البرلمان يحيل الشهادتين الواردتين بشأن عضوية أحمد مرتضى منصور للجنة الدستورية    بعد إقرار "الخدمة المدنية".. 5 ملايين موظف حكومي مهددون بالفصل    وزير الشئون الدينية الإندونيسي: الأزهر مرجعيتنا الأولى    محافظ مطروح: لن أسمح بغرق الكورنيش بمياه الصرف.. وشركة المياه: زيادة مياه الشرب السبب    مطاعم الأسماك تخدع المصطافين.. بالإسكندرية    النفط الخام يتراجع بفعل وفرة المعروض والمصاعب الاقتصادية    وزير الصناعة: من الصعب وقف الاستيراد    سحر نصر: نعمل كفريق واحد «الحكومة والقطاع الخاص» من أجل تحقيق نمو مستدام    قناة السويس تمنح ناقلات النفط العملاقة الفارغة تخفيضات تبلغ 45%    «الخارجية» تدين التفجير الانتحاري في ألمانيا    نقيب الصحفيين الأسبق عن القمة العربية: ليس بها جديد    رئيسة وزراء بريطانيا تصف محادثاتها فى أيرلندا الشمالية "بالإيجابية"    الصحة التركية توقف 5 آلاف شخصاً في إطار حملة تطهير المؤسسات بعد الانقلاب    وكيله يؤكد: الموسم المقبل الأخير لغالي مع الأهلي    «زيدان» يعتمد على طريقة 4-4-2 خلال السوبر الاوروبي    المصري يشكر وزير الرياضة على زيارة ستاد بورسعيد    نادر الزيات يتقدم ببلاغ ضد الجبلاية واللجنة المشرفة على الانتخابات    بعد ادانة ايهاب عبدالرحمن في العينة الأولي    إنبي يضم مدافع أسوان لتعويض رحيل ناصف    بالصور.. محافظ الدقهلية يقدم واجب العزاء في شهيد العريش ويطلق اسمه على مدرسة    تأجيل جلسة زوجة مستريح قرية «مجول» بالغربية إلى 25 سبتمبر المقبل    شهود عيان: انفجار هائل يهزّ مدينة العريش    طالب يقود عصابة لسرقة السيدات    احتواء مشكلة سارة سلامة مع مخرج "صابر جوجل"    مادلين مطر تطرح ألبومها الجديد خلال أيام    تدريبات المخ تقلص خطر الإصابة ب"العته"    منح دراسية بالجامعة الألمانية بالقاهرة لأوائل الثانوية العامة    وول ستريت تنخفض قليلا عند الفتح مع ترقب نتائج أرباح الشركات    بعد قليل..وزير الدفاع يلتقي 400 نائب    العرابي: صعود ترامب يقلص من نفوذ الإخوان عالميًا    مصرع 3 أشخاص فى خصومة ثأرية بين عائلتين بأسيوط    قتلت زوجها بعد 3 أشهر من الزفاف بسبب شكه في سلوكها!    300 قتيل ومفقود ونصف مليون نازح جراء الفيضانات بالصين    المغرب: ندعم المبادرة الفرنسية لاستئناف المفاوضات «الفلسطينية – الإسرائيلية»    بالصورة.. أحمد فتحى يشيد بابطال «جحيم فى الهند»    مهرجان أسوان لأفلام المرأة يكرم نجلاء فتحي    داعية إسلامي عن الحلف بالطلاق: "يمين الفساق"    روسيا تطلب رفع الحظر عن مشاركة الرياضيين في «ريو 2016»    عادات نوم صحية تجنب الأطفال البدانة    حادث مروع علي طريق الاسماعيليه-السويس    وقفة احتجاجية لطلاب «الثانوية» أمام محافظة البحر الأحمر للحصول على 5%    إثيوبيا والدواء المصري.. ناقوس خطر تجاه صناعة كبرى    اليوم.. اجتماع «حريات الصحفيين» لمناقشة أوضاع الزملاء المحبوسين    الرئيس اليمني من القمة العربية: «التحالف بقيادة السعودية بارقة الأمل لشعبنا»    29 أغسطس محاكمة المتهمين بأحداث "ملهى العجوزة"    «ذكرى تامين قناة السويس» بالمركز القومى الاربعاء المقبل    اتحاد الكرة يكرم منتخب 97 بعد التأهل لأمم أفريقيا    العبد: لجنة لتقصي الحقائق ستذهب إلى المنيا خلال أيام    محمد رمضان يرد عما أثير حول انتقاد أحمد حلمي له    بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. ألمانيا تدفع الثمن    خالد النبوى يهنىء أبطال "إشتباك" في العرض الخاص ب 6 أكتوبر    "التوحد" أسرع أمراض الاضطرابات انتشارا في العالم    بسبب «البصمة».. إحالة 200 طبيب وممرض و23 إداريا للتحقيق في القليوبية    تفسير قولة تعالى: إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ    الميزان عادل و العقرب غدار.. 5 أبراج لهم من اسمهم نصيب    مجمع البحوث الإسلامية يوضح كيفية الزكاة عن الراتب الحكومى    تفسير قوله تعالى " كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم "    مفتى الجمهورية يدين العملية الإرهابية فى كابول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في نقد الدستور المصري ... !
