كانا يحتاجان " النصوص " لأنهما كما قيل ونقل هما "آخر الفراعنة" ولكن الوثيقة الدستورية جاءت لمن بعدهما. وهكذا أتينا إلي ما بعدهما في عهد الرئيس حسني مبارك لكي يكون معنا دستور وضعه آخر الفراعنة بروح وتقاليد الفترة الوحيدة التاريخية الممتدة التي عرفوها. وجاءت المدرسة الفرنسية البرلماسية لكي تضع الرتوش علي وثيقة مستبدة فلا تجملها بل تجعلها ممتلئة بالاضطرابات والتناقضات، ولكنها في جوهرها كانت تضع رئيس الجمهورية فوق السلطات لأنه في المادة 73" يرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها الوطني " ثم يتجاوز رعاية الحدود إلي الإلغاء الكلي في المادة 74 التي تعطيه سلطات مطلقة في الظروف الاستثنائية. وببساطة كاملة فإن الدستور يكاد يتوقف عن طبيعته المختلطة المدعاة لكي يكون نظاما مركزيا بشكل مطلق في يد رئيس الجمهورية وهو ما لا يضيف جديدا للتراث المصري المعروف.
ولعل ذلك تحديدا هو ما نحتاج التعامل معه ليس بالقطعة أو بالمادة الواردة في الدستور وإنما من خلال مفهوم شامل يقوم علي تجاوز التاريخ والثقافة السياسية السائدة التي تتوقع قائدا حازما وقادرا ولكنه لا تتطلبه مستبدا بالضرورة إلي ثقافة سياسية ديمقراطية. ومثل ذلك ليس سهلا، ولكن ذلك هو دور النخبة التاريخي الذي يجعلها تعيد صياغة مصير أوطانها في الحاضر والمستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.