صعود مؤشرات الأسهم اليابانية في الجلسة الصباحية    حظر التجول لمدة أسبوع و إصابة 15 شرطيًا في اشتباكات بالتيمور الأمريكية    سامح شكري يغادر نيويورك في ختام زيارة ناجحة    داعش يعدم رئيس تحرير صحيفة محلية وسط الموصل    بن عمر: فرض حظر جديد على السلاح إلي اليمن قد يمنع وصول المساعدات الإنسانية    ننشر الأخبار المتوقعة للثلاثاء 28 إبريل    «الداخلية»: سقوط 66 «إخوانيا» مطلوبا في قضايا «شغب»    «الحماية المدنية» تسيطر على حريق «شقة المهندسين»    اجراء تحقيق عاجل في واقعة "العثور على حمار" بجراج المطار    كيري: نقترب من اتفاق تاريخي مع إيران    هل يحتاج السيسى إلى شهادة مبارك؟    اليوم.. الشرطة يلتقى ب"الأسيوطى" فى العباسية    وزير الأوقاف: خيانات "الارهابية" لوطنهم لا تحتمل    عضو ب"لجنة الانتخابات": عرض القوانين التى أقرها السيسى ومنصور على البرلمان "غير ملزم"    بالصور والفيديوهات.. أطفال «كوم أبو خلاد» ببني سويف ينامون وسط المياه الجوفية والصرف الصحي    محافظ قنا: النتائج تجزم خلو مياه النيل من اليورانيوم المشع    مجلس الأمن يناقش قضية تدمير التراث الثقافي في العراق وسورية    المرأة عنده.. «بريد»    الشرطة الأمريكية تحتجز طالبًا اطلق النار في مدرسة بولاية واشنطن.. ولا اصابات    بالفيديو.. لحظة تكريم شادية والجسمي والرويشد والجوهري    «النهار» تحذف مكالمة الأزمة بين «ريهام» و«الكحكي» في إعادة صبايا الخير    بعد ظهور «حمار» داخل مطار القاهرة.. رانيا بدوي: تكاسل الموظفون يضيع مجهود «السيسي»    بالفيديو.. "وهبة" محذره الشباب من المتحولين جنسياً: "الصاروخ اللبناني ممكن يطلع راجل"    بالصور.. تفريغ مياه الصرف الصحى فى مصارف رى الأراضى الزراعية بالمنيا    السبسي: ليس دور تونس إيقاف المهاجرين السريين إلى أوروبا    السيد البدوى ل «وائل الإبراشى»: «السيسي» لايريد تعطيل انتخابات «النواب».. السياسة أصبحت سوقا ل «النخاسة».. أعضاء «الوطني المنحل» يشكلون أغلبية البرلمان.. فصل عبدالعليم داوود قرار الهيئة العليا للحزب    الزراعة: توفير 839 ألف طن سولار لمحصول القمح وحصاد 452 ألف فدان    الأهلى يؤجل التفاوض مع مهاجم الفتح المغربى    الفيفا يتغنى بالزمالك ويتحسر علي الأهلي    العثور على مئات الجثث في شمال شرق نيجيريا    "مختار" يوافق على قيادة النادي المصري    : النصر يفوز بثلاثية على الإمارات    بالصور.. رئيس اتحاد شباب الثورة بالغربية يعلن الإضراب عن الطعام بسبب «موز» المحافظ    الخميس.. تكريم حسن حسنى وهالة فاخر فى ختام مهرجان المسرح العربى    بالفيديو.. منشقة عن الإخوان: «خرفان الإرهابية» لا يهتموا بدماء المواطنين    إزالة 145 حالة إشغال طريق وضبط 7 قضايا للباعة الجائلين بشمال سيناء    بيبسيكو تطلق مسابقة لمؤسسات الخدمة المجتمعية لدعم مشروعاتها    الذهب يقفز 2% متجاوزا 1200 دولار للأوقية    ضبط 210 هاربين من أحكام في حملة أمنية موسعة بالغربية    شيكابالا يعود الى الزمالك وسبورتنج يطلب مليون يورو    تونس في المرتبة 25 عالميا من حيث نزاهة الانتخابات الرئاسية    "الري": الونش العملاق يبدأ عملية انتشال صندل الفوسفات‎ الغارق بقنا    "نطالب برحيل جاريدو".. يحتل المركز الثاني بمصر على "تويتر"    بالفيديو.. عمر هاشم يوضح الحكمة من إطلاق «النية» في الأعمال    قنديل ل"الجلاد": نسبة الإصابة ب"فيروس سي" ستصل لأقل من 1% عام 2025    وزير الأوقاف :حفاوة الاستقبال التي تلقاها الإمام الأكبر يكشف عن كرم دولة الإمارات    الطرق الصوفية تحتفل بمولد الامام على السبت المقبل    مستشار المفتى: الخطاب الدينى يجب أن يكون رادعًا للإرهاب    أحمد السقا يعود من بيروت ب"ذهاب وعودة" منتصف مايو المقبل    دراسة.. النوم الجيد يحسن الذاكرة وقدرات التعلّم    ريم هلال: ارتدائى الحجاب شائعة    جمعة ل«إسلام البحيرى»: «تغييرك معالم الدين سيدخلك جهنم»    بالفيديو.. علي جمعة: ترجمة لغة "القرآن" محاولة لإختراق الإسلام    طلاب هندسة هليوبوليس ينشئون محطة لمعالجة مياه الصرف الصحى    شركات الكويز تطالب «القاهرة» بالضغط على «تل أبيب» سياسيًا    قافلة الأزهر الطبية بالوادى الجديد    أبحاث طلاب طب المنصورة فى مؤتمر «الميكروبيولوجيا الطبية»    وزير الصحة يفتتح أول عيادة لمرضى السكر ب «أم المصريين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.