محافظ القليوبية يشهد احتفال «الأوقاف» بالعام الهجري الجديد    بالصور.. مدير تعليم الإسماعيلية يتفقد مجموعات التقوية المسائية    «المحامين» توقف التصعيد ضد «القيمة المضافة».. والزيات: «عاشور ينبطح»    بالفيديو.. الإفراج عن محمود السقا وسط هتافات "عيش حرية الجزر مصرية"    مصر تفوز بمقعد فى المجلس التنفيذى لمنظمة الطيران المدنى الدولى "الإيكاو"    الدولار يسجل 13.26 جنيها في "السوق السوداء"    وزير الكهرباء يتفقد محطة «العاصمة الإدارية الجديدة» في زيارة مفاجئة    شاهد..«فتح» تتبجح وتبرر «مذلة» عباس في جنازة بيريز    إيران تعلن إنتاج طائرة هجومية جديدة بدون طيار    إسرائيل تبني 98 وحدة سكنية بالضفة الغربية    "كهربا" ينضم لمعسكر المنتخب غداً    "تريزيجيه" يتألق ويقود موسكرون لفوز ساحق بالدورى البلجيكى    "تريزيجيه" يقود موسكرون للفوز علي يوبين بالدوري البلجيكي    عمرو أديب: كل دول العالم عرفت طريقها للتقدم وإحنا بس اللي بنرجع للوراء    ننشر صور شهداء حادث تفجيرات العريش بشمال سيناء    السيطرة على حريق هائل بمحطة الترحيلات بالغربية    دقيقة حدادًا على روح ناهض حتر في ختام «التجريبي»    تامر أمين: «شكري» لم يترحم على «بيريز» وحضر الجنازة بحكم منصبه    السيطرة على تسرب بترولي بميناء شرق بورسعيد    وزير الخارجية الكويتي يجري اتصالات بشأن الأوضاع بحلب    شيخ الأزهر: سياسات التسلط والأطماع الدولية والإقليمية أسباب الإرهاب    بالصورة.. لاعبو الزمالك يطمئنون على إصابة «حجازى» بمعسكر المنتخب    إحالة استئناف صاحب «أونست» على حبسه ب13 قضية نصب ل«مستأنف المعادي»    بالفيديو..دورتموند يرفض تقليص الفارق مع بايرن بالخسارة من ليفركوزن    رحلات عمرة للفائزين فى مسابقتى القوات المسلحة ل«الأخلاق والإنجازات»    مركز إعلام المنيا ينظم ندوة حول نصر أكتوبر.. الثلاثاء    على ربيع: قناة «On E» هتولع الدراما المصرية    كلمة شيخ الأزهر بالمعهد المسكوني في سويسرا (نص كامل)    جهود مكثفة لضبط المتهمين بقتل سائق وسرقة 10 ملايين جنيه بالمنيا    رئيس الفلبين يتراجع عن مقارنته بين إبادة المدمنين واليهود    16 ألف وحدة إسكان اجتماعي ومتوسط..السبت المقبل    التحالف العربي: إنقاذ ركاب مدنيين بعد «استهداف حوثي» لسفينة إغاثية إماراتية    1000 طالب وطالبة الإحصائية النهائية لتعداد طلاب جامعة سوهاج‎    حملات أمنية وتموينية ومرورية بعدد من المحافظات    مصرع وإصابة 17 في حادث انقلاب ميكروباص بالصف    ترامب «ملكة جمال» على غلاف كاريكاتورى ل«نيويوركر»    14 مليار جنيه قيمة عقود التأجير التمويلى بنهاية أغسطس 2016    آلووو .. لطفي لبيب : السينما والدراما لم يعبرا لحظة واحدة عن انتصارات 73    المحكمة الدستورية تؤجل الطعن على المادتين 8 و10 من قانون التظاهر ل5 نوفمبر المقبل    مصر تنجح في استرداد خمس قطع أثرية من واشنطن    تعاون مشترك بين «برشلونة» وحملة مصرية للسياحة العلاجية    جامعة القاهرة تعلن أسماء الفائزين بجوائز الجامعة لعام 2016    وحدة زراعة الكبد تتمكن من اجراء ثلاثة عمليات زراعة كبد بالمنوفية    "الدستورية" ترفض منازعة إسلام بحيرى على حكم حبسه في ازدراء الأديان    " السيسى" يجتمع مع "عامر" ويطالب بخفض الدين العام وزيادة الاحتياطى الاجنبى    «الأرصاد»: طقس الأحد مائل للحرارة على الوجه البحري.. والقاهرة 34    «المؤتمر»: محمد السويدي جدير بقيادة «دعم مصر»    الآثار: اتفاقية تعاون مشترك بين المتحف الكبير و«طوكيو الوطني»    باولو هداف الدوري يتساءل: أروح منتخب مصر منين وازاي؟    لا تقارنوا بين الثري والثريا    «الأهلى» يكشف عن موعد ظهور الفريق بالزي الجديد    عامر يؤكد للسيسى دعم ألمانيا لاتفاق مصر مع صندوق النقد    دراسة تحذر من كثرة تناول مسكنات الألم ومضادات الالتهاب    مسئول أمريكي يؤكد أن خطر "زيكا" أكبر مما تشير التقديرات الحالية    وفاة أحمد ماهر رئيس قطاع الناشئين السابق بالأهلي    بريطانية تستعيد وعيها في اللحظات الأخيرة من فصل أجهزة الإنعاش    محافظ كفر الشيخ يشهد فعاليات الإحتفال بالعام الهجري الجديد    خبير أمني يطالب بالمحاكمة العسكرية للداعين لثورة جياع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.