تأجيل الطعن على تأسيس «الصف» المصري ل18 فبراير    88 حالة غش في ختام الأسبوع الثاني من امتحانات جامعة المنيا    وزير الزراعة من برلين: نسعى لتوطيد العلاقات المصرية الألمانية (صور)    وزير الصناعة يفتتح مؤتمر دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعد غد الاثنين    الفاصوليا ترتفع 4 جنيهات لتباع ب14 في سوق الجملة    مطار القاهرة يستقبل وزيرة الاستثمار بعد مشاركتها فى منتدى "دافوس" بسويسرا    وزير النقل يتفقد مشروع طريق شبرا بنها    وصول 591 راكبا لميناء نويبع وتداول 102 شاحنة    الملا: نستهدف زيادة معدلات إنتاج مصر من الغاز الطبيعي تدريجيا    أبو الغيط: على جميع الأطراف الليبية اللجواء للحوار السياسي    ترامب يوقع مرسوما تنفيذيا ضد قانون التأمين الصحي "أوباما كير"    الرئيس الجامبي وافق على التنحي ومغادرة البلاد    آلاف الأستراليين في "ملبورن" يتظاهرون احتجاجا على تنصيب"ترامب"    مقتل 46 مسلحًا من "داعش" شمالي سوريا    رئيس "الحركة القومية" التركي: أتمنى أن يعود تغيير نظام الحكم إلى الرئاسي بالخير على الشعب    «العربية»: مقتل إرهابيين في عملية أمنية سعودية شرق جدة    محمود معروف: النني يلعب في ''مركز شباب أرسنال''.. و''كهربا'' ضروري أمام أوغندا    الأهلي يحاول إنهاء أزمة تجنيد "الشناوى".. و"ميدو جابر" يتمسك بالرحيل    رقم قياسي جديد في إنتظار "الحضري" أمام أوغندا    مواعيد مباريات اليوم في دور ال16 ب«مونديال اليد»    "تعليم جنوب سيناء: امتحانات اللغة العربية ل"الابتدائية" و"الإعدادية" من المقرر    تأجيل جلسة إعادة إجراءات محاكمة متهم ب"أحداث ماسبيرو الثانية" ل28 يناير    بالأسماء.. قائمة الأدوية المحظور دخولها الدول العربية    ضبط تاجر بحوزته 12 طن أرز مدعم قبل بيعها في السوق السوداء بالفيوم    ضبط مسجل خطر متخصص في سرقة بطاريات السيارات بالشرقية    حبس عاطل لحيازته 8 لفافات بانجو بالشرقية    بالفيديو| شيرين ل"تامر حسني": استمتعت بالغناء معاك    "أخضر يابس" أول تواجد مصري في مهرجان أسوان بعد غياب 17 عاما    الصحة: مسح طبى شامل ل "فيروس سى" فى محافظات الصعيد    سكر الحمل يزيد من مخاطر اكتئاب ما بعد الولادة    المدير الفني لمنتخب المغرب: سعادتى لاتوصف بالفوز على توجو 3-1    الجولة 17 لدوري القسم الثاني تنطلق بعد غد الإثنين    مصرع طفل انهار عليه سقف المنزل بسوهاج    نائب: الاستثمار في الفلاح المصري أمن قومي    دسوقي: تحويل محطتي الشباب وغرب دمياط للعمل بالغاز لمواجهة الأحمال المتزايدة    عماد الدين حسين: العالم لا ينتفض ضد الإرهاب    خالد علي ينشر وثيقة سعودية تؤكد مصرية "تيران وصنافير"    ارتفاع حصيلة ضحايا الاعتداء في باكستان إلى 20 قتيلا    "صحة الدقهلية" يصدق على اتفاقية بين قسم الكلى بمستشفى المنصورة الدولى وجامعة شيلفد بإنجلترا    "الصيادلة" تطالب باستقالة وزير "الصحة"    راغب علامة: ولائى وانتمائى ل"الجيش اللبناني"    «إسكان النواب» تناقش تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي غدا    قائمة الوزراء الجدد أمام الرئيس نهاية الشهر    عودة الحركة لطبيعتها‎‎ أعلى كوبري أكتوبر    النمنم يعود إلى القاهرة بعد مشاركته في حفل ثقافي بالصين    شاهد.. البرادعي: مكالمتي المسربة مع "مسئول أمريكي" كانت بطلب من المجلس العسكري!    