"التموين": مخزون القمح يكفى لإنتاج الخبز المدعم لمدة 6 أشهر    بالصور.. إحياء ذكرى معركة العلمين بحضور ممثلى 36 دولة    وزير كويتى: تراجع سعر النفط بدأ يؤثر على دول الخليج العربية    والد الطفل المصاب بالسرطان: السيسي أصدر قرارًا بعلاج الأطفال المصابة ب"السرطان" على نفقة الدولة    اليوم.. البنك المركزي يقرض الحكومة 6 مليارات جنيه    البشير يؤكد أن السودان يخرج من عزلته الإقليمية    اليوم.. تونس تختار برلمانا جديدا وتأمل فى تطبيق نظام ديمقراطى كامل    الشرطة يتسلح ب"رابو وشمامة" أمام الرجاء بعد شفائهما من الإصابة    السودان يدين الحادث الإرهابي ضد الجنود المصريين بسيناء    إصابة 17 شخصا جراء تجدد الاشتباكات غرب العاصمة الليبية    اليوم.. نظر دعوى إدراج «داعش» كجماعة إرهابية    مسئول ألماني: عدد العناصر الإسلامية المتطرفة في ألمانيا يتزايد بشكل سريع    "بيبى": استحقينا الفوز على برشلونة والجمهور كلمة السر    طريقة الشيف إلهام لعمل دجاج مراكش    بالفيديو.. لاعب الزمالك "السابق" يسجل هدفا عالميا في مرمى أهلي "عبد الشافي"    بالفيديو.. باتشيكو يكشف مكاسب مباراة الزمالك وسموحة    عمرو فهمى يشارك بمعرض الفن التشكيلى الأول لمسابقة اليوم العالمى للمتاحف    محافظ كفر الشيخ ومدير الأمن يقدمان العزاء لأسرة "شهيد العريش"    بالفيديو.. النور: حريصون على عدم الصدام مع مؤسسات الدولة.. ونقف معها في كل الأحوال    عميد إعلام الأزهر يطالب بإحالة الأساتذة المتورطين في الشغب لمجالس تأديبية    بالفيديو.. خبراء عسكريون: رجل عسكري وراء تدريب منفذي عملية حادث سيناء ونتوقع مشاركة "داعش"    بالفيديو.. اليزل: هناك معلومات بمشاركة كتائب القسام في حادث سيناء.. و"حبارة" سيحاكم عسكريًا    بالفيديو.. مجدى الجلاد يعرض رسمًا توضيحيًا لطريقة تنفيذ حادث العريش    اليوم.. الحكم على 17 إخوانيا فى "أحداث شغب شارع الميرغنى"    كيف ترد على المواقف المحرجة بطريقة ذكية؟    هجرة الرسول وهجرة الأمة    باب استحباب سجود الشكر    فورد تقدم الجيل الجديد من Mondeo    هاليب تواجه سيرينا ويليامز في نهائي البطولة الختامية لموسم تنس السيدات    بالفيديو.. لحظة انقطاع البث عن عمرو أديب على الهواء    طرح ألبوم "لا يروح بالك" لخالد عبد الرحمن.. اليوم    بالصور.. فؤاد وحماقي وشيرين وجدي ومصطفي قمر في ختام عزاء والدة إيهاب توفيق    محمود سعد يتغيب عن الظهور في "آخر النهار" بعد بيان القناة    اليوم.. الأهلي يغادر إلى أسيوط استعدادًا لمواجهة الأسيوطى    «الدفاع الأمريكية»: نواصل دعم جهود مصر لمواجهة خطر الإرهاب    خبير عسكري: الجيش «هيفرم» الإرهابيين في سيناء    انتظام حركة القطارات على خط "الشرق" بين "القاهرة والمنصورة"    بالفيديو: مواصفات هاتف Samsung Galaxy Core Max    التحفظ على 665 لتر سولار وكمية من البنزين قبل بيعها بالسوق السوداء بالمنيا    تنفيذ 307 أحكام قضائية وضبط 1740 مخالفة مرورية و78 دراجة بخارية بالمنيا    وزير الصحة ل"أسامة كمال": لست راضيًا عن الخدمة المقدمة للمواطن.. ونعمل لتصحيح المسار.. وهناك تجاوزات بقطاع الإسعاف .. مكتشف "سوفالدى" وعدنى بأن يكون الدواء مملوكا للشعب المصرى    على جمعة ب"والله أعلم": الزواج العرفى "حلال".. ويجوز للمرأة الزواج دون مأذون أو وثيقة لعدم قطع المعاش.. ويخاطب متصلة: الترقيق فى القرآن كالبسمة والتفخيم "كالبوسة"..وحسن البنا أسس للفكر المنحل بالعالم    أيمن منصور: "واحد صعيدى" بداية كوميدية حقيقية لى    اليوم.. وزير الصحة يطلق حملة التطعيم ضد شلل الأطفال    وزير الصحة: أغلب حالات الإصابة بفيروس C تتم داخل المنشآت الطبية    الشباب" تعلن تشكيل برلمانى الطلائع الشباب على مستوى قطاع الصعيد    شهدى عطية الشافعى أديبًا وروائيًّا    بيجو تقدم الموديل RXH من سيارتها 508 بدون الدفع الهجين    غطاء شحن لايفون 5    للذِّكرَى    ما هو اختناق أعصاب اليد .. تعرف على الأعراض و العلاج    "حماس": ليس لنا علاقة بحادث سيناء الإرهابي    الرئاسة الفلسطينية تؤكد دعمها الكامل لحرب مصر ضد الإرهاب    نيوزويك الأمريكية تصف ما يحدث في سيناء بأنه يتشابه مع أعمال داعش    البدء في إقامة منطقة حدودية عازلة بين مصر وغزة    الأهلي يقدم عرضا رسميا للإسماعيلي لضم محمود متولي    علماء الدين: محاكم استثنائية وحد الحرابة لإرهابيى العريش    كل سنة وأكتوبر طيبة وصلت لسن النضج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.