حرمة الدماء والأموال في ضوء خطبة حجة الوداع، موضوع خطبة الجمعة القادمة    "البحوث الفنية" بالقوات المسلحة توقع بروتوكول مع أكاديمية تكنولوجيا المعلومات لذوي الإعاقة    وزارة العمل: توفير 7 ملايين و240 ألفا فرصة عمل فى الداخل والخارج منذ 2014    المشاط: ترفيع العلاقات بين مصر واليابان يؤسس لمرحلة جديدة لتلبية تطلعات البلدين    إزالة 465 حالة إشغال طريق مخالف بمراكز البحيرة    تدشين 3 خطوط جديدة للشركة الوطنية مصر للطيران بالقاهرة خلال يوليو المقبل    ارتفاع أسعار المكرونة واللحوم وانخفاض الجبن اليوم الجمعة بالأسواق (موقع رسمي)    اليوم تسيير 27 رحلة جوية إلى الأراضي المقدسة    وزير الخارجية السوداني: روسيا من الدول التي ستشارك في إعادة إعمار السودان    منظمة العمل العربية: متابعة طلب فلسطين بالعضوية الكاملة فى "العمل الدولية"    بايدن يعتذر لزيلينسكى عن تأخير المساعدات العسكرية لأوكرانيا    غدا.. الأهلى يواجه النجوم ودياً استعداداً لفاركو فى الدورى    القائمة النهائية لمنتخب إسبانيا المشاركة في يورو 2024    أول تعليق من وسام أبو علي بعد ظهوره الأول مع منتخب فلسطين    مقتل سوداني بمساكن عثمان بأكتوبر    تسهيلات لراحة الحجاج.. بعثة الداخلية تستقبل آخر فوج بالمدينة المنورة| صور    مصرع شخصين داخل بيارة أثناء التنقيب عن الآثار بالبحيرة    بدء تلقى تظلمات الشهادة الإعدادية بكفر الشيخ الأحد    نيللي كريم تستعرض إطلالتها الساحرة في حفل زفاف جميلة عوض | فيديو    تشييع جنازة نادر عدلى في العاشر من رمضان اليوم والعزاء بالمعادى غداً    أحكام الأضحية.. ما هو الأفضل: الغنم أم الاشتراك في بقرة أو جمل؟    مفتى السعودية يحذر من الحج دون تصريح    الأوقاف: افتتاح أول إدارة للدعوة بالعاصمة الإدارية الجديدة قبل نهاية الشهر الجاري    مواعيد صلاة عيد الأضحى 2024    «مفيش بشر».. شوارع الوادي الجديد خالية بسبب ارتفاع درجة الحرارة    «التعليم العالي»: تحالف جامعات إقليم الدلتا يُطلق قافلة تنموية شاملة لمحافظة البحيرة    الانتخابات الأوروبية.. هولندا تشهد صراع على السلطة بين اليمين المتطرف ويسار الوسط    وزير الزراعة يعلن فتح اسواق فنزويلا أمام البرتقال المصري    قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنظم عددًا من الأنشطة والفعاليات    مذكرة تفاهم بين مصر وجامبيا للتعاون في إدارة الأنهار المشتركة والتحلية    مصر وروسيا تبحثان سبل تعزيز التعاون في مجالات التجارة والصناعة والاستثمار    الموسيقات العسكرية تشارك في المهرجان الدولي للطبول والفنون التراثية    عيد الأضحى- فئات ممنوعة من تناول الممبار    بروتوكول تعاون لاستقطاب وافدين من أوروبا والخليج للعلاج بمستشفيات «الرعاية الصحية»    في ذكرى ميلاد محمود مرسي.. تعرف على أهم أعماله الفنية    صلاح يفوز بجائزة أفضل لاعب في موسم ليفربول    ضبط المتهمين بالشروع في قتل سائق وسرقة مركبته في كفر الشيخ    إخماد حريق داخل محل فى حلوان دون إصابات    بمناسبة عيد الأضحى.. زيارة استثنائية لجميع نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل    أيام البركة والخير.. أفضل الاعمال في العشر الأوائل من ذي الحجة 1445    أكسيوس: فشل اجتماع القاهرة لإعادة فتح معبر رفح    الأنبا