ثنائية ليفاندوفسكي تتوج بايرن بلقب الشتاء    20 صورة ترصد نجوم الفن والإعلام في حفل أنغام    سبت الليجا.. الريال يتطلع لاستعادة توازنه    اليونسكو: 90% من البلدة القديمة في حلب دمرت وتضررت    فوز المستشار سمير البهي برئاسة نادي قضاة مجلس الدولة    حظك اليوم برج الأسد ليوم السبت 21/1/2017 على الصعيد المهنى والعاطفى والصحى..لا تدع الأفكار السلبية تؤثر على روحك    أكشن    قرآن وسنة    الأنوف المتصارعة وصناعة البهجة    جودة بركات: الانتهاء من ترجمة «السيرة النبوية» إلى العبرية    وزير الأوقاف يؤدي صلاة الجمعة بمسجد الميناء في الغردقة (صور)    الطلاق على طريقة هدف أبو تريكة فى الصفاقسى.. مأساة1400 سيدة طلقهن أزواج على فراش الموت لحرمانهن من الميراث..80% من الحالات "زوجة ثانية" و20% "أولى".. ومطلقة: خدمته 14 عاما كنت ممرضة وزوجة وأم وغدر بيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. محمد السيد سعيد يحلل أسباب تراجع وفشل المجتمع المصري في إنجاز ديمقراطيته
نشر في الأهالي يوم 06 - 08 - 2010


البنية التشريعية للاستبداد في مصر تسد منافذ الحرية
يعتقد كثيرون أنه سيكون من المستحيل استعادة ثراء البنية التنظيمية المدنية في مصر دون انجاز تحول ديمقراطي جذري.. لا يزال الحق في التنظيم كحق انساني يتعثر في مصر بسبب مصيدة أو شبكة التشريعات المذهلة المعادية للحريات العامة.. البنية التشريعية للاستبداد في مصر تسد منافذ الحرية عن طريق تنوع وسائل العقاب في غابة التشريعات المؤذية.
التحول إلي الرأسمالية الطفيلية يضمن بذاته تدميرا شاملا للتضامن الطبقي والبنية الطبقية، إذ توقف التصنيع، وباتت الطبقة العاملة المنظمة في نقابات تشكل نسبة بسيطة من الطبقة العاملة ككل.
فشل المجتمع المصري في مقاومة التدمير يرجع إلي العدوان المنهجي المنظم الذي شنته ثورة يوليو منذ أيامها الأولي ضد كل أشكال التنظيم والتعبير المدني المستقل.. لم يحدث أن تدهورت في مصر البنية المؤسسية للمجتمع كما يحدث الآن منذ عصر المماليك.
في مصر تعرضت المؤسسات الاجتماعية والمدنية البحتة لتصدعات شديدة تتجاوز بكثير ما تعرضت له من ضربات سياسية خلال فترة التحول إلي الانفتاح الاقتصادي الفوضوي.
رغم الانتعاش النسبي الآن لحقه التنظيم وبالذات في الإطار الجمعياتي، فالواقع الذي يعيشه المجتمع المدني مهلهل تماما.
التنظيم ليس فقط حقا، بل شرطا لا غني عنه علي الاطلاق لنشأة المجتمع المنظم، إذ يمكن عن طريق التنطيم وحده القيام بمئات وآلاف الوظائف الاجتماعية الضرورية لبقاء المجتمع وازدهاره.
