مصر تستعيد 15 قطعة أثرية من المملكة المتحدة.. وتمثال "أوشابتى" من جنوب أفريقيا    مسئولون أمريكيون: "كوباني" لا تزال مهددة بالسقوط في يد "داعش"    بالفيديو.. رئيس الإذاعة: لدينا قائمة بأسماء من يعملون في الجزيرة وسوف نحيلهم للمحكمة لفصلهم.. وأولهم معتز مطر    فوز بني ياس على الوصل وتعادل عجمان والوحدة بالدوري الإماراتي    «مول مصر» يستقبل زواره خلال الربع الأول من 2016    عاجل| انفجار عبوة ناسفة بجوار الحماية المدنية في العاشر من رمضان    "الهجرة النبوية.. دروس وعظات".. كريمة: علمت المسلمين إبرام المعاهدات والتضحية لأجل الدين.. عميد "أصول الدين": أبرز دروسها الأخذ بالأسباب والتوكل على الله وإثبات أن التخطيط العلمي سبيل النجاح    تيار الثورة والتغير العراقي يستنكر زيارة رئيس الوزراء إلي إيران    حنان عشراوي ترحب بوثيقة "الخطوط الحمراء" الأوروبية    إصابة 12 فلسطينيًا واعتقال طفل في مواجهات في القدس    فيدرر يتأهل بصعوبة إلى دور الثمانية لبطولة بازل المفتوحة للتنس    الانتر يخسر أول نقطتين بالتعادل مع سانت إتيان    سقوط اخطر مسجل خطر بابو النمرس    ضبط سماح حماصة ملكة المخدرات بالسلام    القبض على أحد المتورطين في تنفيذ حادث تفجير مصر الجديدة    بوخارست يخطف صدارة المجموعة العاشرة بثنائية في مرمى ريو افي    «إخوان بلا عنف»: الجماعة قررت نقل 165 مليار دولار من بريطانيا الى تركيا    6 أحزاب تتضامن مع المنظمات غير الحكومية وتؤكد على حق المواطنين في تنظيم أنفسهم    "تاريخ أصول الفقه" كتاب جديد لمفتى الجمهورية السابق    فيورنتينا يحصد العلامة الكاملة بالفوز على باوك سالونيكا    محمد عساف يغني للقدس الاثنين المقبل    مصفاة البترول الأردنية تشترى 3.75 مليون برميل زيت غاز من "شل"    طبيب نفسى: معرفة سبب الاكتئاب الخطوة الأولى للشفاء    عمر المنوفي يقترب من الاهلي    غدا.. رولا خرسا تقدم حلقة خاصة على "صدى البلد"    تكريم عزت العلايلي وهالة فاخر في ختام مهرجان يوسف شاهين للأفلام القصيرة    بالصور| الكاتب محمود الكردوسي يحتفل بخطوبته على الإعلامية هند القاضي    الثوري المصري: لا نجاح للديمقراطية بدون الإسلاميين    "أفيكس مصر" تحتفل بذكرى تأسيس الأمم المتحدة    بروتوكول تعاون بين الصندوق الاجتماعي بالشرقية وكلية التكنولوجيا والتنمية بالشرقية    محافظ الاسماعيلية يشهد افتتاح ميدان 30 يونية بحي ثالث الاسماعيلية .    سقوط ربة منزل بحوزتها 45 قرصا مخدر بالمنيا    بالصور .. مسيرات بالمنصورة ودكرنس تندد بانتهاكات الانقلاب ضد المعتقلين    محافظ المنيا يفتتح المؤتمر العلمي عن «أمراض الكبد»    السيسي يستقبل طفل الغربية المريض بالسرطان    محافظة الاسماعيلية تكشف تفاصيل ازمة ارض فيديكو    صناعة الحياة.. هجرة !!    