الطيب يعفي الطفلة المغتصبة بكفر الشيخ من المصروفات الدراسية    محافظ قنا يضع إكليل الزهور على قبر الجندي المجهول.. غدًا    تأجيل اجتماع «الوفد المصري» و«التيار الديمقراطي» لبعد العيد    «النور»: خارطة الطريق باطلة لو كنا حزبًا غير دستوري    السيسي يضع أكليلين من الزهور بالنصب التذكارى للجندى المجهول وقبر السادات    تعرف علي تشكيل الرجاء أمام الأهلي    دورتموند يسعى لاستعادة توازنه في البوندسليجا أمام هامبورج    تعرف على دوراتي مدرب الزمالك المحتمل    منتخب إنجلترا يستدعي الصاعد كلاين لتصفيات يورو 2016 .. واستمرار غياب ستوريدج    مؤشرات البورصة تواصل تباينها.. والسوق يربح مليار جنيه قبل العيد    محافظ قنا: منح 6000 أسرة بالمحافظة أضحية العيد    ''تويوتا تسوشو'' تدرس التنقيب عن الغاز بمصر بمياه البحر المتوسط    إعادة عرض زيادة رأس مال مصر للكيماويات    بالفيديو.. محمد رمضان يهنئ جمهوره بعيد الأضحى    صور.. حفل "شفت الأيام" للهضبة كامل العدد    وزير الثقافة يناقش دعم مهرجان الأقصر للسينما المصرية الأوروبية    غداً.. أولى حفلات "على الرصيف باند" بساقية الصاوى    سفير مصر باليونسكو: لم يتم حذف أى موقع مصرى من قائمة التراث العالمى    ناعوت ومذبحة العيد..كابوس الصالحين وعلاقة "البوذيين والزرادشتيين"    البرلمان التركي يوافق على مشاركة تركيا في التحالف الدولي ضد "داعش"    الأمم المتحدة تتهم «داعش» بارتكاب جرائم ضد الإنسانية    الجارديان: عباس يسعى لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في 2016    الجيش الصهيوني يفرض يغلق الأراضي المحتلة أمام الفلسطينيين    انفجارعبوة ناسفة بمحيط نادي القضاة بالمنيا    وزير الداخلية السعودي يعلن وصول مليون و389 ألفا و35 حاجا    الجيش يقتل ''أبو شيتة'' القيادي بتنظيم بيت المقدس بسيناء    بالصور .. ضبط 205 كيلو مواد مخدرة في حملة أمنية مكبرة بالقناطر    مصرع أمين شرطة وإصابة 4 في حادث تصادم بدمنهور    عمال سجاد المحلة يقطعون الطريق أمام أبواب المصنع احتجاجا على عدم صرف رواتبهم    مستشفى سرطان الأطفال 57357 يحتفل بذكرى انتصار أكتوبر    مطار الغردقة الدولى يستقبل 11 ألف سائح على متن 60 رحلة طيران    القوات الكردية تسيطر على بلدة ربيعة العراقية    وزير الخارجية يبحث قضية الأمن المائى مع نظيره الجنوب سودانى    "الأطباء": نقدر مكانة الجراح العالمى مجدى يعقوب ولم يحول للتأديب    مصطفي عبدالخالق: التعاقد مع دوراتي «تهريج» والمجلس سيجتمع بعد قليل والتوأم باق    في العيد.. تجنبى عسر الهضم    قافلة رياضية بمؤسسة الأيتام ببني سويف احتفالاً بعيد الأضحى    التحالف الفائز بتنمية "محور القناة" يزور موانئ بورسعيد    المؤتمر: دعوات التظاهر في العيد إصرار على تحويل الفرح إلى حرب ودماء    وزير الخارجية الصينى: الصين ترغب فى مواجهة تهديد الإرهاب بشكل مشترك مع الولايات المتحدة    الحضري: اتوقع من البداية عدم استدعائي في تصفيات 2015    كشف غموض واقعة قتل سائق توك توك بمدينة الحمام    البحث عن مجهولين ألقوا بقنبلة أمام سيارة رئيس نقطة الصنافين بالشرقية    «أمن طرة» يمنع الصحفيين من حضور قضية «أحداث شغب مصر القديمة»    ما لاتعرفه من أحكام عن "الأُضْحِيَّة" بداية من الشروط وحتى التوزيع    رودجرز يشيد بمستوى بالوتيلي    مركز بحثى: الجهاديون البريطانيون أكثر ثراء من نظرائهم الأوروبيين    المستثمرون يرفضون تخصيص الأراضى الصناعية ب«حق الانتفاع»    السناري ينظم دورة تعريفية في الدراسات المستقبلية    محمد عساف في ألبومه الأول منتصف أكتوبر المقبل    الدولار يتراجع فى السوق الموازية إلى 7.39 جنيهًا قبل عطلة عيد الأضحى    بالفيديو.. دار الإفتاء: يجوز صيام غدا الجمعة منفردًا لكونه يوافق يوم "عرفة"    وفاة مليوني طفل في 2013    تعرف على الأحاديث الصحيحة في فضل "يوم عرفة"    علي جمعة يشارك ببحث في ندوة «تعظيم شعائر الحج»    المغرب تعلن استراتيجية شاملة لمواجهة «إيبولا».. وتتعاون مع ألمانيا    مقتل 41 طفلا.. اشتباكات البحيرة.. 18 بؤرة إرهابية.. منشورات ضد الجيش.. فيروس كورونا.. بنشرة الثالثة    وصول رئيس الوزراء ووزير الداخلية إلي الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.