أملي الشرط الاستعماري الطويل حرمان المصريين من الحق في إنشاء روابط حرة، وبصورة عامة من الحق في التنظيم حتي دستور 1923، وخلال أكثر من ألف سنة لم يتمتع المصريون سوي بالحق في تأسيس وعضوية الجمعيات والتنظيمات الصوفية والوكالات التجارية، وقامت هذه الجمعيات بأدوار دينية بحتة ولكنها أيضا قامت بتقديم قنوات للدعم الاقتصادي المتبادل بين أعضائها الأثرياء والموزعين في شتي المجتمعات العربية، وقامت الوكالات التجارية بأدوار اقتصادية بحتة عندما تمتعت ببعض العافية، في ظروف اتسمت لقرون طويلة بالفوضي والتعسف في إدارة الشئون التجارية والنقدية للبلاد.
أما الريف فكان محروما تماما تقريبا من أي شكل من أشكال التنظيم سوي العلاقات القرابية، ولذلك ترك الريف تحت رحمة العدوان الدوري للعصابات البدوية المسلحة، إذ لم توفر السلطات المملوكية والعثمانية الحماية الكافية للقري، كما أن حرمان هذه القري من حق التنظيم، ومن حق حمل السلاح بالذات، جعلها معرضة للاجتياح في أي وقت.
هذا التاريخ الإقطاعي الشرقي تميز حتي عما تمتع به الفلاحون الأوروبيون في العصور الوسطي، ويلاحظ من ناحية أخري أن تكوين قلاع اتسعت إلي مدن في العصور الوسطي الأوروبية المتأخرة، كان ابتكارا للحماية من العسف الإقطاعي، وشكل بداية تطور الرأسمالية، وحتي قبل أن تكون هذه الطبقة البرجوازية، كانت هناك مئات من الروابط الاقتصادية والتجارية تقدم أشكالا مختلفة من الحماية والقدرة علي المقاومة للتجار الأوروبيين.
الدولة الغازية ومشروع الحداثة
لأول مرة تمتع المصريون فعلا بالحق القانوني في تكوين الروابط الأهلية في دستور 1923، ورغم أن الدستور لم يميز بين مختلف الروابط، وأهمل بالذات الحق في تكوين النقابات الحرة، فإن الممارسة الفعلية كانت قد سبقت الدستور والقانون، إذ انتشرت أنواع مختلفة من التنظيم منذ سبعينيات القرن التاسع عشر من الجمعيات الخيرية حتي الصالونات الأدبية، وبدءا من قرب نهاية القرن التاسع عشر بدأت أولي التعبيرات عن التنظيم النقابي، ومن الطريف أن النقابات العمالية في ذلك الوقت، مهما تكن بدائية، سبقت الروابط التي تجمع وتنظم مصالح الرأسمالية، مثل الغرف التجارية ولجنة الصناعة والتجارة.
وخلال العصر الليبرالي انبثق مجتمع مدني مدهش ومتنوع، ليس فقط لأن أساسه الاقتصادي كان هشا، بل أيضا لأن المصريين لم يكونوا قد تمتعوا بتراث طويل في التنظيم، وليس من العجيب في هذا الإطار أن المقهي قام بدور ما في التنظيم، علي الأقل من حيث المناقشات والمناظرات السياسية التي انتقلت أحيانا من أروقة الأحزاب إلي المقاهي.
هذا المجتمع الليبرالي كان ينمو جنبا إلي جنب مع الدولة، فرغم كل شيء كان التنظيم الفني للدولة يتحسن أيضا، وإن ببطء بالمقارنة بطموحات النهضة.
بكل أسف فإن هذا المجتمع المدني تعرض للإخضاع بوسائل القهر ووسائل أخري بعد ثورة يوليو 1952 - وهو أمر ستكون له عواقب وخيمة بعيدة المدي، كما سنري فيما بعد - حيث عومل هذا المجتمع بطريقة تشبه العلاقة الاستعمارية، وكأننا عدنا أو مهدنا للعودة إلي عصر المماليك، وخاصة بعد انهيار الجانب التقدمي في النظام السياسي الذي أسسته ثورة يوليو.