نشر في نهضة مصر يوم 27 - 03 - 2006

لن نستطيع أبدا في عملية الانتقال من النظام السياسي الحالي إلي نظام ديموقراطي متكامل الأركان ما لم يكون لدينا القدرة والشجاعة أيضا علي تقييم حياتنا السياسية ليس باعتبارها سجالا بين الحكم والمعارضة، أو حتي شجارا بين
" الديمقراطيين"
و المستبدين
" وإنما باعتبارها نقدا ذاتيا لمجمل المسار التاريخي خلال القرنين الماضيين أي منذ إنشاء الدولة المصرية الحديثة علي يد محمد علي الكبير والثقافة السياسية التي صبغت الأشكال القانونية المختلفة للحكم بصبغتها المعادية للمشاركة الشعبية الحقة. وبناء عليه فإن ما يثار حاليا حول ضرورة أن تكون المراجعة للدستور المصري تعديلا أو تغييرا - متوائمة مع الظروف المصرية والثقافة السياسية السائدة فإنه لا يعني أكثر من استمرار الأوضاع القائمة علي ما هي عليه أو ابتداع أشكال جديدة منها. فما نريده حقا هو تجاوز اللحظة التاريخية، والتغلب علي الثقافة السياسية، لأن كلاهما فرض ما استوجب فكرة المراجعة في المقام الأول بعد أن بات واضحا أن الإطار السياسي للحياة المصرية لم يعد ملائما لما نحتاجه من شرعية للإصلاح الإقتصادي والاجتماعي العميق، ولا ما نحتاجه من مشاركة شعبية واسعة تقوم بواجب التعبئة لتحقيق التقدم العام ، أو علي أقل تقدير للتعامل مع كوارث لا يستطيع طرف سياسي واحد التعامل معها.
والحقيقة أن الطبيعة المركزية الفائقة للنظام السياسي المصري منذ محمد علي حتي الآن لم يكن راجعا فقط للتراث التاريخي لتحكم رأس الدولة منذ العهود الفرعونية وحتي الولاة العثمانيين، ولا كان ناجما عن الثقافة السياسية " الفرعونية" و " المملوكية " بقدر ما كان ناجما عن جهد منظم من قبل الوالي والخديوي والسلطان والملك والرئيس من أجل جعل الحكم عملية مركزية محضة تتم من قبل الذين أعطاهم الله الحكمة علي القيادة والتقدير السليم. وكان ذلك راجعا إلي نظرية سياسية محافظة تتشكك في الجماهير وقدرتها علي التقدير واتخاذ القرار، وتعتقد في حاجة الشعب المستمرة إلي التعقيم من الجراثيم الفكرية المختلفة التي يأتي بعضها من الخارج أما البعض الآخر فهو متوطن في الطبيعة المصرية، والتعليم والنضج الذي يجعل الشعب " جاهزا " للديمقراطية والتقدم؛ وحتي يحدث ذلك في يوم من أيام قادمة غير معلومة فإن حاضره سوف يظل أمانة تاريخية في اليد الحاكمة القوية والحكيمة. ولا يمنع هكذا حال من الحديث المستمر عن " الشعب المعلم " الذي يلقن " طلائعه الثورية " " أسرار آماله الكبري "- كما جاء في الميثاق الوطني خلال الستينيات - فطالما أن الحكم يقوم علي " التلقين " لأمور غير معلومة ولا يتم الجهر بها، فإن الحاكم وحده هو القادر علي فك طلاسمها وحل شفراتها.