باخوم يترأس قداس اليوم الثالث من تساعية القديس أنطونيوس البدواني بالظاهر    بعد غيابه عن الملاعب.. الحلفاوي يعلق على مشاركة الشناوي بمباراة بوركينا فاسو    تفاصيل موعد جنازة وعزاء المخرج المسرحي محمد لبيب    اليوم.. سلوى عثمان تكشف مواقف تعرضت لها مع عادل إمام في برنامج بالخط العريض    التعليم العالى: إدراج 15 جامعة مصرية فى تصنيف QS العالمى لعام 2025    ضياء السيد: حسام حسن غير طريقة لعب منتخب مصر لرغبته في إشراك كل النجوم    يونس: أعضاء قيد "الصحفيين" لم تحدد موعدًا لاستكمال تحت التمرين والمشتغلين    وزيرة الثقافة وسفير اليونان يشهدان «الباليه الوطني» في الأوبرا    علي عوف: متوسط زيادة أسعار الأدوية 25% بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج    المتحدة للخدمات الإعلامية تعلن تضامنها الكامل مع الإعلامية قصواء الخلالي    محافظ أسوان: طرح كميات من الخراف والعجول البلدية بأسعار مناسبة بمقر الإرشاد الزراعي    إصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة ميكروباص على الطريق الدائري في القليوبية    خلاف داخل الناتو بشأن تسمية مشروع دعم جديد لأوكرانيا    مداهمات واقتحامات ليلية من الاحتلال الإسرائيلي لمختلف مناطق الضفة الغربية    توقعات الأبراج اليوم الجمعة 7 يونيو 2024.. ترقيه جديدة ل«الحمل» و«السرطان»يستقبل مولودًا جديدًا    مجلس الزمالك يلبي طلب الطفل الفلسطيني خليل سامح    غانا تعاقب مالي في الوقت القاتل بتصفيات كأس العالم 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هو وهى
العملة النادرة
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 01 - 2011

في عز شهرته ومكانته وصلاته وصولاته وجولاته وقدراته دخلت ذات صباح ليس ببعيد مبني الأهرام ليطالعني الزحام المعهود أمام المصاعد‏..‏ وأدرت عيني لأجده‏..‏ الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية‏,‏ وقد أراح انتظاره بالجلوس بمنتهي البساطة والتواضع علي الرصيف البارز من الحائط المقابل لأبواب المصاعد الثلاثة‏..‏ وإذ لمح الباز نظرة الاستياء في متابعتي للوحات الصعود والهبوط المتوقفة بالذات في التاسع والسادس والرابع دعاني للجلوس إلي جواره علي الرصيف‏,‏ فوجدتني تلقائيا ألبي دعوته المنطقية المتساهلة المستوعبة للموقف المتأزم في ساعة الذروة‏,‏ ليبتسم البعض لوضعنا‏,‏ وليتجاهلنا البعض حرصا علي ألا يحرجنا أو يحرج نفسه‏,‏ ويشاركنا البعض وكأنها دعوة عامة لكسر القاعدة‏,‏ وتبرئه للأهرام من تهمة النشا التي لصقت به طويلا‏..!‏ دكتور أسامة مايسترو السياسة الخارجية المصرية وأحد عقولها الساهرة الذي شارك في صنع القرار السياسي المصري علي مدي أكثر من ثلاثين عاما‏..‏ الذي يستقل التاكسي في تنقلاته‏,‏ ويسير مترجلا بين الناس دون حراسة أو منظرة كدابة‏,‏ ويركب مترو الأنفاق مضغوطا بين الناس ليأخذ كتف يمين وكتف شمال محاولا مقاومة الزحام بالتشبث بمقبض أحد المقاعد‏..‏ ابن الدقهلية الذي حفر لنفسه مكانا كبيرا في قلوب المصريين ليس فقط ببراعته وحنكته السياسية وإنما بتواضعه الشديد الذي سما بمقامه في القلوب‏..