ورغم الانتعاش النسبي الآن لحق التنظيم، وبالذات في الإطار الجمعياتي، فالواقع الذي يعيشه المجتمع المدني مهلهل تماما، وهو ما يثير عددا من القضايا الجديرة بالنقاش المتعمق، وثيق الصلة بالطبع بالجوانب القانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وقبل أن نعرض لبعض هذه القضايا، من المهم أن نفهم حق التنظيم سواء كحق من حقوق الإنسان أو كإنجاز تاريخي.
الواقع أن الحق في التنظيم يكاد يكون شرطا للحضارة ولذات معني المجتمع، ويستحيل أن يوجد مجتمع بدون أن تربطه ببعضه البعض أشكال متعددة من المنظمات والمؤسسات مهما تكن أولية أو بدائية، وبهذا المعني، فالتنظيم ليس فقط حقا، بل هو شرطا لا غني عنه علي الإطلاق لنشأة المجتمع المنظم، إذ يمكن عن طريق التنظيم وحده القيام بمئات وآلاف الوظائف الاجتماعية الضرورية لبقاء المجتمع وازدهاره.
ومن ناحية أخري فالتنظيم الاجتماعي، وخاصة المتقدم نسبيا، له ضرورة مطلقة لمقاومة عسف وقهر السلطات العامة «الوطنية» ومناهضة الاستعمار، وتشكل التنظيمات السياسية بالطبع أرقي مستويات التنظيم الاجتماعي، وأكثرها قدرة علي إنتاج المقاومة، أو بوجه عام إنتاج مستوي من الممارسة السياسية يتسم بالتوازن بين سلطات الدولة والمجتمع الواسع.
بالطبع كانت هذه القضية صراعية بصورة دائمة في العالم قبل العصر الديمقراطي، ولذلك ساد قانون عام: فمرحلة المقاومة في تاريخ الشعوب تتسم بمحاولة بناء نسيج قوي من التنظيمات الاجتماعية والسياسية، ومرحلة سيادة القهر الاستعماري «داخليا كان أم خارجيا» كانت تحتم حرمان الشعوب من كل صور التنظيم بقدر ما تستطيع، وفي هذه الحالة تسود حالة من التحلل والنزعة المعادية للمجتمع، وينهار الضبط الاجتماعي الحقيقي، مما يشيع الجريمة كأسلوب إنتاج وتوزيع.
في القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت ثورة في مستوي التنظيم المدني: الاجتماعي والسياسي، وقد أتاحت بل أجبرت الرأسمالية مختلف الفئات، وخاصة الفئات المهنية والطبقية العاملة، علي بناء منظماتها الحرة النقابية والمهنية والعامة.
لم تتمتع البشرية من قبل بمستويات التنظيم التي تتمتع بها الآن، ومع ذلك فإن فعالية هذا التنظيم في ضمان المشاركة الجماهيرية والتعبير عن المصالح، والقيام بوظائف الضبط الاجتماعي صار موضع شك كبير.
إذ تقع قضية الحق في التنظيم في قلب عملية تشكل وتحول الدولة، بل يستحيل فهم طبيعة الدولة بدون فهم موقفها من قضية التنظيم، ويمكننا أن نميز هنا بين الدولة الغازية التي تولي اهتماما كبيرا لتدمير أو إخضاع التنظيم المدني والسياسي للمجتمع لسلطاتها، وبين الأمل في مشروع بناء دولة حديثة، وتنظر إلي تطور مؤسسات المجتمع المدني كجزء لا يتجزء من رقيها الذاتي.
وفي مصر، ربما لم يحدث أن تدهورت البنية المؤسسية للمجتمع كما يحدث الآن منذ عصر المماليك وبتعبير آخر، فالرأسمالية المعولمة تسمح وربما تشجع علي بناء المؤسسات الشعبية في مجتمعات شتي، ولكن التحول الرأسمالي في مصر أسهم في تدمير ما بقي من إرث مصر من التنظيمات القاعدية والمؤسسات المدنية.
