«نادي القضاة»: نقدر دور الصحافة والإعلام.. وحريصون على التواصل معهما    جامعة كفر الشيخ: هذا ما سيحدث للطلاب المحبوسين بالامتحانات    "صحافة القاهرة": المستقلون 3 أضعاف مرشحى الأحزاب بانتخابات النواب.. محلب: أولوية لتطوير العشوائيات.. وزير التخطيط: إصلاح أجور 6.8 مليون موظف بالحكومة الشهر القادم.. الرئيس للصينيين: أدعوكم للعمل معنا    "فيتش" الأمريكية ترفع درجة تصنيف مصر إلى "بى" بعد إجراءات السيسي    "جنينة": راتبي 20 ألف جنيه في الشهر    غارة إسرائيلية على قطاع غزة للمرة الأولي منذ توقيع التهدئة    أوباما: 2014 كان عاما حققت فيه امريكا اختراقات مهمة    "أوغلو"‬ يستقبل وزير الخارجية القطري بإسطنبول    قصف جوي إسرائيلي على جنوب قطاع غزة    البرادعي يهاجم إسرائيل: التطرف والعزل قنابل موقوتة    مسؤول جزائري يؤكد قدرة بوتفليقة على حكم البلاد    المصرى يجدد محاولات إنهاء أزمة "الأهلى بورسيعد".. ياسر يحيى يعرب عن حزنه لتأجيل مباراة الفريقين بالدورى.. ويؤكد رغبته فى فتح صفحة جديدة مع الشياطين الحمر.. ويعترف بالضغوط الكبيرة على مجلس محمود طاهر    صيد أوروبا.. " كوبري " مانويل نوير يثير سخرية الصحافة العالمية .. فيديو    محمد الغيطي يسُّب «شيوخ السلفية» لتحريمهم الاحتفال بالكريسماس    روبن يقود بايرن للفوز على ماينز في الوقت القاتل    خالد الجندي: «حلقة الجن» تمثيلية تورط فيها 5 صبايا عشان سبق اعلامى    هجوم بالهاون على كمين أمنى بقرية الجوزة بالشيخ زويد دون وقوع إصابات    السيطرة على حريق في مبنى إدارة سمالوط التعليمية بالمنيا    مجهولون يضرمون النيران في محول كهرباء بالغربية    أوباما يعلن حظر المبادلات التجارية مع شبه جزيرة القرم    مجلس الأمن يدعو لوضع استراتيجية لمواجهة الإرهاب في إفريقيا    القضاء علي مشكلة خط طرد صرف صحي قوص    فرص عمل في كبرى البنوك بدولة الإمارات للمصريين براتب مغري جدا    تعليق ناري لصحيفة أمريكية حول "ثورة يناير"    رسميًا..الإسباني ماكيدا مديرًا فنيًا للمصري    جاريدو يصدر فرماناً بالعفو عن رمضان صبحي    إجراءات أمنية مشددة في دمياط استعدادًا لزيارة وزير الداخلية    طارق سعد الدين: نوفر آلاف فرص العمل لشباب الأقصر بالمشروعات الصغيرة    كيف غيّر مسلسل 'عائلة سمبسون' الكرتوني الأمريكي دور التلفاز    بيت السناري يحيي الذكرى الأربعين على رحيل فريد الأطرش    هاني شاكر يناشد السيسي ومحلب بالتدخل لحل أزمة القرصنة    حواء بالدنيا    الصحة: 500 مليون جنيه تكلفة تطعيمات خلال العام الجاري    كسور مفصل الكاحل من أشهر الإصابات.. وتمثل 15% من نسب الكسور    السعرات الحرارية والدهون التي يحتاجها الطفل الدارج    الداخلية تنفى ما تردد عن اعتقال 600 طفل بسجن تابع للأمن المركزى    خبير قانوني: هذا الأمر مخالف لدستور 2014    الأحد.. تلقي طلبات راغبي الالتحاق بفصول محو الأمية بالوادي الجديد    قوات حرس الحدود بالسلوم تضبط 76 متسللًا بينهم 4 سودانيين‎    إستعلم عن إسمك فى المرحلة السادسة من مسابقة التربية والتعليم 2014    ضبط شبكة تبادل زوجات بالمقطم    "أمن القاهرة": التحفظ على قاض أصاب عاملا بطلق نارى ب"الوايلى"    عبودية الأنا فى الخطاب الإعلامى    بالفيديو| "أخر حاجه" ..