‏ المقيم إلي عهد قريب في شقة ثلاث غرف وصالة بالدور الثاني بالمنزل رقم‏15‏ شارع دجلة بالمعادي بدون كشك حراسة‏,‏ ويصلي الظهر في مسجد كلية النصر بميدان فيكتوريا‏,‏ وإذا ما تعطلت عربة الأسرة النيسان رقم‏621‏ يهبط ليعطيها زقة‏,‏ ويؤنب الحاج عنتر بائع الورد العجوز الذي عايش عهد الملكية والجمهورية إذا ما قام لمقدمه احتراما قائلا له‏:‏ ماتعملش كده تاني‏,‏ ويدفع ثمن اختياره علي داير مليم مفضلا الورد البلدي وعاشقا للقرنفل‏,‏ وأبدا لا يتقبل منحه لقب البك أو الباشا مكتفيا بمناداته بلقبه العلمي الدكتور‏...‏ السياسي الذي حقق نجاحا باهرا في مباحثات معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ليكتب عنه الرئيس كارتر في مذكراته أنه عندما كان يعود مكتئبا إلي منزله في نهاية اليوم تسأله زوجته روزالين‏:‏ من الذي أغضبك اليوم أسامة الباز؟‏!‏ أم بيجين؟‏!‏ ويشكو بيجين للسادات أن الباز أكثر أعضاء الوفد المصري تشددا‏..‏ دكتور أسامة قارئ كف الأحداث‏,‏ المنتبه لإرهاصات الأفق البعيد‏,‏ الشارح للأبعاد الرأسية والأفقية والمتوازية المستطيلات الذي قال في عام‏2001:‏ إنه لأمر خطير حدوث الانفصال بين الشمال والجنوب السوداني‏,‏ لأن هذا التقسيم سوف يشكل خطرا بالغا ليس علي السودان فحسب ولكن علي جميع الدول المجاورة‏,‏ وسوف تنتقل عدوي التقسيم والتفتت إليها‏,‏ وسيترتب علي هذا التقسيم إضعاف الأوضاع وإنهاك قوة الدول في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا مما لن يكون في مصلحة أحد منا‏,‏ وأن مصر مع وحدة التراب الوطني السوداني‏..‏ وحول مسألة الفتنة الطائفية قال في عام‏2003‏ إنه لا يمكن لأحد المزايدة علي الكنيسة القبطية وراعيها الأنبا شنودة الذي أطلق عبارته البليغة عندما سئل من الذي يحمي الأقباط في مصر‏,‏ فقال يحميهم الدستور والقانون والمسلمون في مصر‏..‏
ولأنها أصبحت قلة‏,‏ بل إنها القلة التي أصبحت تنزوي إلي مستوي الندرة‏..‏ تلك الندرة من الشخصيات المتواضعة الزاهدة التي لم تتربح من وظيفتها بل إن وظيفتها هي التي ربحت منها نتاج بذلها وعطائها‏..‏ العملة النادرة التي اهتدت بقوله تعالي‏:‏ ومن يتق الله يجعل له مخرجا‏,‏ ويرزقه من حيث لا يحتسب‏..‏ من بين تلك الندرة المستغنية عن كل المغريات كان الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق الذي قاد الأزهر منذ عام‏82‏ حتي عام‏96‏ زاهدا في سكني القصور والشقق الفارهة راضيا بشقته المتواضعة في حي المنيل التي يصعد إليها في الطابق الخامس علي قدميه المريضتين‏,‏ وهو من كان بحكم منصبه الأزهري بدرجة نائب لرئيس الوزراء‏,‏ وحين عرضوا عليه الانتقال إلي مكان أكثر سعة وراحة رفض‏,‏ وبلغ من زهده ألا يتقبل أية حوافز أو مكافآت‏,‏ كما لم يكن يحصل علي أية أموال تأتيه مقابل أبحاثه وكتبه القيمة التي نشرها في عشرات المجلدات‏,‏ فقد كان يتبرع بذلك المقابل في سبيل الله كصدقة جارية قانعا مع أولاده بحياة الكفاف في حدود راتبه‏,‏ وعندما حصل علي منحة وسام الكفاءة الفكرية والعلمية من الدرجة الممتازة من المغرب‏,‏ وجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام والمسلمين عام‏95‏ لم يحتفظ بأموالها لنفسه‏,‏ بل أنشأ بها مجمعا إسلاميا كبيرا يضم مستشفي ومعهدا دينيا ومسجدا في مسقط رأسه بقريته بطرة التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية‏,‏ القرية التي تلقي تعليمه الأولي في كتابها علي يد سيدنا ليتدرج في سنوات التعليم وبالتالي المناصب حتي عين مستشارا بمحاكم الاستئناف عام‏76,‏ ثم مفتيا للديار المصرية في أغسطس‏78,‏ ووزيرا للأوقاف في يناير‏82‏ ليختار بعدها شيخا للجامع الأزهر في‏17‏ مارس‏82‏ ولتبلغ المعاهد الأزهرية في عهده خمسة آلاف معهد‏,‏ إلي جانب فروع الجامعة الأزهرية في بعض محافظات مصر ومدنها‏..