وفي اعتقادي أن هذا الواقع يعكس أولوية العامل الاقتصادي موضوعيا، ولذلك سنتحدث عن هذا العامل بسرعة في البداية ثم ندلف إلي العامل الثقافي، ومن ثم إلي العاملين السياسي والقانوني.
أولا: العامل الاقتصادي
مثل تطور الرأسمالية القوة الدافعة للتنظيم النقابي، ونصت القوانين الأمريكية منذ القرن التاسع عشر - ورغم العداء للنقابات - علي الحق في التنظيم النقابي، وهو ما عززه التعديل الأول للدستور، والحقيقة أن المجتمع الأمريكي شديد الثراء من حيث البنية المؤسسية، فثمة رابطة قوية لكل هدف أو مصلحة تقريبا والتفسير السليم لهذه الظاهرة هو قوة العادات الثقافية، ومع ذلك نلاحظ ميل البنية المؤسسية للمجتمع إلي التحيز الشديد لصالح الروابط المدنية والمكانية والخيرية، وتأتي الأهداف السياسية متأخرة، ومع ذلك فهذه الروابط تجتمع معا في بنية مؤسسية شاملة وقديمة هي «التاون هول».
ويشكو المجتمع الأمريكي مع ذلك من أن القوة الحقيقية للروابط قد تراجعت، ويكفي للدلالة علي ذلك، تعاظم ضعف النقابات والتي لا تضم سوي 1.7% من قوة العمل في الوقت الحالي، وهو أقل من نصف ما حققته في الخمسينيات من القرن العشرين.
وبالطبع فثمة تفسير آخر للعامل الاقتصادي، وهو توفر قدر لا بأس به من المال التطوعي لتشغيل مؤسسات المجتمع المتقدم وخاصة في أمريكا وألمانيا، في مصر تعرضت المؤسسات الاجتماعية والمدنية البحتة، لتصدعات شديدة تتجاوز بكثير ما تعرضت له من ضربات سياسية خلال فترة التحول إلي الانفتاح الاقتصادي الفوضوي، ويمكن القول إن الدمار الذي أحدثته هذه التحولات، أشد وطأة وأعمق أثرا بكثير من القهر أو الاستيعاب والتلاعب السياسي علي أهميته.
فالتحول إلي الرأسمالية الطفيلية تضمن بذاته تدميرا شاملا للتضامن الطبقي والبنية الطبقية، إذ توقف التصنيع، وباتت الطبقة العاملة المنظمة في نقابات تشكل نسبة بسيطة من الطبقة العاملة ككل، هذا فضلا عن توقف التصنيع وتحوله إلي وحدات إنتاج خفيفة لخدمة الاستيراد.
وهناك فوارق فرعية، ولكنها تترجم إلي أساليب حياة غاية في الاختلاف والتباين، نتيجة توقف التصنيع وسيادة حجم اقتصاد الخدمات، والتوسع المذهل في الأنشطة الرمادية وصناعات بير السلم وانقلاب علاقات التوزيع وقيامها علي الخطف المتبادل، ويسمح هذا الوضع بقدر محدود من التنظيم يكاد ينحصر في القطاعات المنظمة مثل الطبقة العاملة الصناعية وموظفي الدولة.
إن فشل المجتمع في مقاومة هذا التدمير يرجع إلي العدوان المنهجي المنظم الذي شنته ثورة يوليو منذ أيامها الأولي ضد كل أشكال التنظيم والتعبير المدني المستقل.
ثانيا: العامل الثقافي
لا أدل من قوة العامل الثقافي من حقيقة تراجع القوة الوظيفية والاقتصادية للقبيلة، وتعاظم الارتباط العاطفي والولاء لها في عشرات من دول العالم، وبوجه عام يمكن القول إن تكوين الولاء العقدي للتنظيمات القاعدية والمدنية، في مصر مثلا، ضعف كثيرا لأنه في الأصل كان ضعيفا، وبسبب التحولات الجارفة في التطويق الثقافي والأيديولوجي للمجتمع خلال الثلاثين عاما الماضية و«حالته النفسية» الجماعية.
