«محلب» يجتمع بعدد من شباب مدينة ابو سمبل في ختام جولته التفقدية    اليوم.. رئيس دجلة يعود من بلجيكا ليدرس عودة الحضرى    عبد الواحد السيد: سأكون رئيساً للزمالك    اليوم.. مران لاعبى الأهلى المستبعدين من قائمة مباراة سيوى فى الجزيرة    تحديد مكان اختباء المتهمين فى هجوم الفرافرة.. والعدوان الإسرائيلي على غزة وخطاب السيسي يتصدر اهتمامات الصحف اليوم    مقتل طالب بطلق نارى عن طريق الخطأ من فرد خرطوش كان بحوزة بائع خضار بالبحيرة    بالأسماء.. القبض على 7 من عناصر الإخوان    بطاطس محشية بالجبن والسبانخ للشيف أماني رفعت    "التوك شو":هالة صدقى: "الشباب بيتحرش لأنه مش بيرقص ولا بيمارس الرياضة".. تامر أمين:"ماسبيرو" يفتقد للكفاءات ويحتاج لثورة إصلاح.. خالد صلاح:يجب تقديم معلومات كافية عن توشكى للإعلام حتى لا يترك للخيال    حمدى الوزير: محمود عبد العزيز عبقرى.. ولديه أكثر مما قدم    نجل عبد الناصر: مسلسل صديق العمر "فاشل".. والهجوم على والدي لم يبدأه الإخوان    تفاقم العنف في غزة.. والولايات المتحدة ترفع حظر الرحلات لإسرائيل    خامنئي: أدعو إلي استفتاء بين العرب واليهود لوضع نهاية "للدولة الصهيونية"    رفض حماس لمبادرة السيسى خيانة للدم الفلسطينى    مقتل 8 أشخاص وإصابة 49 آخرين جراء اشتباكات بنغازي    أمريكا ترفع الحظر على الرحلات الجوية إلى اسرائيل    عبدالعاطي: مؤتمر صحفي عقب لقاء وزيري خارجية مصر وبريطانيا    عمليات الجيش في سيناء تمنع قافلة "دعم غزة" من العبور    إليسا تغنى لعبدالحليم وداليدا فى ألبومها الجديد    «محلب» يفتتح مستشفى الطوارئ الجديدة بالقصر العيني.. اليوم    مصرع وإصابة 12في انقلاب سيارة ب"سوهاج"    سلوى خطاب : أرشح نيللي كريم ل"أوسكار".. و"سجن النساء" عالم افتراضي    منع الشيخ محمد جبريل من أداء صلاة التراويح    الايبولا ينتشر بسرعة كبيرة خارج العاصمة الغينية    كيف تتعاملى مع الطفل كثير العناد    طريقة الشيف ريهام لعمل كعك العيد بالعجمية    أسعار الاسمنت اليوم 24/7/2014    تيفيز مستمر مع يوفينتوس    'السلع التموينية' تتعاقد علي شراء 235 ألف طن قمح روسي وروماني وأوكراني    تكريم 140 من حفظة القرآن الكريم بكفر الزيات    لكزس تكشف رسمياً عن NX الجديدة    ايتان فى القران الكريم فيهما حل لكل هم فى قلبك    محمد رمضان يعلق على «شورت» سارة سلامة    بالصور..أمن المطار ينظم إفطارا جماعيا وأمسية دينية بقيادة قوات الأمن    الغندور: إبراهيم سعيد أول وآخر من قُدم للمحكمة الرياضية المصرية    مصرع عاطل على يد أب ونجله بسبب خلافات مالية بينهم بالشرقية    القبض علي عاطل بحوزته مواد مخدرة بقصد الإتجار بالغربية    تامر أمين ل"خالد صلاح":"ماسبيرو" يفتقد للكفاءات ويحتاج لثورة إصلاح    بعد عبوره المانش .. السباح المصرى «أحمد ناصف» يصل من لندن    خبير يطالب الحكومة المصرية بإعادة النظر في القوانين المنظمة للإفلاس    سامسونج نوت 3. بجميع مشتملاته    ننشر كليات المرحلة الثانية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا    بالفيديو.. مفتى الجمهورية: عدم ارتداء «الحجاب» لا يبطل «الصوم»    تحالف دعم الشرعية يدعو ل"أسبوع عيد الشهداء"    بالفيديو.. مواطن يحارب جشع الجزارين ويبيع كيلو اللحم ب35 جنيه    رئاسة الجمهورية: هذه حقيقة رفضنا لتبرع من جامعة القاهرة    استطلاع للرأي: 42% من الأمريكيين يؤيدون أوباما    إصابة 14 شخصا في حريق شب فى "شدة خشبية" بتوسعة الحرم المكي    عقد قران هنادى ابنة الفنانة فيفى عبده على رجل الأعمال شادى العزايزة    "كفاية": حديث الرئيس عن حادث الفرافرة بمثابة التزام شخصى منه بمعاقبة الإرهابيين    بالفيديو.. الاعتداء علي فريق مكابي حيفا الاسرائيلي    البابا تواضروس يهنئ شيخ الأزهر بعيد الفطر تلفونيا من النمسا    رئيس حزب الكرامة في زيارة للسفير الفلسطينى بالقاهرة غدا الخميس    نساء حول الرسول .. أسماء بنت عميس صاحبة " وسام الإيمان"    رسميا "حمادة يحيي" ينتقل الي صفوف النادي المصري البورسعيدي    الهلال الأحمر السعودى: السيطرة على حريق شب فى محيط توسعة الحرم المكى اسفر عن اصابة 14 شخصًا    وصول 36 من المصابين والمرضى الفلسطينيين إلى معبر رفح    9 فعاليات ليلية بالفيوم تضامنا مع أهالي غزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.