حلقة جديدة وأخيرة ل"ألش خانة"    بالصور| قافلة طبية مجانية لعلاج 3 آلاف مواطن بالعاشر من رمضان    الأهلي يسعى للاستمرار في التفوق على دجلة "المختلف"    راموس: ريال مدريد فريق الرب وسان لورنزو فريق البابا    #مهزلة.. «يغور الراجل اللي ورا»    بصورة لبنات "ريهام سعيد".. نشطاء يكشفون حقيقة حلقة "العفاريت"    بلاتر يدين الهجوم على مقر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم    مقال ونص..!    مجلس الوزراء: تشكيل لجنة لحصر جميع المدارس الحكومية لتطويرها    نقيب الباعة الجائلين:وقفة الأسبوع المقبل لعدم استكمال إنشاءات وابور الثلج    "جنوب الجيزة": نقل مواقف السرفيس لفك الاختناق المرورى بالميدان    "الأوقاف": قوافل دعوية مركزية بالمحافظات وصرف بدل لأعضائها    بالفيديو.. سعد الدين الهلالي: ندعوا ل"المسيحيين" و"اليهود" فى صلاتنا    الأوقاف تطلق "قافلة دعوية" إسبوعية لمحاصرة الأفكار المتطرفة    خطيب المسجد الحرام : تصرفات بعض المسلمين تسىء للدين وتبطء من دعوته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حضرة الموجه العام‏..‏ سباك
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 08 - 2010


تحقيق‏:‏ ربيع شاهين
لا يخجل أن يدعي بالمعلم أو الأسطي أو حتي عم فلان‏..‏ لمن يجهلونه أو لا يعرفون قدره وكم قطع من مراحل التعليم‏,‏ وارتقي إلي الدرجات العلي حتي بلغ درجة الموجه العام‏. !‏ أما الذين يعرفونه ويعلمون درجته ومكانتهالتعليمية التي وصل اليها خاصة ممن يتعامل معهم من المقاولين الكبار أو مساعديهم‏,‏ فإنهم ينادونه علي الأقل ب الأستاذ‏..‏ انه حضرة الموجه العام لمادة العلوم والرياضيات باحدي الادارات التعليمية بمحافظة الأسكندرية م م ط‏,‏ والذي آثر أن يعمل سباكا منذ نعومة أظافره وأصر علي أن يواصل عمله بجانب وظيفته المرموقة والدرجة التي وصل اليها كسبا للرزق الحلال وبمنأي عن أية شبهات‏,‏ وأمسك عن نشر اسمه أو صورته احتراما له ونزولا علي رغبته ليس خجلا من أن يعرفه الناس من الزملاء أو الأقارب لأنهم يعرفونه بالفعل‏,‏ وانما تواضع وزهد في الحياة‏.‏
ولد باحدي محافظات الدلتا كفر الشيخ تلقي تعليمه بها حتي المرحلة الجامعية ثم عمل مدرسا لمادة العلوم‏,‏ ومن سن الطفولة عندما كان في الصف السادس الابتدائي ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره‏:‏ مارس مهنة السباكة مع عمه‏,‏ حتي يسهم في توفير عيش كريم له ولأسرته‏,‏ وأيضا لأجل مواصلة تعليمه ومساعدة والده علي تحمل اعباء الحياة‏.‏ متزوج وله ولدان وبنتان‏..‏ زوجته تحمل مؤهلا متوسطا‏,‏ وهي ربة بيت‏(‏ أي بلا عمل‏),‏ أكبر أبنائه طبيب شاب والولد الثاني يحمل دبلوم صنايع يعمل بالسباكة مهنة والده أما البنتان فما زالتا بمرحلتي التعليم واحدة بالثانوي والأخري بالاعدادي التقيته بالمصادفة خلال عطلة صيف قصيرة بمنطقة العجمي‏,‏ حين فاجأني أحد مساعدي المقاولين المشهورين بالمنطقة وذكر اسمه ووظيفته أمامي عندما كنت أسأله عن سباك عنده ضمير‏..‏ وأشكو له سوء حالة الصنايعية وانعدام ضمائرهم‏..‏ قال لي عليك بالأستاذ فلان‏..‏ وألقي علي رأسي بالمفاجأة الكبري حين قال لي إنه موجه عام بالتربية والتعليم‏..!!‏ ظننتها نكتة لم أصدقها‏,‏ ولم يستوعبها عقلي سوي حين هاتفته ورد علي بأدب جم‏,‏ وخلال أقل من نصف ساعة وجدته يطرق الباب‏..‏ اعتبرتها بالحس الصحفي خبطة صحفية بكل المقاييس تسيل اللعاب‏..‏