وبشكل محدد، فإن ما حدث هو انهيار الشعور بالجماعة الوطنية وبالأمل بعد هزيمة 1967، وهو ما قاد إلي ما يسمي ب «الحل الفردي»، ويضاف هذا العامل لما أكدناه سابقا من شدة التحول إلي نمط بالغ الطفيلية من الفردية اللاأخلاقية، كاتجاه مواز للتحول إلي اقتصاد طفيلي منذ نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، ومن ناحية أخري فإن التحول إلي ثقافة إسلامية شكلية ومغلقة، أسهم مساهمة كبري في تفكيك المؤسسات الاجتماعية القاعدية وإضعافها.
ثالثا: العامل السياسي
لا شك أنه المسئول الأول والأخير عن حرمان المصريين من القدرة علي المقاومة، مثلما أشرنا من قبل، ومازال هذا العامل هو المسئول الأول عن كساد وتراجع نوعية الحياة السياسية في مصر، وانكماش النخبة القيادية، والانقسام بين أجيال غاضبة محرومة من ثقافة التنظيم المدني، وأجيال لم يعد لها مصلحة حقيقية في التغيير، وهو الانقسام الواضح الآن في النقابات المهنية.
ويعتقد كثيرون أنه سيكون من المستحيل استعادة ثراء البنية التنظيمية المدنية في مصر، دون إنجاز تحول ديمقراطي جذري، غير أن العكس قد يكون صحيحا أيضا، بمعني أن التمكين التنظيمي قد يمثل الشرط الأهم لإنجاز الثورة الديمقراطية.
رابعا: العامل القانوني
لايزال الحق في التنظيم كحق إنساني يتعثر في مصر، بسبب مصيدة أو شبكة التشريعات المذهلة المعادية للحريات العامة، ولذلك يختلط الأمر علي البعض في تحديد العامل الرئيسي، أو العوامل الحقيقية، وراء عرقلة الممارسة الفعلية لحرية التنظيم، وفي بلاد شهدت تحولات سلطوية شديدة، أمكن تنظيم المجتمع وضمان العودة لشكل ديمقراطي للحكم، ليس فقط بسبب البنية الطبقية الأكثر نضوجا، بل بسبب بساطة التشريعات المعادية للحريات أيضا.
ويلاحظ أن البنية التشريعية للاستبداد في مصر تسد منافذ الحرية، عن طريق تعدد وتنوع وسائل العقاب في غابة التشريعات المؤذية، وتتعقد هذه التشريعات بصورة مذهلة، ويبلغ بعضها كتبا كبيرة، في حين كان يكفي اقتصارها علي سطور قليلة، وتتحيز هذه التشريعات للمنهج العقابي، مما طبع حتي طبقة القضاة - الأفضل ثقافة والأقرب لقضايا الحريات - بذهنية عقابية ومتطرفة.
هل يوجد مخرج من الواقع المضاد للحق في التنظيم؟
ربما يمكن القول إن أزمة التنظيم المدني والسياسي في مصر هي جزء، أو تجل خاص، يتوازي مع أزمة عالمية في التنظيم، غير أنه علينا ألا نخلط بين ما يحدث من تحول في ممارسة ومناهج التنظيم علي المستوي العالمي وما يحدث في مصر.
يمكن تلخيص بعض اتجاهات التطور فيما يتعلق بالحق في التنظيم علي المستوي العالمي في المظاهر التالية:
1- التحول من التنظيمات والمؤسسات الطبقية إلي الروابط المكانية والوظيفية، لقد تراجعت قيمة الطبقات في الممارسة السياسية والاجتماعية في أكثر الدول الرأسمالية المتقدمة، وذلك قبل أن تتبلور أصلا في الأقطار الرأسمالية المتخلفة.