وكان جزءا من هذا الجهد المنظم ابتداع أشكال قانونية تميزت دوما بالبراعة في تطبيق هذه النظرية المحافظة؛ وبينما كان محمد علي ومن خلفه من حكام خلال القرن التاسع عشر صريحا في الأمر حيث كان الشعب " عبيد " إحسانات الوالي، فإن دستور عام 1923 كان بارعا في إعطاء الملك ما يلزم من السلطات التنفيذية والتشريعية التي تجعله متدخلا في الحياة السياسية طوال الوقت المعروف بالحقبة " الليبرالية" المصرية. ولم يختلف الأمر كثيرا خلال الفترة " الوطنية " أو " الاشتراكية" أو " الناصرية " من حيث الطبيعة المركزية للحكم، ولكن الاختلاف والتميز جاء هذه المرة من خلال المدرسة القانونية الفرنسية التي قدمت " النظام المختلط " الرئاسي البرلماني البرلماسي كما قيل باعتباره النظام الذي يتواءم مع الظروف المصرية، والمعبر عن " الثقافة السياسية " المصرية؛ دون القول مرة واحدة لماذا كان ذلك كذلك وكيف أن نظاما مغرقا في المركزية يدفع الظروف المصرية إلي الأمام، ولا كيف يعبر عن ثقافة سياسية مطلوب تجاوزها وتطويرها لكي تدفع في اتجاه دولة جديدة تختلف عن تلك التي اعتدناها علي مدي سبعة آلاف عام.
وكان دستور عام 1971 هو آخر تجليات هذه المدرسة وأكثرها تشوها، فقد قام من جانب علي تراث طويل من الاستبداد، ولكنه لأسباب داخلية وخارجية حاول أن يصبغ علي الوثيقة بعضا من السمات الديمقراطية التي كان الحاكم يعلم أنه لن يلتزم بها. وكما نقل عن الرئيس السادات رحمه الله قوله أنه ولا عبد الناصر كانا يحتاجان " النصوص " لأنهما كما قيل ونقل هما "آخر الفراعنة" ولكن الوثيقة الدستورية جاءت لمن بعدهما. وهكذا أتينا إلي ما بعدهما في عهد الرئيس حسني مبارك لكي يكون معنا دستور وضعه آخر الفراعنة بروح وتقاليد الفترة الوحيدة التاريخية الممتدة التي عرفوها. وجاءت المدرسة الفرنسية البرلماسية لكي تضع الرتوش علي وثيقة مستبدة فلا تجملها بل تجعلها ممتلئة بالاضطرابات والتناقضات، ولكنها في جوهرها كانت تضع رئيس الجمهورية فوق السلطات لأنه في المادة 73" يرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها الوطني " ثم يتجاوز رعاية الحدود إلي الإلغاء الكلي في المادة 74 التي تعطيه سلطات مطلقة في الظروف الاستثنائية. وببساطة كاملة فإن الدستور يكاد يتوقف عن طبيعته المختلطة المدعاة لكي يكون نظاما مركزيا بشكل مطلق في يد رئيس الجمهورية وهو ما لا يضيف جديدا للتراث المصري المعروف.
ولعل ذلك تحديدا هو ما نحتاج التعامل معه ليس بالقطعة أو بالمادة الواردة في الدستور وإنما من خلال مفهوم شامل يقوم علي تجاوز التاريخ والثقافة السياسية السائدة التي تتوقع قائدا حازما وقادرا ولكنه لا تتطلبه مستبدا بالضرورة إلي ثقافة سياسية ديمقراطية. ومثل ذلك ليس سهلا، ولكن ذلك هو دور النخبة التاريخي الذي يجعلها تعيد صياغة مصير أوطانها في الحاضر والمستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.