نحو مجتمع آمن مستقر    نيانت حكما للقاء مصر والسنغال    عامر حسين : مش مصدق ان الأهلى يطلب اقالتى من لجنة المسابقات    وزير الأوقاف: نحتاج لهجرة جديدة من البطالة والكسل إلى الإنتاج والعمل    اليونيسيف: مقتل طفل كل 5 دقائق خارج نطاق الحروب    «التليجراف»: «حمد» مرشح لخلافة «بان كى مون»    «علام»: اجعلوا السنة الهجرية بداية للعمل    تدريب 77 مدير مدرسة «داعمة»    خلل فنى فى «واتس أب» يتيح للقراصنة التسلل    لجنة لدراسة حالات أسر ضحايا الفيوم فى حادث أسوان    افتتاح شرطة «طامية» بعد الإحلال والتجديد    تحديات تواجه النساء فى طريقهن لخوض الانتخابات    ربط تقييم أداء رؤساء مدن وأحياء الدقهلية بنسبة تنفيذ الإزالات    «الرقابة المالية» ترحب بقرار «حماية المنافسة» ضد شركات التأمين    ديلى تليجراف: المرأة تقوم بضعف الأعمال المنزلية مقارنة بالرجل    تكريم رواد «طب الأسنان» ب«الإسكندرية»    المسرحيون الشباب يرفضون إلغاء التجريبى فى بيان جماعى    مفيدة عبد الرحمن أول عربية ترتدى «الروب الأسود»    بيت الرصيف    تطوير 18 مزلقاناً بالغربية    بالفيديو.. جمعة: يجوز للمرأة "حقن التجاعيد"بالوجه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

تاريخ الحركة الثقافية فى ليبيا إبان الاحتلال الايطالى
نشر في مصر الجديدة يوم 22 - 09 - 2009

يصف الدكتور خليفة التليسى الذى درس الحقبة التاريخية التى اعقبت الغزو الايطالى لليبيا بانها حقبة قاحلة من الناحية الثقافية قائلا بانه منذ اول يوم انزل فيه الايطاليون جنودهم على الشاطيء الليبى فى الخامس من اكتوبر عام1911 والى اليوم الذى اصدر فيه الوالى بادوليو اعلانه الشهير بانتهاء المقاومة عقب استشهاد عمر المختار فقد ترك الليبيون الكلمة للسيف وتخلوا عن قول الشعر لصالح الدخول فى معارك الجهاد ضد المستعمرين
كما جاء فى كتاب الاستاذ التليسى فى رحلة عبر الكلمات
اما الباحث الاكاديمى الاستاذ طه الحاجرى
فيصف الحالة الثقافية اثناء الاحتلال الايطالى لليبيا بان جهود الليبيين اتجهت للنضال وخوض المقاومة البطولية بحيث لم يبق وقت او جهد لاى شيء آخر عدا معارك التحرير
والحقيقة فان مثل هذا التوصيف ينطبق بشكل كامل على العقدين الأولين من حكم الإيطاليين بحيث تم القضاء فور وقوع الاحتلال على كل الإرهاصات والمحاولات التى كانت تحاول الاقتداء بمرحلة النهضة والتنوير فى المشرق العربى التى سبقت بسنوات قليلة الاحتلال الايطالي، والتى وجدت متنفسا بعد صدور الدستور العثمانى عام 1908 فانطلقت تعبر عن وجودها عبر عدد من الصحف التى صدرت خلال السنوات الثلاث التى سبقت الاحتلال مثل المرصاد والكشاف والترقى والرقيب وابى قشة والعصر الجديد وغيرها ،اذ توقفت كل هذه الصحف فور وقوع الغزو وغابت تلك الأقلام الكثيرة التى صدحت بارائها وافكارها عبر انهر تلك الصحف واختفى اغلبها عن الوجود ، ولم يبق من اشكال التعبير الادبى غير شكل واحد يتصل بالثقافة الشفهية ويجد مجالا للانتشار عبرها هو الشعر الشعبى ، وربما عدد قيل من القصائد الفصيحة التى لم تكن تجد وسيلة للنشر هى الاخرى غير الانتقال بالطرق الشفهية مثل قصائد الشاعر والمجاهد سليمان البارونى التى كان يرسلها لاصدقائه فى الخارج لحفظها واحيانا لنشرها فى صحف لا تصل طبعا الى ايدى اهل البلاد ، وكان البارونى رغم انهماكه فى قيادة معارك الجهاد يجد وقتا لقول الشعر الذى يؤ رخ لجهاده وجهاد الليبيين ، وواصل ابداعه الشعرى والادبى بعد ان ارغم على مغادرة البلاد ، الى حين وفاته منفيا وبعيدا عن الوطن عام 1940.
