محلب يقرر إنشاء «وحدة شهادة النيل الدولية» بصندوق تطوير التعليم    «يوسف»: نسعى لتوفير فرص عمل لخريجي المدارس الفنية    "عمران" : تغييرات هيكلية في منهجية مؤشرات البورصة    «حنفي»: دراسة لربط 1500 شاحنة إلكترونيًا لنقل السلع والحبوب داخليا وخارجيا    الريال السعودي يسجل 2.03 للبيع والقطري يستقر عند 2.09    'قطان': الاتفاق في الرؤي والتنسيق الأمني والعسكري ركائز العلاقات السعودية المصرية    زعيم جبهة النصرة: نسعي للسيطرة علي دمشق.. والأسد سيسقط سريعاً    رفض أمريكي لمد المحادثات النووية مع إيران.. وفرنسا تحذر    التحالف العربي يضرب مواقعهم في أنحاء اليمن.. ومقتل عشرات المتمردين    القرية المصرية في دراما رمضان المقبل.. ملعونة وبدون رجال    لبيب: 136.8 مليون جنيه دفعة أولى لبدء إنارة الشوارع بالكشافات الموفرة    رئيس المصرية للاتصالات الجديد: لا تغيير في استراتيجية الشركة    سالمان: الانتهاء من المسودة الأولى لقانون الاستثمار خلال أسبوع    دبلوماسى ألمانى سابق: توقيع اتفاقيات تعاون مع مصر خلال زيارة السيسى لبرلين    رئيس غرفه تجارة الأردن: استقرار مصر ميزة يزيد من فرص الاستثمار بالمنطقة العربية    وحدة لخدمة المشاركين في المشروعات البحثية بجامعة المنوفية    الإخوان تتساقط.. القبض على "وهدان" الرجل الرابع في الإرشاد يقلق قيادتها.. والتنظيم ينصحهم بالهرب خارج مصر    نقابة الأطباء تعلن رفضها لقانون الخدمة المدنية.. ومؤتمر الصحفي للرد    البابا تواضروس الثاني يرأس الجلسة الختامية لاجتماعات المجمع المقدس    السيسي يبحث مع وزير الدفاع الأمريكي الأسبق تطورات الأوضاع بالمنطقة    طلعت يوسف : نقاط الداخلية غالية .. و هدفنا المربع الذهبي    جنوب أفريقيا تنفي دفع أموال للفوز باستضافة كأس العالم 2010    الجبلاية تكشف عن تصويتهافي انتخابات الفيفا    وزير الرياضة يلتقي رئيسي الاتحاد الدولي والإفريقي لكرة اليد    غالى : لم أوجه الفاظاً خارجة لمحمد فاروق    تعرف على حكام مباريات اليوم في الدوري المصري    المقاولون: لا نحتاج الحضري    إحالة محاكمة بطلة كليب "سيب إيدى" لدائرة أخرى للاختصاص الرقمي    النيابة تنتقل لمعاينة انفجار برج كهرباء في كرداسة    ضبط 6 من الإخوان بتهمة التحريض على الشغب في الغربية    وزير التعليم الفني: 117 مليون يورو منحة من الاتحاد الأوروبي لتطوير التعليم    ضبط أحد عناصر تنظيم الإخواني الإرهابي لإدارته صفحتين على «فيس بوك» للتحريض ضد الجيش والشرطة    رغم إعلان انتهاء الأزمة : "إصلاح الوفد "يرفض المصالحة ويعقد اجتماعه الثاني ضد البدوي بالغربية اليوم    اتحاد كتاب الإمارات يهنئ لجنة إدارة المهرجانات على نجاح "أمير الشعراء"    وزير الصحة يتفقد مركز أورام السلام ويوصى بتسجيل بيانات المرضى إلكترونيا    محافظ البحر الأحمر يستقبل خبراء جراحة مناظير الجهاز الهضمى    تجديد حبس بائع أسطوانات غاز يبيع بأزيد من السعر الرسمى فى منشأة ناصر    الأرصاد :طقس الجمعة معتدل    الرئيس اليمني يتلقى اتصالا هاتفيا من بان كي مون    الأوقاف تطالب بإدراج «علماء المسلمين» ضمن «الكيانات الإرهابية»    رامي وحيد ينتهي من تصوير 75% من الجزء الثالث من "سلسال الدم"    اليونسكو تحتفل بالأسبوع الأفريقي لعام 2015    نسمة محمود تنتهي من "شطرنج" وتؤجل تصوير "نسوان قادرة" لعيد الفطر    أمين والإبراشى ومنير يناقشون كليب «سيب إيدى»    قطاع المتاحف: فى حال هدم مبنى الحزب الوطنى لن يتم إغلاق المتحف المصرى    الأهلي يحل مشكلة البث علي إفطار الجمعه في وجود الراعية    بلاتر يدعو رؤساء الاتحادات القارية إلى اجتماع "أزمة الفساد"    «الصحة»: علاج والد شهيد «استاد كفرالشيخ» على نفقة الدولة    الجيش الأمريكي يرسل خطأ عينة حية من "الجمرة الخبيثة" إلى مختبر    الصحة تعلن الحصيلة النهائية للمصابين نتيجة ارتفاع درجات الحرارة    البنتاجون: تسليم 2000 صاروخ مضاد للدبابات لبغداد هذا الأسبوع    انهيار برجي كهرباء بكرداسة وأوسيم بالجيزة بسبب تفجيرهما ب 7 قنابل    والشر ليس إليك    أفعال محرمة تعترض على الأقدار    وزير الاوقاف يؤكد أهمية الاخذ بالأسباب بقوة وتفويض الأمر في النتائج إلى الله    نختلف على الضلال والشر ونتفق على الكمال والخير    الكاتب سمير الجمل ل"برديس":"بلاش شغل عوالم وخلع الهدوم بحجة الفن"    فيديو.. عالم أزهري: من حق المرأة التى يضربها زوجها أن ترد عليه بالمثل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.