والحق أنه كان قد دار في خلدي علي الفور حين وقع الكلام علي سمعي عدة احتمالات فاما أن حضرة الموجه العام يدير أعمال سباكة‏,‏ أو ربما صاحب ورشة سباكه ورثها عن والده بها مجموعة من الشباب أو الصبية الذين يعملون تحت إمرته ورئاسته‏,‏ ومن ثم سيوفد إلي صبيا من عنده يصلح لي ما فسد‏,‏ وكذا الحال مع بقية الزبائن‏..‏
لكنني فوجئت بل وسعدت كثيرا حين التقيته‏,‏ وزاد اعجابي به حين لمست مدي وحجم تواضعه واقباله علي عمله لاصلاح السباكة التالفة عندي في بضع دقائق‏,‏ ولم يكن برفقته صبي صغير يحمل عنه شنطة العدة‏,‏ لزوم الوجاهة وخلافه كما هو الحال لكثير من المبتدئين في مهن كثيرة‏..!‏
وهو رجل في الخمسينات من العمر متوسط الطول‏,‏ ذو بشرة خمرية مثل كل الناس الطيبين من أولاد البلد كتفاه عريضتان قليلا‏,‏ تشع من ملامح وجهه وصوته علامات التواضع ويعبر حديثه عن أخلاق رفيعة ونفس راضية يبدو بالفعل يحمل سمات الرجل التربوي‏,‏ من سلالة زمن جميل مضي‏..‏
لا يلهث وراء المال ولم يكن هدفه أبدا طوال ممارسته مهنة التدريس وإلا حصل عليه بسهولة من الدروس الخصوصية قلت له‏:‏ أنت بالنسبة لي ياعم أو يا أستاذ م خبطة صحفية بكل المعايير مارأيك في حوار أنشره لك في الأهرام؟
لكن الرجل والأستاذ التربوي المرموق قابل رغبتي بابتسامة هادئة معتذرا‏,‏ خاصة عن نشر اسمه وصورته‏,‏ وإن لم يعترض علي نشر أية معلومات أريدها‏,‏ ومكتفيا أن أرمز إلي اسمه بالأحرف الأولي‏,‏ وهكذا تبدد الكثير من حلمي في الفوز بهذا الحديث لكي أقدمه كنموذج للشباب وحتي الموظفين‏,‏ وكان علي أن أرضي بالقليل بالمعلومات وسرد قصة حياته‏..‏
ولا يخجل حضرة الموجه العام أن يظل يمارس المهنة التي تربي فيها وترعرع عليها منذ الصغر وحتي اليوم ك سباك صحي‏..‏ طيلة أكثر من‏30‏ عاما‏,‏ برغم تجاوزه منتصف عقد الخمسينات من العمر‏,‏ واقترابه من سن المعاش‏,‏ وبعد أكثر من‏33‏ عاما قطعها في مراحل التعليم‏.‏
يقول‏:‏ انتقلت إلي الإسكندرية عام‏1988‏ وكنت مدرسا لمادتي العلوم والرياضيات معا‏,‏ وظللت أودي عملي علي الوجه الأكمل طوال تلك السنوات‏,‏ وبعد العودة من المدرسة أحمل أدوات وشنطة السباكة لأبدأ رحلة ويوما جديدا من بعد العصر قد ينتهي بعد منتصف الليل‏,‏ أو في الصبح وما قبل فجر اليوم التالي‏.‏
يضيف‏:‏ لم أتغيب يوما عن مدرستي‏,‏ ولم تتأثر دروسي للطلبة بأي مشقة ألاقيها في مهنتي وعملي‏..‏ أسأله علي الفور‏:‏ ولماذا لم تكف نفسك بالدروس الخصوصية أو المجموعات وأن تضرب مثلا بالرحمة بالأولاد وأسرهم ولا تغالي في البونديرة وقيمة فاتورة الدرس وليس بالضرورة أن يكون بالحصة وبالظرف في نهايتها؟‏!‏