شاعر آخر ذا توجه دينى لارتباطه بتاسيس الزوايا والمدارس القرآنية فى ليبيا وعمقها الافريقى هو السيد محمد عبد الله السنى (1860-1929)
الذى احتوت اشعاره تسجيلا للمعارك التى خاضها سواء تلك التى كان يخوضها الليبيون تحت قيادة السيد احمد الشريف فى افريقيا او الاخرى التى خاضها الشاعر نفسه ضد الايطاليين فى جنوب البلاد .
لعل النشاط الثقافى الوحيد الذى حدث فى هذه المرحلة من مراحل الصراع المسلح بين اهل البلاد وعدوهم المحتل و الذى يستحق التسجيل لانه ظهر على ارض الواقع ليراه الناس وينتفع به اهل البلاد هو ذلك الذى حدث فى مرحلة الهدنة
التى اتفق عليها الجانبان الليبى والايطالى ما بين عامى 1918 و 1922 عندما اهتبل مثقفو البلاد هذه الفرصة وقاموا بتأسيس حزب الاصلاح الوطنى ومن خلاله سعوا الى بعث روح الحياة فى المشهد الثقافى المحلى فى طرابلس عاصمة البلاد ، حيث كان حزبا سياسيا ثقافيا انشأ مدرسة خاصة به تعتنى بتعليم الكبارومحو اميتهم مثل اعتنائها بتعليم الصغار وانشأ النادى الأدبى الذى تولى الاشراف عليه الشاعر الاستاذ احمد الفقى حسن ، وما ان صدر فى يونيو عام 1919 القانون الايطالى الذى اتاح لليبيين بعض الحريات المدنية وبعض الحكم الذاتى المحدود حتى اصدرت هذه المجموعة المنتمية للحزب جريدة كانت لسان حال الحركة الوطنية فى تلك المرحلة هى صحيفة اللواء الطرابلسى التى ترأس تحريرها الصحفى الليبى عثمان القيزانى وكان ابرز كتابها وشعرائها الشاعر احمد قنابه وجليا ظهرت من خلالها الروح الوطنية والشخصية العربية الاسلامية لحركة المقاومة الليبية التى اتخذت فى هذه المرحلة طابعا سياسيا وقد نشرت اللواء الطرابلسى مقالات لكتاب وقادة مثل سليمان البارونى والمجاهد والمثقف المصرى الذى بقى فى ليبيا يؤازر المجاهدين الليبى عبد الرحمن عزام وكان له سهم وافر فى تحرير الوثائق الخاصة بالجمهورية الطرابلسية وكانت الصحيفة صوت الليبيين شرقا وغربا وجنوبا وشمالا تعبر عن كل فئات الشعب الليبى وتنشر لابناء الشرق كما تنشر لشاعر من اهل الولاء للجغبوب مثل محمد عبد الله السنى وتعمل بقوة من خلال هذه الاشعار والمقالات على تعميق الوعى باللحمة التى تربط اهل البلاد وفضح المخططات الاستعمارية ونشر ثقافة النضال والمقاومة ضد المستعمرين وواصلت الصحيفة وواصل حزب الاصلاح الوطنى نشاطهما على مدى ثلاث سنوات كانت من انشط واخصب السنوات فى تاريخ البلاد الثقافى خلال تلكما العقدين من الاحتلال الايطالى للبلاد . وبالاضافة الى جريدة اللواء صدرت جريدة اخرى هى الوقت لصاحبها محسن ظافر والتى كانت شديدة الهجوم على الادارة الاستعمارية وفاجأت اهل البلاد بقوة تعبيرها عن الروح الوطنية الرافضة للمستعمرين ، كما يقول احد مؤرخى تلك الفترة الاستاذ احمد راسم قدرى وتوقفت الصحيفتان وانتهت الجمهورية واقفل حزب الاصلاح الوطنى عندما نقض الايطاليون الهدنة وعاودوا القيام باعمالهم العسكرية ضد الليبيين وذلك عشية استيلاء الفاشيين على روما واستلامهم زمام السلطة فى ايطاليا عام1922 بقيادة الزعيم الفاشى بينيتو موسيلينى .