‏ و‏..‏تمنحه مصر وشاح النيل أعلي وشاح للدولة في العيد الألفي للأزهر و‏..‏يصاب الشيخ العالم الفقيه القاضي بأزمة قلبية ولا يجدون له أنبوبة أكسجين تستطيع صعود خمسة أدوار فوق السلالم للوصول إلي رئتيه‏!‏
ولم أزل أذكر الدكتور أحمد مستجير العالم العملاق الذي كان يجلس في اجتماع لجنة مشروع القراءة للجميع بمقر رئاسة الجمهورية بمظهره البسيط بساطة الواثق من نفسه وكأنه أحد فلاسفة القرون الوسطي المحاط بالوقار المنبعث من هيبة البساطة لمن احتوي علما ومعرفة واتساعا في الأفق‏..‏ و‏..‏ينتهي بنا الاجتماع برئاسة السيدة سوزان مبارك صاحبة أهم مشروع ثقافي وحضاري في البلاد لأتوقف أمام البوابة الرئاسية أرقب مروق كوكبة السيارات السوداء الفارهة براكبيها من أصحاب السلطة في الشوارع الهادئة المفرغة من شاغليها‏,‏ وما أن ينتهي الركب كالشهب حتي أشاهدها تأتي ضئيلة زاحفة بضجيج صاجها ومفصلاتها المفككة من الشارع الجانبي لتتأني أمامي يدعوني قائدها الكريم بتاج رأسه البلاتيني وابتسامته الوضاءة للقيام بتوصيلي فأعتذر بقرب قدوم الموكل بالمهمة من بعد رحيل المهمين‏,‏ ويدوس الدكتور أحمد مستجير بقدمه الطويلة في الحيز الضيق علي البنزين لتقفز العربة المتواضعة زاحفة بصاحبها أكبر علماء الوراثة في مصر والعالم العربي الحاصل علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي‏,‏ وعميد كلية الزراعة‏,‏ وأول من حصل علي الدكتوراه بامتياز في الوراثة من جامعة أدنبرة عام‏63,‏ وزمالة الأكاديمية العالمية للفنون والعلوم‏..‏و‏..‏ و‏..‏وجائزة مبارك في العلوم والتكنولوجيا المتقدمة‏..‏ مستجير‏..‏ المستجير من العلوم للفنون وبالعكس‏..‏ صاحب الشخصية التي تكاملت فيها العلوم والآداب فإذا هو صورة عصرية من أجداده أبوبكر الرازي وابن الهيثم وابن النفيس والتوحيدي والكندي وابن رشد والرئيس ابن سينا‏..‏ العالم نادر المثال‏,‏ والأستاذ الجامعي‏,‏ والمترجم الذي لا نظير له‏,‏ وفوق كل ذلك عاشق العربية الذي يؤذيه الخطأ فيها‏,‏ ولم يكن غريبا أن ينتخب عضوا في مجمع الخالدين‏,‏ وكان عشقه للغة هو الوجه الآخر لحبه للشعر الذي لم يتوقف عن نظمه مؤمنا بالخيال بوصفه الأصل في عمل العالم المبتكر والشاعر المبدع‏,‏ وكان يكتب في الجينوم البشري الموضوع شديد التخصص بنفس القدرة والتمكن التي يكتب بها في عروض الشعر العربي‏,‏ ومن أولياته أنه أول من قام بتهجين الأبقار البلدية بأنواع أجنبية مستخدما تكنولوجيا التلقيح الصناعي مما أدي إلي زيادة إنتاج اللبن واللحم‏,‏ وأول من نادي بإمكان الاستنساخ في زيادة إنتاج الألبان‏,‏ وصاحب المشروع القومي لاستنباط أصناف جديدة من محاصيل القمح والذرة والأرز التي تصلح للزراعة في أرض مالحة وتروي بمياه مالحة عن طريق التهجين من البوص والغاب‏,‏ وأثبت أن حبوب الأرز المهجنة تحمل‏35‏ ضعف ما تحمله حبوب الأرز الطبيعية من عنصر الحديد‏,‏ أما حبوب القمح الهجين فتحمل منه ثمانية أضعاف ما تحمله حبوب القمح العادية‏..