«شينخوا»: تجربة كوريا الشمالية الصاروخية رد على المناورات الأمريكية    طائرات حربية تركية تقصف مواقع ل«داعش» في جرابلس السورية    زلزال قوته 6.4 درجة على مقياس ريختر يضرب إيطاليا    وكيل وزارة الحج: تسيير حركة الحجاج إلى الجمرات عبر التطبيق الإلكتروني    البحرين تُطلق برنامج "تلاوة" لمعلمي التربية الإسلامية    ارتفاع الأخطاء الطبية في المستشفيات البريطانية    طائرات عراقية تلقي آلاف المنشورات على الموصل تطالب السكان بعدم النزوح    تحذير من تناول الأطفال والمراهقين أكثر من 6 ملاعق سكر يومياً    "متحدث الزراعة" ينفي شائعة حقن الدجاج بعقار يمنع تخصيب الرجال (فيديو)    بالفيديو والصور - استقبال حافل للبطلة الأوليمبية هداية ملاك في مطار القاهرة    هداية ملاك بعد وصولها القاهرة: "فرحت أهلي وحققت اللي أنا عايزاه"    اليوم.. جلسة بين رئيس الزمالك والجهاز الفني لفريق الكرة لحسم ملف المعسكر    الأهلي يرتدي زيه التقليدي أمام أسيك اليوم بدوري أبطال أفريقيا    أسعار صرف العملات الأجنبية اليوم 24- 8 - 2016    ضبط 65 مطلوبا من المحكوم عليهم فى شمال سيناء    مصرع وإصابة 9 أشخاص فى حادث سير على الطريق الصحراوى بالبحيرة    أصالة ترد على صورة الرباعي مع الضابط الإسرائيلي (صورة)    فيديو| تامر أمين: الحكومة نقلت الآثار بعربة خضار    فيديو.. «الأوقاف» تكشف حقيقة إلزام الأهالي بدفع فواتير المساجد    أسعار تحويل العملات الأجنبية مقابل الجنيه اليوم 24- 8 - 2016    أمريكا تحذر رعاياها من السفر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية    محكمة أمريكية تأمر الخارجية بإظهار رسائل إلكترونية تخص المرشحة كلينتون    هيثم نبيل يكشف عن اسماء فريق ألبومه (فيديو)    لهذا السبب .. تامر حسنى يدعو ل"شباب إسكندرية"    «تنشيط السياحة» ترعى حفلا للفنانة الأوكرانية «Svetlana Loboda» بشرم الشيخ    نائب: هناك أراضي تم اغتصابها منذ 60 عاما    معتز عبد الفتاح مهاجما "خورشيد": وضع الاستثمار جزء لا يتجزأ من وضع الوزيرة    «البحوث الزراعية»: الفراولة المصرية «بريئة»    خبر في الجول - حمودي أصبح أقرب للزمالك من رفعت    إنفوجرافيك .. تعرف على نتائج مباريات الدور الثاني من كأس الرابطة الإنجليزية    مطار الملك عبدالعزيز يعلن الاستعداد لاستقبال 850 ألف حاج    هيثم نبيل يغني من ألبومه الجديد (فيديو)    السيسي:"لو الشعب عايزنى أترشح لفترة تانيه فأنا تحت أمره"    الخارجية:إصابة 10 مصريين بطرابلس جراء انفجار أنبوبة غاز    شقيق وكيل نيابة الظاهر يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله    أحباط محاولة تسلل 15 مصرى الى ليبيا عبر الدروب الصحراويه بالسلوم    العربي :التعيين فى الحكومة سيتم مرتين سنويًا و6 مقرات لاجراء المسابقات    متحدث الحكومة السابق: ضغوط خارجية تمارس على مصر لتطويع مشاريعها الوطنية    «الخارجية»: مصريان في حالة حرجة جراء انفجار أنبوبة غاز بطرابلس    بالفيديو.. وكيل «النواب»: إقامة وزير التموين بفندق حرية شخصية    اختفاء السوق السوداء خلال الأسابيع القادمة    محمد عباس يهنئ صديقته بمناسبة عيد ميلادها    مفاجأة..جلسة بين طاهر وكارتيرون..وفيريرا يحسم موقفه اليوم    مد فترة قيد انتقالات اللاعبين الصيفية إلى 8 سبتمبر المقبل    إعلان الطوارئ شمال غربي الولايات المتحدة بسبب الحرائق    أكاديمي يفجر مفاجأة جديدة عن قرض "النقد الدولي"    مؤلف "طاقة القدر" يكشف ل"الأهرام العربي" تفاصيل مسلسل حمادة هلال الجديد    ليلى علوى: منة شلبى شرفت السينما وتربطنا عشرة عمر    اشتباه فى حقيبة يؤخر رحلة مصر للطيران لباريس لمدة ساعة    التعليم: الانتهاء من أعمال صيانة المدارس قبل بداية العام الدراسى الجديد    جامعة بنها تطلق قوافل بيطرية وطبية وزراعية بقرى القليوبية    رئيس السكة الحديد يكرم مشرف قطار عثر على كيلو ونصف ذهب    قافلة طبية من جامعة الإسكندرية تجرى 30 جراحة لأطفال زينزيبار    «الصيادلة» تبحث مع «اتحاد مصانع الأدوية» مشاكل الصناعة    مفتي الجمهورية: يجوز للمرأة أن تسافر لأداء الحج بدون مَحْرَمٍ مع صحبة آمنة    الوَقَار.. صفة عباد الرحمن    أهم سنن ليلة الزفاف    دراسة: المؤمنون بالله عز وجل الأكثر إقبالا على المجازفة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.