يجيب علي الفور وبهدوء‏:‏ لا‏..‏ أنا أقلعت عن هذا الطريق وأغلقت هذا الباب تماما لما به من شبهات الحرمانية كما قال‏..‏ وأيضا حتي لا أخلق أي سبب لإثارة الضغائن بيني وبين زملائي وكي أسد أي ذرائع يمكن أن تأتيني من ورائها‏..‏ ويضيف‏:‏ أقلعت عن الدروس الخصوصية‏,‏ وكان بامكاني تدريس الرياضيات والعلوم معا باعتبارهما من المواد التي تعتبر مصدرا للثروة الضخمة‏,‏ وكان علي أن أواصل المهنة التي تربيت عليها من الصغر مع خالي لثقتي بأن أكسب عيشي من عرقي بالحلال وأعود إلي أولادي نهاية كل يوم برزق وفير‏,‏ كما أنها توفر لي دخلا جيدا يمكنني من مساعدة أهلي‏,‏ خاصة المحتاجين من أفراد عائلتي‏.‏
ويتعين أن أشير إلي أن حضرة الموجه العام م م ط‏..‏ واحد من عشرة موجهين يشار اليهم بالبنان ويشرف علي وضع الامتحانات بالادارة التعليمية التي يعمل بها باحدي مناطق محافظة الأسكندرية‏..‏ وتعلم ادارته وزملاؤه طبيعة الحرفة التي يمارسها آخر النهار أو أيام العطل الرسمية منذ سنوات بل عقود‏,‏ وهو يلقي كل التقدير والاحترام من رؤسائه بل والاعجاب أيضا دون أن ينال هذا الأمر من مكانته شيئا‏..‏ ولا ينتقص من كرامته أمام كائن من كان‏.‏
كان بامكانه إذا أن يجني ثروة من وراء الدروس الخصوصية‏,‏ التي تعطي بالحصة في زمننا وما أدراك ما الدروس الخصوصية ووزن أصحابها المالي في المجتمع اليوم؟؟؟ حتي أن منهم من نراه يمر في الصباح الباكر بالسيارات الفارهة صبيحة امتحانات الثانوية العامة الكابوس‏..‏ للمراجعة أو ليمنح الطلاب الجرعة التنشيطية وينعش ذاكرتهم ومعلوماتهم قبيل التوجه إلي اللجنة‏..!‏
ويكشف الموجه العام عن أن ابنه الأكبر‏,‏ الذي أصبح طبيبا ظل يمارس مهنة السباكة معه حتي حصل علي الثانوية العامة‏,‏ وحين ظهرت النتيجة وأكرمه الله بمجموع كبير والتحق بكلية الطب البشري جمع الابن عدته ووضعها أمام والده وقال له شكرا يا أبي كفاية كده‏..‏ معذرة معه كل الحق‏..‏
ويضيف حضرته أيضا بأن ابنه هذا الطبيب بعد تخرجه حاول معه مرارا أن يقنعه بالاقلاع عن مواصلة العمل بمهنة السباكة وأن يريحه من عنائها‏,‏ ياأبتي كفاية عليك كده‏..‏ يقول بابتسامة ساحرة‏:‏ قلت له يابني كرشي هيكبر‏,‏ وأنا أحتاج إلي الخروج والعمل لأنه ينشط دورتي الدموية‏..!!‏
أسأله هل سبق أن طلبك أحد زملائك الموجهين لتركيب السباكة لشقته أو حتي لاصلاح دورة مياه لديه؟ وألم تستشعر الحرج؟ يجيب علي الفور‏:‏ نعم طلبوني ولا أشعر بالحرج‏..‏ ليس لدي أي مانع من القيام بأية أعمال لدي زملائي في العمل من المدرسين أو حتي الموجهين‏,‏ شأنهم شأن سائر الناس‏,‏ ولم أرفض ذلك يوما‏,‏ أو يدخل في نفسي شيء‏,‏ ولا أشعر بأي خجل أو حرج طالما أنني أتقاضي الأجر عليه وأمشي الي حال سبيلي‏.‏
وينتهي حضرة موجه التعليم في حديثه معي إلي أنه يصر علي الاستمرار في مهنته طالما أنها توفر له الكسب الحلال‏,‏ ويتمني اليوم الذي يري فيه الكثير من الشباب وحتي الموظفين يسلكون نفس الطريق بممارسة العمل الشريف دون الانتظار إلي مرتب الوظيفة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمكن أن يكفي لتغطية نفقات أسرة واشباع الحد الأدني من رغباتها في ظل الغلاء الفاحش الذي نعيشه اليوم‏..‏ قلت له لهذا تقدم غيرنا من الكثير من الشعوب والدول التي كانت فقيرة‏,‏ وانتعشت اقتصادياتهم ولا يشكون الفاقة‏,‏ كما لا ينتظرون مرتب الوظيفة نهاية كل شهر يعدون له باليوم‏..!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.