«محلب» يفتتح اليوم المؤتمر الدولي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية    سعر الدولار اليوم السبت 28-2-2015    اليوم.. بداية الجلسات التحضيرية لمؤتمر وزراء البيئة الأفارقة بالقاهرة    «دجلة» يعود للتدريبات اليوم استعدادًا للدوري    سموحة فى اختبار أفريقى صعب أمام أهلى طرابلس    "السيسي" يزور السعودية غدًا    وفاة الفنان الفلسطيني «غسان مطر» في «مصر»    الغضب يضاعف من خطورة الأزمة القلبية الحادة ثمانية مرات ونصف    ماذا على خطابنا الدينى فى وقت الفتن والمحن؟.. دور الخطاب الدينى بالغ الأهمية فى المرحلة الراهنة.. وعلينا أن نستشعر الخطر المحيط بنا من كل مكان    ميلان يسعى لمواصلة الانتصارات فى الكالتشيو أمام كييفو    برشلونة يجدد عقد سرجيو بوسكيتس حتي 2019    "الزراعة" تستبعد 300 ألف فدان من الأسمدة لدخولها كردونات المبانى    بوتين يدين مقتل السياسي الروسي بوريس نيمتسوف    الكويت تقرر استئناف عمل سفارتها فى اليمن من مدينة عدن    شكرى ووفد التعاون الإسلامي يلتقون نائب الرئيس الصينى في بكين    اليوم.. وزير الإسكان يبدأ جولة لمدة يومين في أسوان    بالفيديو.. مصطفى كامل عن أغنية «قشطة يابا»: مبحبهاش    أوباما ينعي الممثل الأمريكي ليونارد نيموي    محاضرة حول "التغير الإيجابى ثقافة وسلوك" بثقافة البحر الأحمر    افتتاح الدورة 63 للمهرجان الكاثوليكي للسينما بحضور ليلى علوي ونبيلة عبيد    السيسي يكشف سبب صمته حين سُئل عما ينتظره من الخليج    ضبط 878 مخالفة مرورية وحجز 7 دراجات بخارية دون ترخيص بسوهاج    اليوم.. استئناف محاكمة مرسي و10 آخرين في «التخابر مع قطر»    نجاة رئيس مباحث مركز ناصر ببني سويف ومعاونه من محاولة اغتيال    «الأرصاد»: انخفاض في درجات الحرارة والعظمى بالقاهرة 21    صندوق النقد الدولي: لاجارد ستشارك في مؤتمر دعم الاقتصاد المصري    مجلس الأمن يدين "الأعمال البربرية الإرهابية" لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق    أسعار العملات الأجنبية والعربية اليوم السبت 28/2/2015    "أحلام" تنشر مقطع فيديو مع شرين عبد الوهاب أثناء تواجدهما بجدة    كيفية تحضير رقائق الشوفان بالقرفة والفاكهة لأطفالك بطريقة صحية    السيسي: "قناة السويس" و"شبكة الطرق" أهم إنجازاتي خلال 8 أشهر    ضبط سائقين اختلقا واقعة سطو مسلح للاستيلاء علي 11 الف جنيه من صاحب سيارة    السيطره علي حريق بأرض زراعية بالوادى الجديد    وزير الشباب خلال مشاركته فى افتتاح بطولة التايكوندو بالأقصر: انتهاء العمل بحمام السباحة الأولمبى خلال 3 أسابيع وافتتاحه أوائل مايو.. طرح مشروع استاد المحافظة الدولى خلال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى    مؤتمر «الأعلى للشؤون الإسلامية» يحدد مفاهيم علمية وشرعية للقضايا الشائكة    وصول 313 مصريا عائدين من ليبيا    محافظ مطروح: خزان للغاز الصب سعة 50 طنا للقضاء على أزمة البوتاجاز    بالفيديو.. "أيامنا الحلوة" تبحر في قاعة النهر بأغاني مسلسلات الثمانينات    "الأزهر" ينفى أى علاقة له بإصدار تصاريح الخطابة من الأوقاف    اليوم.. بتروجيت يستدرج غزاله السوداني في الكونفيدرالية    نشوب حريق بوحدة سكنية بالخارجه في الوادى الجديد    أستاذ أمراض قلب: الجلطة القلبية يمكن أن تسبب الوفاة ل25% من الحالات    بالصور…ختام فعاليات مؤتمر أسوان الثالث للجهاز الهضمى والكبد    اتحاد الكرة: معاييرنا لا تنطبق على ريكارد.. وتم استبعاد رينارد وخاليلوزيتش ورينارد وشتيلكه وليكنز    نصائح لعلاج ضعف الشهية لدى الأطفال    ارتفاع قتلى داعش في هجومه غربي العراق إلى 33 إرهابيا    بالصور| "داعش" يوجه رسالة للأردن.. وينشر مقاطعا جديدة لحرق "الكساسبة"    بكار ينفي توزيع حزب النور لسلع غذائية من باب الدعاية الانتخابية للبرلمان    وقفة لمزارعي أرض السادات أمام وزارة الزراعة غدا الأحد تنديدًا بتجريف زراعاتهم    إسبانيول يفوز على قرطبة ويعمق جراحه في الدوري الأسباني    ناشط حقوقي: هذه تداعيات قانون"الكيانات الإرهابية"    بالفيديو| سعد يهاجم الأوقاف لإصرارها على احتكار الأزهريين للمنابر    صحة الشرقية: مصرع 3 بينهم أب ونجله وإصابة 3 فى حادثى سير    برهامي: انضمام المرأة والأقباط لقوائم النور مرونة شرعية    السر وراء لون الفستان الذي أثار الجدل في كل أنحاء العالم    "الإخلاص في القول والعمل".. خطبة موحدة في أسيوط    فى خطبة الجمعة.. مظهر شاهين: من يطعنون فى "صحيح البخارى" لا يعرفون شيئا عن الدين.. الجامع الأزهر: ما حدث للإخوان سنة ربانية لإصرارهم على الإقصاء.. وخطيب الحصرى: حرمة النفس أعظم من حرمة الكعبة    الإفتاء : لا يجوز اقتناء الكلب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.