‏ وكان قبل وفاته يقوم بتجارب لزيادة نسبة الزيت في بذور القطن‏,‏ وفي إثراء الفول البلدي بحامض الميثونين الأميني لترتفع قيمته الغذائية لتقترب من اللحم‏,‏ كما قام بتجاربه الواعدة لإدخال الجين المقاوم لفيروس الالتهاب الكبدي إلي ثمار الموز‏..‏ ويعد تلخيص المشروع العلمي لأحمد مستجير هو زراعة الفقراء بمفهوم الطعام لكل فم ضاربا مثالا بتجربة الهند في إنتاج الحبوب التي أثبتت أن زيادة السكان ليست بقنبلة موقوتة‏,‏ فقد تمكنت الهند عام‏74‏ أن تكتفي ذاتيا من الحبوب لتغذية سكانها‏,‏ وقد وصل إنتاجها الآن أكثر من‏60‏ مليون طن‏!..‏ وكان مستجير بعد تخرجه في عام‏54‏ قد عمل مهندسا زراعيا لمدة‏55‏ يوما فقط ليستقيل بعدما لفت نظره طفل يجمع القطن وصفه بقوله قرأت في ملامحه وجه مصر الذي يحمل ظلال بهجة غامرة وحزنا غامضا عميقا فأعطاه قرشين‏,‏ وعندما علم المفتش أتي ليعنفه ويوصيه بمعاملة الفلاحين بقسوة كي يهابوه‏,‏ فلم ينم في ليلته ليكتب في مذكراته‏:‏ هل تستلزم الوظيفة الجديدة قتل الإنسان بداخلي‏..‏ هل يستكثرون أن يحظي الفلاح مني بابتسامة؟‏!‏ يكرهون أن يربت المرء علي كتف أخيه؟‏!!‏ أمن أجل‏15‏ جنيها أنا في أشد الحاجة إليها يقتلون الإنسان بداخلي؟‏!!‏ استقال مستجير من العمل ليلتحق بمركز البحوث ويتابع مشوار البحث لتوفير الغذاء لمن يموتون جوعا‏,‏ حاشدا جهوده في تطوير مفهوم الزراعة مؤمنا بأنه في عالمنا الآن أطفال يولدون للشقاء‏..‏ لليل طويل بلا نهاية‏,‏ بينما في جعبة العلم الكثير والكثير من الطعام والبسمة لكل فم‏..‏ وترتفع جدارية تذكارية في مدخل مجمع معامل الأبحاث النوعية بكلية الزراعة جامعة القاهرة تخليدا لذكري العالم أحمد مستجير لم تقم الجامعة المصرية بتمويلها وإنما تحمل تكلفتها الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة أحد تلاميذ مستجير‏!..‏ وينفجر رأس العالم الانسان عندما يري مشهدا داميا لعذابات الانسان في صراعات لبنان‏!!‏
وفي مسألة الزهد قال سامي شرف رجل المعلومات الصامت الذي استمرت فترة عمله مع عبدالناصر أكثر من خمسة عشر عاما كان فيها بمثابة ذاكرة الرئيس ومخزن معلوماته‏,‏ وفي فترة حكم السادات حكم عليه بالإعدام وخفف الحكم إلي مؤبد‏,‏ قضي منها داخل الأسوار عشرة أعوام كاملة بتهمة أنه يعرف أكثر مما يجب‏..‏ سامي شرف ابن الدكتور عبدالعزيز شرف الحاصل علي الدكتوراه في آلطب من إنجلترا عام‏26‏ خريج الكلية الحربية عام‏49‏ الذي تزوج وهو لم يزل طالبا في الكلية في التاسعة عشرة من عروسه الطالبة التي لم تبلغ الخامسة عشرة ليظلا حتي الآن يعيشان في شقتهما الصغيرة التي لم يتغير أثاثها منذ الزواج لينجبا بنتين وولدين قام عبدالناصر بالتكفل بمصاريف زواج البنتين لعلمه بأن رجله الصامت لا يملك شيئا‏..‏ لا فيلا‏..‏ لا مصيف‏..‏ لا خدم‏..‏ وإنما سيارة هيونداي منكفئة وبعدها الستر‏..‏ قال سامي شرف عن موقف عبدالناصر من الثروة والمال أنه كان رافضا للترف‏,‏ ومتطلباته الدنيوية محدودة للغاية‏,‏ وهو لم يرث ولم يورث أولاده ولم يكن هناك طن ونصف من الذهب‏,‏ ولا خمسة مليارات يورو في وضع الاستعداد للسفر وكان يري أن التملك لا يتمشي مع وضعه ولا مع مسئؤليته عن التحول الاجتماعي‏,‏ وجمال لم يستمتع بمجده ولا بعظمته‏,‏ ولم يكن ينام إلا ساعات قليلة علي مدي ثمانية عشر عاما متصلة‏,‏ ونادرا ما يقبل الهدايا‏,‏ ويشهد الساسة والأثرياء العرب أنه قد ردت إليهم هداياهم بأسلوب رقيق‏,‏ وكان السيجار الذي يرسل إليه في عيد ميلاده من نصيب الأستاذ هيكل‏,‏ ولم يمتلك في دنياه سوي اثني عشرة بدلة‏,‏ وستة أحذية‏,‏ ومجموعة من الكرافتات المقلمة‏,‏ وسيارته الأوستن القديمة التي ظل محتفظا بها‏..