جريدة اسمها العدل لصاحبها المحامى عبدالله زكى بانون اتخذت اسلوبا مهادنا للسلطة ضمن لها الاستمرار فى الصدور ، كما ضمنت ذلك صحيفة بريد برقة التى اصدرها الايطاليون فى بنغازى لتكون صوت الاحتلال ، وقد استمرت هى ايضا فى الصدور تحت الادارة الايطالية الفاشية وكانت هاتان الصحيفتان العدل فى طرابلس وبريد برقة فى بنغازى من الصحف القليلة التى واصلت الصدور حتى نهاية الحكم الايطالى لليبيا ، صحيفة ثالثة كانت اكثر استقلالية منهما هى صحيفة الرقيب العتيد
التى اصدرها الشيخ محمود نديم بن موسى قبل الغزو ، أى ابان العهد العثمانى تحت اسم الرقيب ، ثم هرب بها الى اسطنبول فى مراحل الغزو الاولى واصدها فى اسطنبول ، وعاد اثناء الهدنة لاصدارها فى طرابلس واستمر بها دون دخول فى صراع مع سلطات الاحتلال معطيا اهتمامه للجوانب الاخبارية والثقافية والاجتماعية وكانت الصحيفة الوحيدة التى سخرت صفحتها الاخيرة للقضايا الادبية والفكرية ونشر المقالات ذات الطابع القصصى والاخرى التى تعنى بالشعر والفنون ، كما كانت تتيح لبعض الادباء فرصة الظهور بمقالاتهم واشعارهم على صفحاتها بحيت كانت هذه الصحيفة هى النافذة الوحيدة للعمل الثقافى خلال فترة العشرينات التى كانت احلك مراحل الفترة الاستعمارية ولم تكن تستطيع بطبيعة الحال ان تجرؤ على نشر القصائد النضالية التى يكتبها الشعراء والتى كان يتداولها الناس سرا كتلك التى بدأ يكتبها شاعر فتى هو الذى اكتسب فيما بعد وعن جدارة اسم شاعر الوطن، الا وهو احمد رفيق المهدوى (1898-1962 )وقد عاد الى الوطن عام 1920بعد ان غاب عنه ، مقيما مع عائلته فى الاسكندرية اكثر من عقد من الزمان ،استكمل فيها تعليمه وصقل موهبته وصار مؤهلا لان يعير صوته ولسانه للقضايا الوطنية، وكان اول هدف استقطب شعره الهجائى الساخط كيانا سياسيا انشأه الايطاليون اسمه حزب الدستور العربى لاستغلال الحس العربى لدى الناس واستخدامه فى مواجهة الاتراك الذين يقدمون عونهم للمقاومة الوطنية مدعين ان الايطاليين جاءوا لتحرير ليبيا من الاتراك وكان الكيان الثانى هو جريدة بريد برقة التى استخدم فيها المستعمرون عناصر من اهل البلاد للعمل ضد التوجهات التحررية لابناء بلادهم ، فكان ما يثير سخط الشاعر هو ان يرى ليبيين عربا يضعون انفسهم بمذلة ومهانة ادوات فى ايدى المستعمرين وكان لقصائده تأثير كبير لفت اليه انظار المستعمرين واعوانهم واثار سخطهم وغضبهم عليه ولذلك فقد آثر فور وصول الفاشست الى الحكم ان يغادر البلاد خوفا على حياته ويرحل الى منفاه الاختيارى بتركيا.
شاعر اخر كان معاصرا لرفيق ، وسابقا له فى قول الشعر والمساهمة فى الحركة الوطنية هو احمد الشارف الملقب فيما بعد بشيخ الشعراء(1872-1959) وقد دخل السجن على ايدى الايطاليين وكان له دور مهم فى تأسيس الجمهورية الطرابلسية ولم يهادن فى شعره الايطاليين الا بعد ان انتهت المقاومة وسيطر الايطاليون سيطرة كاملة على حكم البلاد فى ايام الوالى ايتالو بالبو الذى سعى الى استيعاب الناس واستبدل سياسة جريزيانى التى كانت قائمة على الاستئصال الى سياسة الاستقطاب والاحتواء.
شاعر ثالث لعب دورا مهما فى تنشيط الحركة الثقافية هو احمد الفقى حسن ( 1872-1959)) واليه يرجع الفضل فى تأسيس النادى الادبى الذى اسلفنا القول عن دوره ومكانته فى المجتمع والذى جاء اقفاله مع سيطرة الحزب الفاشى على الحكم حيث توارى احمد الفقى حسن عن الانظار ولم يظهر له اثر الا بعد الحرب العالمية الثانية ليستأنف دوره فى بناء الحياة السياسية والثقافية لبلاده فيما بعد المرحلة الايطالية . ومن نافلة القول ان الشعر فى هذه المرحلة لم يكن يعتنى اعتناء كبيرا بالجوانب الجمالية وماهية الشعر بقدر اعتنائه بالرسالة التحريضية التوجيهية التى تتصل باذكاء مشاعر الحماس والوطنية ودفع الناس لللانضمام الى المقاومة والنضال ضد المستعمرين وتعرية النماذج التى تسخر نفسها لخدمة الاعداء وفضحها وادانتها .
