الفشل الذي لاحق الحوار الفلسطيني من جولة إلي أخري، أفقد المواطن الفلسطيني الأمل في انفراجة قريبة تحلحل الأزمة المستعصية بين حركة حماس منذ ما يقرب من العامين، فلازال ملف الحكومة عالقاً ولم يتم ايجاد معالجة له، إذ تعتبر قضية الحكومة هي النقطة الوحيدة العالقة وحماس ترفض إطلاقاً التزام الحكومة الاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير، رغم أن الاساس أن أي حكومة فلسطينية شكلت في السابق، أو ستشكل هي نتاج للاتفاقات السياسية الموقعة مع المنظمة التي هي المظلة السياسية لمؤسسات السلطة. آخر المطروح حالياً هو حكومة وفاق وطني خلال المرحلة الانتقالية تحافظ علي الثوابت الفلسطينية وتخفف المعاناة عن الشعب الفلسطيني بكسر الحصار، ورغم أن مهمات هذه الحكومة محددة، إلا أن حماس ترفض ذلك، والأمر يحتاج إلي حل خلاق ومبدع يحقق هذا التوازن وهذه التعقيدات دعت الرئيس محمود عباس بألا تكون الحكومة فصائلية، ويمكن لها أن تتعاطي مع العالم الذي يجب أن يعترف بها حتي تتمكن من القيام بأعمالها، وعلي رأسها رفع الحصار وإعادة إعمار غزة، وإذا استمرت حماس علي موقفها الرافض كلمة التزام عوضاً عن احترام وأصرت علي عدم اعتراف الحكومة بإسرائيل وهو المرتقب والأكثر ترجيحاً، فإن الرئيس عباس قد يضطر إلي تشكيل حكومة جديدة في غضون عشرة أيام أي قبل زيارته المرتقبة لواشنطن تلبية لدعوة الرئيس باراك أوباما. من وجهة نظر السلطة والرئيس عباس فإن تشكيل حكومة جديدة لن يعني توقف الحوار الوطني، وفي حال نجح الحوار، فإن أي حكومة قائمة ستقدم استقالتها فوراً للرئيس لصالح حكومة وفاق، ومن وجهة نظر حماس فإن أي حكومة لم يتم المصادقة علي برنامجها في المجلس التشريعي لن تكون شرعية ولا قانونية ولا دستورية وستعزز الانقسام وتتجاوز الاستحقاق الشرعي، كما أن حماس لن تتعامل مع أي حكومة لم تتم المصادقة علي برنامجها من المجلس التشريعي. لقد زادت تباينات المواقف السياسية المعلنة من قبل السلطة وحماس الأمور تعقيداً، بعد أن تسربت معلومات حول اعتزام الرئيس محمود عباس تشكيل حكومة موسعة في حال فشلت الجولة الرابعة من الحوار والتي لم تسفر عن أي تقدم يذكر حتي الآن، فالمشاورات بدأت ومستمرة بشأن هذه الحكومة وتقرر فيها أن يخرج وزراء ويبقي وزراء ويدخل وزراء علي أن يزيد عدد الوزراء علي "20". وبحسب المعلومات فإن خلال عشرة أيام علي الأكثر سيتم الإعلان عن الحكومة ومن أبرز ملامح الحكومة الموسعة أن تشارك فيها فتح وكذلك من يرغب من فصائل منظمة التحرير، وكان تشكيل حكومة موسعة قد تأجل عدة مرات بانتظار إنجاح الحوار، لكن هذا الحوار حتي الآن لم ينجح. ومن المرجح أن يشكل الرئيس عباس هذه الحكومة بعد جلسة الحوار المقررة في القاهرة منتصف الشهر الجاري، استكمالاً للجولة الرابعة من الحوار والتي انتهت أعمالها نهاية الشهر الماضي ولم تسرف عن تقدم يذكر، والحجة التي تسوقها السلطة أن هناك حكومة مستقرة ولا يمكن أن تبقي البلاد من غير حكومة، بينما يري إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة في القرار الذي اتخذه عباس بتشكيل حكومة موسعة جديدة مزيداً من العقبات أمام الحوار الفلسطيني، فمن وجهة نظره الجولة الرابعة في الحوار حققت بعض التقدم، وأن أحد الضمانات للوصل إلي أي اتفاق هو إعادة ترتيب منظمة التحرير الفلسطينية علي أسس جديدة وبناء مؤسساتها بما يكفل تمثيل كل القوي بعيداً عن الضغوط الخارجية والتدخل الخارجي الذي يقف عقبة أمام امكان تحقيق وفاق وطني فلسطيني. ومن الواضح أن الطرفين قررا الاستعداد لتشكيل حكومتين موسعتين الأولي مقرها رام الله بقيادة السلطة، والثانية غزة بقيادة حماس في حال فشل جولة الحوار الوطني المقبلة، فالرئيس عباس يعتزم تكليف الدكتور سلام فياض تشكيل حكومة موسعة من الفصائل وحماس تعد لتوسيع حكومتها بشخصيات مستقلة وفصائل في حال أقدم عباس علي تشكيل حكومة جديدة، وبين هذا وذاك ينحصر أفق وطموح الشعب الفلسطيني وبالتدريج بدأ يتواري ويتقلص حتي أصبح غاية ما يأمله حل العقدة، وفي أي تجاه، وعلي الرغم من أن تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة فياض مرتبطة بنتائج جولة الحوار المقبلة والأخيرة فإن فياض يبقي خيار الرئيس عباس الأول لتشكيل الحكومة الجديدة مهما كانت نتائج الحوار إذ يري الرئيس عباس أن فياض هو الأقدر علي تشكيل حكومة قادرة علي القيام بالمهمات المطلوبة منها وهي إعادة إعمار قطاع غزة والتحضير للانتخابات المقبلة، وإدارة مؤسسات السلطة، فيما يتواصل الحوار مع حماس للاتفاق علي الانتخابات المقبلة علي أقل تقدير، غير أن فياض وضع شرطين لقبول تشكيل الحكومة الجديدة الأول أن تحظي بدعم كامل من الحزب الحاكم "فتح"، في إشارة إلي الإضرابات التي نفذتها اتحادات العاملين في السلطة ضد حكومته والتي يعتقد أن مراكز قوي في الحركة تقف وراءها، والثاني أن يختار وزراءه من المهنيين من بين مرشحي الفصائل وليس من مراكز القوي. وأي كانت رغبة الرئيس عباس، وشروط الدكتور فياض فإن حركة حماس لن تقبل المشاركة في أي حكومة جديدة يشكلها الرئيس عباس وستعتبرها غير شرعية، وبدأت في اتخاذ إجراءات مضادة لقرارات رام الله المتوقعة بتوسيع حكومتها القائمة برئاسة إسماعيل هنية، وهي بدورها تجري أيضاً اتصالات مع فصائل وشخصيات مستقلة للانضمام إليها. هذه المؤشرات لا تبشر بقرب التوصل إلي نهاية للخلافات القائمة بين فتح وحماس من جهة وبين السلطة وحماس من جهة أخري، بل تعزز تشاؤم الشارع الفلسطيني بفرضية أن الانقسام بات واقعي لا يقبل التأويل وأن جولات الحوار الخاطفة في القاهرة ما هي إلا فسحة تقوم بها القيادات في الخارج لكسر حدة الحصار والاستجمام والترويج عن النفس!!..