‏ وعندما أحيل والده الحاج عبدالناصر حسين إلي المعاش وعرض عليه المليونير عبداللطيف أبورجيلة أن يعينه براتب ضخم رفض عبدالناصر بلا مناقشة قائلا للحاج‏:‏ يا والدي دول عايزينك عضوا في مجلس الإدارة‏..‏ طيب بالله عليك أفهم ده إزاي وانت مش خبير لا في النقل ولا في المواصلات‏..‏ يا والدي العرض مرفوض من أساسه لأنهم عاوزين يشتروني من خلالك‏,‏ وكان يعلل رفضه بقوله الدائم‏:‏ لما ينصلح حالنا وحال البلد نبقي نتكلم في هذا الموضوع‏..‏
وعلي ذكر من أطيح بكل ما يملك‏..‏ وهو راتبه‏..‏ يأتي ذكر الدكتور رشوان فهمي نقيب الأطباء الذي قال صادقا بجهالة إن السد العالي سيزيد من نسبة الإصابة بمرض البلهارسيا بين الفلاحين‏,‏ وفي عام‏66‏ قام عبدالناصر بانتقاد إدارة قصر العيني وقارنه بإدارة قناة السويس تحت إدارة محمود يونس‏,‏ فقام النقيب رشوان فهمي بالدفاع عن قصر العيني بقوله‏:‏ لو كان لقصر العيني ميزانية قناة السويس لأصبح قصر العيني مثالا يحتذي به في العلاج‏..‏ ولو كان لقناة السويس ميزانية قصر العيني لتوقفت الملاحة بالقناة إلي الأبد‏..‏ بعد هذه الملاحظة وسابقتها أممت ممتلكات الدكتور رشوان فهمي‏,‏ وفصل من وظيفة أستاذ بالجامعة‏,‏ وفصل أيضا من عضوية الاتحاد الاشتراكي‏..‏ وكان الرجل لا يمتلك إلا راتبه‏,‏ وحينما ذهب إليه مندوب الحراسة ليسأله‏:‏ هل عندك عزبة؟ قال‏:‏ لا‏,‏ فعاد لسؤاله‏:‏ هل عندك سيارة؟ قال‏:‏ لا‏,‏ قال له‏:‏ هل عندك عيادة؟ قال‏:‏ لا‏,‏ فقال له متعجبا‏:‏ إذا لماذا تم وضعك تحت الحراسة؟‏!!‏
وفي سلك من لم يغير شقته الصغيرة المتواضعة طوال حياته رغم ما أسند إليه من وظائف علي أرفع مستوي في الدولة من مدير لوزير لمحافظ لقائد للقوات المسلحة‏..‏ البطل الفريق يوسف صبري أبوطالب الذي امتدت خدمته بالقوات المسلحة علي مدي‏34‏ عاما منذ تخرجه في الكلية الحربية عام‏48‏ ليحصل بعدها علي الماجستير في العلوم العسكرية من الاتحاد السوفيتي‏,‏ ويشارك في حروب‏48‏ و‏56‏ و‏67‏ و‏73‏ عندما عين رئيسا لأركان حرب مدفعية القوات المسلحة‏,‏ وبعدها مساعدا لوزير الدفاع‏,‏ ثم محافظا لشمال سيناء يقوم بمهمة التعمير وإعادة المهجرين‏,‏ ثم وزيرا للتنمية‏,‏ وبعدها محافظا للقاهرة من مارس‏83‏ حتي أبريل‏89,‏ حيث تم بناء‏54‏ كوبري‏,‏ وتنفيذ المرحلة الأولي من مترو الأنفاق‏,‏ وطريق الأوتوستراد‏,‏ والدائري‏,‏ والتصدي لمشكلة العشوائيات بدءا بمنطقة عرب المحمدي‏,‏ وإعادة تسكين أهلها في مدينة السلام‏,‏ وتحويل المنطقة إلي حديقة غناء‏,‏ والحديقة الدولية بمدينة نصر و‏..‏كان أبوطالب واحدا من اثنين أعيد تكليفهما بالقوات المسلحة لمناصب قيادية بعد شغلهم الوظائف المدنية وكان أولهما الفريق مدكور أبوالعز قائدا للقوات الجوية وأبوطالب الذي عين قائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع والإنتاج الحربي لتقع حرب الخليج وتشهد جميع الدوائر العسكرية في العالم بالأداء العسكري للقوات المسلحة المصرية‏,‏ ومن أوامره فيها التحريم علي قواته المشاركة في تحرير الكويت إطلاق النيران علي أي عراقي إلا دفاعا عن النفس وبحيث لا يكون التصويب في مقتل‏..