لم يكن هناك وجود لعلاقات ثقافية لليبيا مع الوطن العربى او العالم الخارجى غير ايطاليا فقد اغلقت ايطاليا كل منافذ العلم والثقافة التى يمكن ان تاتى من الشرق العربى ، خاصة بعد مجيء الفاشست ، لان الرقابة قبل هذا العهد كانت اقل وطأة بحيت تستطيع بعد الصحف المصرية الوصول الى القاريء الليبى وكانت الصحف تتفاعل مع نصوص تنشرها الصحف المصرية او معارك تدور فوقها وتنقل قصصا لكتاب مثل المنفلوطى وغيرهم كما كانت تفعل اللواء الطرابلسى ولكن مع السور الذى كان يبنيه جريسيانى على الحدود ليمنع أى اتصال عبر الحدود الليبية المصرية كان هناك حائط اخر معنوى تبنيه الرقابة لمنع أى تواصل ثقافى وكانت بعض الصحف تحاول ان تملا الفراغ عن طريق الترجمة من الايطالية كما فعلت صحيفة العدل عندما نشرت فصولا من الكوميديا الالهية على حلقات بدءا من ديسمبر 1928 لمترجم لبنانى يعمل فى ليبيا مع الايطاليين تحت عنوان الرحلة الدانتية للممالك الالهية وصدر بعد ذلك فى كتاب لعله الكتاب الادبى الوحيد الذى صدر فى ذلك العهد.
استثناء واحد حصل لهذا الحضر او الحجر على التعامل مع الثقافة العربية فى المشرق العربى وشكل حدثا ثقافيا كبيرا واختراقا لسياسة الحصار والعزلة ، هو زيارة الفرقة المصرية المسرحية الشهيرة فرقة رمسيس برئاسة عميد المسرح العربى الفنان يوسف وهبى الى طرابلس عام1927 لعرض مجموعة من المسرحيات التى اشتهرت بها الفرقة على مسارح طرابلس ويصف الاستاذ احمد راسم قدرى الذى عاصر هذا الحدث بانبهار واندهاش ما حدث قائلا
بانه بدا على السطح ان الشعور بالاحساس القومى العربى قد انتهى ، وان الناس توقفوا عن التفكير فى شخصيتهم العربية وثقافتهم العربية وهويتهم العربية الى هذا اليوم يوم وصول فرقة يوسف وهبى للتمثيل لطرابلس عام 1927
,وظهور الاعلانات الكبيرة الملونة على جدران طرابلس تعلن عن اعمال الفرقة بلغة عربية ، وكلمات كتبت باسلوب جميل انيق لتلهب هذه اللوحات وهذه الكلمات المشاعر وتوقظ الاحاسيس العربية لان الناس كادوا ينسون ان هناك لغة عربية حية تقرأ وتكتب وان هناك اوطانا عربية حرة . كما كتب فى صحيفة الافكار فى الخمسينات وهو يستذكر اعوام الاستعمار البغيض.
وجاء عقد االثلاثينيات وقد احكم المستعمر الفاشستى قبضته باحكام على البلاد ، خاصة بعد الصدمة المرعبة التى تلقاها اهل البلاد بشنق عمر المختار واخماد آخر لهب للمقاومة فى الجبل الاخضر .وقد اجاد الاستاذ احمد راسم قدرى الذى كان كاتبا من كتاب الثلاثينيات تلك المرحلة فى وصف بؤس الحياة الثقافية والاجتماعية ، قائلا بان بان الحياة كانت رتيبة بكل معنى من المعانى تسودها مشاعر الاحباط والاستسلام الكامل لتصاريف القدر ، هذا الايمان بالقدر الذين يلومنا عليه الكتاب الايطاليون ويعتبرونه عيبا فى الاسلام ،هو الذى يجعل الناس يصبرون على حيف هؤلاء الايطاليين ويواصلون الحياة تحت ظلمهم وهم يرون حريتهم تنتزع منهم دون ان يكون باستطاعتهم عمل شيء لاستردادها . وكان العمل الادبى الوحيد الكبير الذى احتفى به الناس فى مطلع الثلاثينيات هو قصيدة شوقى فى رثاء عمر المختار حيث كان الناس يتناقلونها سرا كما يقول الاستاذ احمد راسم قدرى و يقرأها القاريء فى خوف ولكن بمقدار كبير من النشوة والشعور بالعزة والاستمتاع بالمعواطف النبيلة التى توحى بها القصيدة .