2- التحول داخل أكثرية المجتمعات الرأسمالية المتخلفة، من التنظيمات الطبقية والفئوية إلي الروابط الإثنية والأولية والدينية، وإن كان هذاا لتحول غير شامل أو منسجم.
3- التحول في الدول الرأسمالية المتقدمة من التنظيم بمعني الروابط الثابتة، والتي يشير إليها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلي الروابط المؤقتة المرتبطة بفعل أو هدف محدد، وصارت «الحركات الاجتماعية» بهذا المعني أبرز اتجاهات العصر الحالي.
4- التحول من التنظيم المكاني الفعلي إلي التنظيم في فضاء عالمي وافتراضي، ويرتبط بهذا التطور أن التعبير المكاني عن التنظيم، وهو أمر حتمي مثل تنظيم المظاهرات الساسية، أصبح يقوم علي الجماعات الصغيرة التي لا تجمعها أيديولوجية أو مهنة أو مصلحة طبقية، بل التمسك بقيمة سامية أو مصلحة رمزية أو سياسة مهمة مثل مناهضة الحرب.
5- صعوبة الحفاظ علي التنظيمات من الفتور البيروقراطي أو الجيشان السياسي، في مناخ عام يتسم بهشاشة الأوضاع الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالعولمة، وذلك بالرغم من توفر أداة تنظيمية قوية وهي الإنترنت.
6- التفكير في معني جديد كليا للسياسة، يعكس القدرة الأفضل في التنظيم والمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، يتجاوز شكليات الديمقراطية الليبرالية، وفي هذا السياق حققت الأجيال الشابة في أمريكا انتصارا كبيرا بانتخاب أوباما، مما يعطي للمنهج المعاكس قيمة عملية أكبر ولو بصورة مؤقتة، حيث صار من الممكن عن طريق عمل تنظيمي رائع وجارف، أن يحدث تغيير جذري في معادلات السياسة الأمريكية التي صارت جامدة ومعادية للتغيير الحقيقي.
هذا ما يحدث في أمريكا وبعض الدول المتقدمة الأخري، وقد لا يخفي أن بعض هذه التحولات شديدة الخطورة علي الحضارة، وبعضها يعد بآفاق مفتوحة وإن كانت غير واضحة لتحولات أرقي.
ولذلك نعد حق التنظيم واحدا من أهم حقوق الإنسان، ونعده في الوقت ذاته واحدا من أهم الإنجازات البشرية، وفي اعتقادي الشخصي أن وظيفة التنظيم الاجتماعي والمدني والسياسي كأساس للاستقرار الحضاري، تكتسب أولوية علي كونها حقا إنسانيا، فرغم استحالة الفصل بين الحق والوظيفة الحضارية، فالأخيرة شرط لبقاء المجتمع، ومن ثم تمكينه من المقاومة من خلال ممارسة حق التنظيم.
هل يمكن لمصر أن تحل مشكلتها مع الحق في التنظيم في هذا السياق الداخلي والعالمي المعقد؟ نعم، تستطيع مصر أن تستلهم وتؤقلم التجارب العالمية، وبالذات في بلاد مشابهة، وهي أيضا تحتاج إلي إبداعات حقيقية، إن تجارب شباب 6 أبريل ملهمة، بالرغم من أنها مازالت في بداياتها، كما أن حركة كفاية ستظل نبراسا لتجربة وطنية رائعة وممتدة رغم كل مشاكلها وعيوبها.. وتشترك التجارب النضالية خلال المرحلة الأخيرة في أنها تقوم علي الحق في التنظيم، ولو المؤقت والمتحرر من مفهوم التنظيم بمعني الروابط الثابتة، الأخيرة أكثر تقدما بكل تأكيد، غير أن الأولي أقدر علي التفاعل مع ضرورات اللحظة الطبقية والاجتماعية، وأكثر مرونة بكثير في توفير الأطر الحركية، وقيادة المعارك مع السلطات الغاشمة، بل حتي فيما يتعلق باستمرارية المقاومة.
نقلاً عن مجلة رواق عربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.