‏ ويتدرج الرجل الكريم المتواضع المهاب في أكبر المناصب وهو مقيم في نفس شقته بشارع أحمد عرابي بالقاهرة التي كان إيجارها ستة وعشرين جنيها تم تخفيضها بالخضوع إلي قرارات لجان الاسكان إلي ستة عشر عند زواجه برتبة النقيب بابنة خاله عائشة التي كانت ماتزال طالبة بالتوجيهية بإحدي المدارس الفرنسية والتي أنجبت له حسام طبيب الأمراض النفسية والابنتين نهاد وراندة‏..‏ عاش يوسف صبري أبوطالب لم يغير مسكنه‏,‏ ولا هوايته في صيد السمك ولا رسم الوجوه في فن البورتريه الذي حصل علي دبلومة من كلية ليوناردو دافنشي‏..‏ عاش لا يملك سيارة خاصة‏,‏ ورحل وقد ملك رصيدا كبيرا من حب الآخرين واحترامهم‏.‏
ويعد الدكتور جمال حمدان نقيب الزاهدين فرغم شخصيته المصرية التي لم تعرف الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي في عصرنا الحديث مثلها‏,‏ ومن توافرت لديه الطاقة العقلية الهائلة التي تضعه في مصاف أكبر العلماء والمبدعين العالميين‏,‏ لكنه يقرر في لحظة صدق مع النفس ومع الآخرين تقديم استقالته من المجتمع‏,‏ من بعد أن قدم استقالته من منصب الأستاذ الجامعي‏,‏ وعاش لأبحاثه لا يريد أن يكون طرفا في عالم تغلب فيه قيم النفاق‏..‏ ولو لم يكن حمدان مستكفيا راضيا بعزلته وعما يقوم به لما نام علي سرير الشوك يحيطه صدأ الجدران‏,‏ بينما حبله السري الذي يمده بقوت العقل والجسد بواب عجوز قارب المائة لا يلبي النداء إلا من بعد أن ينبح الصوت ليأتي بجراية العيش والفول والجرنال والبريد‏..‏ ويقول جمال حمدان‏:‏ هناك أشياء كثيرة دفعتني لهذه العزلة التي فرضتها علي نفسي‏,‏ ولن أخرج حتي ينصلح حال المجتمع‏,‏ وإن كنت أتصور أنه لن يحدث أبدا‏..‏ ويحترق حمدان تحت السلم في شقة الغرفة الواحدة التي لم يغيرها منذ عهد التلمذة الواقعة في‏25‏ شارع أمين الرافعي بالدقي وذلك في‏17‏ أبريل عام‏93..‏ حمدان الذي تمثلت عبقريته في استشرافه للمستقبل‏,‏ حيث تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية‏,‏ وكان تصريحه ذلك في نهاية الستينيات مثار استهزاء من المجتمع الذي كان يري المحال في ذلك‏,‏ ولكن صدقت النبوءة لأنها كانت من رجل يدرك أبعاد الحدث‏,‏ وكان حمدان من تنبأ بمذابح البوسنة والهرسك قبل حدوثها‏,‏ وأيضا تنبأ بما يحدث الآن من بعد أحداث‏11‏ من سبتمبر من محاولات الوقيعة بين العالمين الإسلامي والمسيحي‏..‏ ويكتب حمدان عشرات الصفحات من خواطره أتوقف بينها لأجده قد قال‏:‏ علي المسلم الذي يكتب عن العالم الإسلامي أن يضع نفسه في مكان غير المسلم‏,‏ خاصة الأوروبي المسيحي‏,‏ ليس فقط ليكون موضوعيا‏,‏ ولكن أيضا ليستوعب وجهة نظر الآخر‏..‏ ويتساءلون عن رحيل حمدان وهل كانت وفاته طبيعية أم تمت بفعل آثم نفذه قاتل معلوم؟ و‏..‏تحدد كتابات حمدان اسم قاتله الذي كان من مصلحته ألا يستمر هذا الفكر الوضاء‏,‏ مما يدفع بالقاتل إلي تنفيذ جريمة التصفية حفاظا علي مصالحه فيغدو موت حمدان نحرا وليس انتحارا‏!‏