ثم جاء حدث ثقافى كبير عند منتصف الثلاثينيا متمثلا فى صدور مجلة ليبيا المصورة التى اراد بها الايطاليون الدعاية لنظامهم عن طريق الصحافة المصورة ولكن الادباء الليبيين استغلوها لتكون منبرا لاسهامتهم الادبية فى مجالات القصة القصيرة والمسرحية الادبية والبحث الادبى ولمع على صفحاتها ادباء تلك المرحلة ممن تركوا بصماتهم على الحياة الادبية حيث ظهرت على صفحاتها اشعار رفيق المهدوى وقنابة والشارف من المخضرمين كما ظهرت الومضات الاولى لكاتب حداثى مثل الاستاذ على صدقى عبد القادر والقصص لكتاب من امثال الاساتذان الرائدان فى هذا المجال وهبى البورى واحمد راسم قدرى ومسرحية عن عمر بن ابى ربيعة للاستاذ محمد الهنقارى وكتابات لكتاب اصبح لهم شان فى المستقبل مثل الاستاذ مصطفى السراج والاستاذ محمد بن زيتون والاستاذ محمد ابوبكر الهونى والاستاذ المهدى ابوحامدوعناصر نسائية مثل السيدتان حميدة العنيزى وخديجة الجهمى ، وقد لاحظ الاستاذ احمد راسم قدرى وجود ظاهرة جديدة ظهرت مع منتصف الثلاثينيات حيث كان هناك كتاب ضالعون فى الثقافة العربية ومعرفة التراث لا يجيدون اللغة الايطالية وادابها واخرون ضالعون فى الثقافة الايطالية وادابها ولا يجيدون معرفة التراث العربى ويقول ان الفريقان حاولا الاستفادة من بعضهم البعض
ويصف اسلوبه واسلوب بعض زملائه ممن اجادوا معرفة الثقافة الايطالية ورفدوها باللغة العربية بانه اقرب الى المدرسة المهجرية فى الكتابة التى كانت مدرسة جديدة فى الانشاء الادبي
بجوار هذه الجهود التى ظهرت على مستوى التعبير الادبى على ايدى بعض الكتاب كان هناك مجموعة من المثقفين يؤدون دورهم فى صمت بعيدا عن الاضواء من بين هؤلا مثقفون معروفون بادوارهم الظاهرة للناس قبل الاحتلال الايطالى وصاروا يعملون فى الظل اثناء الاحتلال مثل داود افندى الذى اصدر فى اواخر العهد العثمانى مجلة الفنون ذات المنحى العلمى ولكنه توقف بعد ذلك عن تحرير الصحف وتفرغ للتوثيق فى مصلحة الاملاك وصديقه وصهره مصطفى الكعبازى الذى اعاد فى مطلع العشرينات انشا ء مدرسة مكتب العرفان واستمرت بضع سنوات قبل ان يقوم الايطاليون بغلقها واسماعيل كمالى الذى واصل جهوده فى مجال التعليم والاعتناء بمؤسسات تعليمية مثل مدرسة احمد باشا والاستاذ احمد الفساطوى الذى كان صوتا ثائرا فى مطلع القرن يدق نواقيس التحذير من الزحف الايطالى قبل وصوله، فى صحيفته المرصاد ثم صرف جهوده للمجال العلمى وصار مديرا للمدرسة الاسلامية العليا والاستاذ الهادى لمشيرقى الذى اعتنى بجوانب ادبية وفنية وسياسية ولعب دور حلقة الوصل بين مثقفى الخارج والداخل وغير هؤلاء من مثقفى طرابلس خاصة من العلماء امثال عبد الرحمن البوصيرى ومحمود المسلاتى واحمد البدوى واحمد السنى ممن عاشوا مرغمين تحت الاحتلال ، يحاولون بذل ما يستطيعونه لخدمة قضية شعبهم فى غيبة كثير من اهل العلم والثقافة الذين ارغموا على ترك البلاد وعاشوا لاجئيين فى المهاجر العربية ، يحاولون من بعيد خدمة قضايا بلادهم كما فعل سليمان البارونى وسوف المحمودى وابنه عون و بشير السعداوى وخالد القرقنى وعلى بن عياد وابرااهيم الاسطى عمر وفوزى النعاس ومحمد فكينى واحمد زارم والطاهر الزاوى والفنان بشير فهمى فحيمه الذى كان يسجل الاغانى الليبية الوطنية ويذيعها فى تونس والمغرب المعربى وغيرهم كثيرون كثيرون ، اورد ذكرهم الشيخ الطاهر الزاوى فى كتابه اعلام ليبيا والاستاذ على مصطفى المصراتى فى كثير من كتبه مثل اعلام من طرابلس ولمحات ادبية من ليبيا وشخصيات فى الظل وغيرها.
فيما يخص النشاط السياسى والتعبير عن القضايا السياسية فقد بقى الامر داخل البلاد خاضعا لاقصى انواع الرقابة واساليب القمع والمنع حيث لا صوت يمكن ان يسمح له بالنفاذ معبرا عن حالة الضنك التى يعيشها الناس وفى حين اراد بعض الشعراء مثل احمد قنابة واحمد الشارف كتابة قصائد الاستعطاف والاسترحام لكى تاخذ الايطاليين الرحمة برعاياهم الليبيين خاصة فى تلك القصاد التى كتباها لمخاطبة الدوتشى الايطالى موسيلينى عند زيارته لليبيا فان شاعرا كبيرا مثل احمد رفيق المهدوى ظل رغم عودته للبلاد وحياته تحت القوانين الصارمة التى تمنعه فى الكلام غير المباح ، غير قادر على كبح مشاعره الوطنية ، خاصة وهو يرى الاساليب الاستعمارية التى يمارسونها مع النشأ الجديد فى ارغامهم على الولاء لايطاليا فيفرضون عليهم تلاوة الاناشيد الفاشية او الانضمام لفتية الحزب الفاشى ، وجاءت اللحظة التى تفجرت قريحته الشعرية بتلك القصيدة ذات الطابع الملحمى التى تصور مشاعر طفل من هؤلا ء الاطفال ممن يابون الانصياع لاساليب الاحتواء والتحاول على كسب الولاء لان هذا الطفل نفسه كان ضحية من ضحاياهم عندما فتكوا باهله وشنقوا والده ولهذا فهو لا يملك ازاء المستعمرين الطليان غير مشاعر الانتقام ، وصاغ هذا الموقف فى قصيدة اسماها غيث الصغير ، لم يكن ممكنا نشرها فوق صفحات الجرائد ولكنها انتشرت بين الناس كما يقول احمد راسم قدرى مثل السنة النار فى الهشيم ، ورغم وجود قصائد اخرى يتداولها الناس سرا ، فان هذه القصيدة بالذات فتن بها اهل البلاد وصاروا يتناقلونها من يد ليد ويكتبون منها النسخ ويحفظونها عن ظهر قلب لتلاوتها فى المجالس الخاصة لانها كات تعبيرا صادقا عما يحس به الليبيون .
كان طابع العزلة هو ما ميز عقدى العشرينات والثلاثينات ورجع عامة الناس الى عاداتهم وتقاليدهم وفلكلورهم ومدارسهم القرآنية يبحثون فيها عن مساحة للتحقق وارضاء الحاجة الانسانية للتعبير عن الشخصية والهوية ولكنها مساحة ضيقة لا تتيح فرصة للنمو والتطور والتحديث الذى تحتاجة المجتمعات وهو امر لم يتاتى حدوثه للمجتمع الليبى الا بعد ان انتهى كابوس الاستعمار الايطالى مع الحرب العالمية الثانية التى تفجرت عام 1939لتضع ليبيا كلها فى وسط الميدان الذين يتبادل فيه المتحاربون اطلاق النار وتنتهى فى بواكير عام 1943 الحرب على الجبهة الليبية باندحار الايطاليين وخروجهم من ليبيا لتطوى صفحة من صفحات التاريخ وتظهر امام الليبيين مرحلة جديدة من مراحل الكفاح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.