ويرسل جمال حمدان لناشر كتبه قبل وفاته بأيام يسأله علي استحياء بالغ من بعد الديباجة والتحيات العطرة والسلام والسؤال عن الصحة والأحوال‏:‏ معذرة عن المضايقة علي غير انتظار‏,‏ ولكن نظرا لظرف طارئ عاجل‏,‏ وإذا لم يكن في ذلك إحراج أو إرهاق‏,‏ وإذا كان لي أية استحقاقات طرفكم‏,‏ فهل أطمع وأستأذن في أن تتكرم مشكورا بإرسالها في أقرب فرصة‏,‏ ولو مع الأسطي فكري منعا لتعبك وإرهاقك‏..‏ أما إذا لم يكن لي أية مستحقات فأرجو إهمال الأمر تماما واعتباره كأن شيئا لم يكن‏..‏ ولك الشكر وثق في الحالين علي السواء‏..‏ وأكرر الأسف للإحراج الطارئ راجيا لك وللجميع كل صحة وتوفيق وشكرا‏..‏ المخلص جمال حمدان‏..‏
و‏..‏في جعبة العملة الندرة من أصحاب عناوين لم تغيرها المكانة‏,‏ ولا الكرسي‏,‏ ولا اتساع النفوذ‏,‏ فغدت جدرانهم من نور ونظافة أيديهم علي طبق بنور‏..‏ كان موسي صبري معلم الصحافة أيام ما كان في الصحافة معلمين‏..‏ القبطي الذي وضع المصحف تحت مخدته منذ أن كان في الرابعة عشرة حتي النهاية لتضع أمه إلي جوار المصحف إنجيلا فيقبل موسي قائلا‏:‏ كله كلام ربنا‏..‏ ويعمل موسي ويشتهر موسي ويتزوج موسي‏..‏ ويظل مع عروسه أنجيل حتي رحيله يسكن شقته الصغيرة بالزمالك التي أنجب فيها أبناءه المهندس أشرف والمحاسب أمجد والدكتور أيمن المكونة من ثلاث حجرات ضيقة ليس بها مكتب‏,‏ ليقفل بعدها الشرفة الوحيدة لتصبح بمثابة حجرة لأحد الأبناء‏,‏ ولو شاء‏..‏ لو شاء‏..‏ ولو فتح الشباك من خلال موقعه لكانت له إحدي شقق الحراسة والكياسة والنخاسة‏..‏ ونحن نعرف زملاء أصغر منه قلما وقامة وموهبة حصلوا بصلاتهم وصولاتهم علي وعلي وعلي‏..‏ كله‏..!‏
وتروي جدران شقة أمين هويدي‏(1921‏ 2009)‏ المتواضعة في مصر الجديدة التي لم يغير عنوانها تدرج مناصبه رئيسا لجهاز المخابرات ووزيرا للإرشاد القومي‏..‏ ثم وزيرا للدولة‏..‏ ثم رئيسا للمخابرات العامة ووزيرا للحربية معا بعد نكسة‏67‏ في سابقة لم تعرفها مصر من قبل‏,‏ وكانت غاية عبدالناصر من ذلك إعادة بناء القوات المسلحة بعيدا عن مراكز القوي التي ساهمت صراعاتها في حدوث النكسة‏..‏ ويشرف هويدي علي عملية تدمير المدمرة إيلات في‏21‏ أكتوبر‏67,‏ ومن بعدها عملية الحفار تيمنا باسم حفار النفط الإسرائيلي الذي تم تفخيخه وتدميره‏..‏ ويذهب عهد ويأتي عهد بثورة التصحيح مع السادات‏,‏ ويحاكم هويدي بتهمة قلب نظام الحكم ليحكم عليه بالإعدام‏,‏ ويخفف السادات الحكم‏,‏ ويفرج عن هويدي ليوضع تحت الحراسة ليعمل في البحث والتأليف والكتابة ليغدو له‏25‏ مؤلفا نفيسا بالعربية والإنجليزية‏...‏ ويركب أمين هويدي الأوتوبيس المواصلة الوحيدة المتاحة مع الدخل المتواضع ليتم نشل محفظته وسط الزحام‏!‏
مع ندرة مثل هؤلاء المستغنيين العظماء في مجتمعنا الحالي‏..‏ مجتمع ظرفني تعرفني‏,‏ وأبجني تجدني‏..‏ بلد البدالات‏..‏ وبدل حضور‏,‏ وبدل تمثيل‏,‏ وبدل سفر‏,‏ وبدل مظهر‏,‏ وحوافز لجان‏,‏ ونسبة إعلانات‏..‏ الخ‏..‏ بلد تكيف أمورها تحت الترابيزة لتقسيم الرشوة علي الراشي والمرتشي والرائش‏..‏ بلد فيها النبي قبل الهدية‏..‏ أتذكر أبيات العالم الشاعر أحمد مستجير في قوله‏:‏
هل ترجع أسراب البط؟‏!‏
هل تورق يا حبي أشجار القحط؟‏!‏
هل ينبت في الليل الدامس غير بذور السخط؟‏!‏
هل يزهر في الصحراء‏..‏ سوي الصبار وأشجار السنط؟‏!‏
إن جف الماء وجفت أعشاب الشط
هل ترجع أسراب البط؟‏!!‏

[email protected]
المزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.